لم تكن الأزمة التي هزت الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» خلال الأشهر الأخيرة مجرد خلاف مالي حول مشروع استثماري بقيمة عشرين مليار دولار، بل كشفت عن صراع أعمق يتعلق بمن يمتلك القرار الاقتصادي في أكبر مؤسسة كروية بالعالم، ومن يحدد قيمة حقوق كأس العالم، وما إذا كانت الأرباح المستقبلية للبطولات الدولية قابلة للمشاركة مع مستثمرين من خارج المنظومة الرياضية.
بدأت القصة بعيداً عن الملاعب، وتحديداً داخل فندق «والدورف أستوريا» في مانهاتن بنيويورك، يوم 18 يوليو 2026، قبل نهائي كأس العالم بيوم واحد. فبحسب تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» واستند لاحقاً إليه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في إجراءاته القانونية، طُلب من خمسة مسؤولين كبار داخل «فيفا» النظر بصورة عاجلة في مشروع استثماري بالغ الحساسية، انتهى بحصوله على تأييد ثلاثة منهم مقابل اعتراض اثنين. وقد أثارت ظروف الاجتماع وسرعة اتخاذ القرار تساؤلات بشأن مدى اطلاع الهيئات المختصة على المشروع، وهي رواية لا تزال موضع خلاف بين الأطراف المعنية.
وبعد عشرة أيام، خرج المشروع إلى العلن تحت اسم «FIFA Forward Enterprise»، وهو كيان تجاري كانت الخطة تقضي بتجميع حقوق البث والرعاية والإعلانات والتذاكر والأنشطة التجارية المرتبطة بمسابقات «فيفا» داخله، مع فتح رأسماله أمام مستثمرين خارجيين بنسبة تقارب عشرين في المائة، مقابل تمويل يصل إلى 4.2 مليارات دولار، استناداً إلى تقييم إجمالي يقارب عشرين مليار دولار.
هنا تظهر أولى النقاط المثيرة للتدقيق؛ فالمبلغ المتداول لم يكن أموالاً اختفت من خزائن الاتحاد الدولي، وإنما قيمة تقديرية لشركة لم تُنشأ في النهاية. أما الصفقة المقترحة فكانت ستمنح المستثمرين حصة اقتصادية في نشاط يعتمد أساساً على بطولات تملك حقوقها مؤسسة غير ربحية تمثل 211 اتحاداً وطنياً.
ووفق تقارير «رويترز» و«أسوشيتد برس»، دخل بنك «جيه بي مورغان» الأمريكي على خط إعداد المشروع وترتيباته المالية، بينما برز اسم صندوق «Thrive Eternal»، المرتبط بالمستثمر الأمريكي جوشوا كوشنر، باعتباره مستثمراً رئيسياً محتملاً. وكوشنر هو شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي صلة أثارت اهتمام الصحافة الدولية في ظل العلاقات الوثيقة بين ترامب ورئيس «فيفا» جياني إنفانتينو، لكنها لا تمثل بذاتها دليلاً على محاباة أو مخالفة قانونية.
والأكثر إثارة أن الجانب المالي للمشروع ارتبط بعرض غير مسبوق للاتحادات الوطنية؛ إذ كانت الخطة تتيح لكل اتحاد الحصول على دفعة استثنائية تصل إلى عشرين مليون دولار، إضافة إلى تمويل تنموي يبلغ عشرين مليون دولار خلال دورة 2027-2030، وفق الصيغة التي شرحها «فيفا»، بشرط الموافقات المطلوبة ومشاركة الاتحادات المعنية.
وبعملية حسابية بسيطة، فإن منح 211 اتحاداً عشرين مليون دولار لكل واحد منها تعني توزيع 4.22 مليارات دولار، أي ما يعادل تقريباً كامل المبلغ الذي كان المشروع يستهدف جمعه من المستثمرين الخارجيين. وهذه المقارنة لا تثبت وجود خلل مالي، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: ما الكلفة الاقتصادية الحقيقية لمنح المستثمرين حصة من عائدات تجارية مستقبلية مقابل تمويل استثنائي يستهلك نظرياً معظم حصيلة الاستثمار الأولية؟
وتزداد أهمية هذا السؤال عند العودة إلى العرض التقديمي المؤلف من 25 صفحة، الذي اطلعت عليه صحيفة «الغارديان». فقد تضمن تصورات لتنمية الإيرادات من خلال توسيع الأنشطة والبطولات التجارية، وزيادة عائدات التذاكر، والاستعانة بتمويل خارجي وقروض، وتحسين استغلال حقوق البث. كما أشار إلى إمكانية زيادة عدد الفعاليات الرياضية العالمية، وهو ما أثار مخاوف من تفاقم الضغط على اللاعبين والأندية والروزنامة الدولية.
وكانت إحدى النقاط الأكثر إثارة للقلق غياب تفاصيل كافية، في الوثائق التي كُشفت إعلامياً، عن منهجية الوصول إلى تقييم العشرين مليار دولار، وعن وجود منافسة مفتوحة بين المستثمرين، فضلاً عن شروط العائد والخروج من الاستثمار. لذلك برز السؤال عن القيمة العادلة للحقوق: هل كان «فيفا» سيحصل على الثمن المناسب مقابل الحصة المعروضة، أم أن المستثمرين كانوا سيستفيدون من نمو اقتصادي مستقبلي يفوق ما تعكسه القيمة المقترحة؟
ولا يمكن الجزم بأن حقوق كأس العالم كانت ستباع بأقل من قيمتها الحقيقية دون الاطلاع على النماذج المالية والالتزامات التعاقدية ودراسات التقييم المستقلة. كما أن مقارنة قيمة الشركة المقترحة بإيرادات «فيفا» الإجمالية لا تكفي وحدها لإثبات انخفاض التقييم، لأن الإيرادات ليست أرباحاً صافية، ولأن قيمة أي مشروع تعتمد أيضاً على التكاليف والمخاطر والمدة الزمنية للحقوق.
في المقابل، دافع إنفانتينو عن المشروع باعتباره وسيلة لتعزيز تمويل كرة القدم في البلدان الأقل استفادة من العائدات العالمية. وأكد الاتحاد الدولي أنه سيحتفظ بالسيطرة على الشركة المقترحة وبكامل صلاحياته التنظيمية والرياضية، وأن المستثمرين لن يمتلكوا سلطة تقريرية بشأن قوانين اللعبة أو مواعيد المنافسات.
غير أن هذه الضمانات لم تقنع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، الذي رأى أن إدخال رأس المال الخاص إلى النشاط التجاري للمونديال قد يخلق ضغوطاً مستمرة لزيادة الأرباح، ولو على حساب التوازن بين المصلحة الرياضية والاعتبارات التجارية. وانضمت إلى الاعتراضات جهات كروية أخرى، بينها اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي، والاتحاد الآسيوي الذي انتقد غياب المشاورات المسبقة، إلى جانب الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين «فيفبرو».
وبعد تهديد الاتحادات الأوروبية بمقاطعة مسابقات «فيفا»، أعلن إنفانتينو في 31 يوليو سحب المشروع. لكن الإلغاء لم يُنهِ الخلاف، بل نقله إلى مستوى أكثر حساسية، تمثل في المطالبة بكشف وثائق الصفقة ومسار اتخاذ القرار.
ففي 27 و28 أغسطس، تقدم «يويفا» بطلبات أمام محاكم فيدرالية أمريكية للحصول على مستندات وشهادات تتعلق بالمشروع من شركات أمريكية مرتبطة بـ«فيفا» ومن جهات مالية واستثمارية معنية بالصفقة. واستندت تلك الطلبات إلى إمكانية الاستفادة من الأدلة في شكوى جنائية محتملة في سويسرا بشأن سوء الإدارة المالية.
وبحسب السجلات القضائية المتاحة التي تمت مراجعتها، يتعلق الأمر بأربع طلبات قانونية في ثلاث دوائر قضائية أمريكية. غير أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحصول على الأدلة ولا تعني أن جريمة ثبتت أو أن إنفانتينو أُدين، كما لم يتأكد صدور حكم قضائي نهائي في أصل الاتهامات أو فتح تحقيق جنائي سويسري بشأنها. من جهته، رفض «فيفا» اتهامات سوء الإدارة واعتبر الإجراءات القانونية جزءاً من حملة تستهدف قيادته.
لكن التطور الأهم الذي يكشفه تتبع الملف جاء يوم 15 أكتوبر الماضي، عندما أعلن «فيفا» عرض خطة جديدة لزيادة التمويل التنموي خلال دورة 2027-2030 إلى 6.35 مليارات دولار، تشمل الاتحادات الوطنية والجهات الكروية الأخرى، مع مخصصات مقترحة تبلغ 25 مليون دولار لكل اتحاد وطني.
واللافت أن الخطة الجديدة تعتمد على الاستفادة من الفائض المالي واحتياطيات الاتحاد الدولي، بعدما أشارت تقديرات أولية غير مدققة إلى فائض يتراوح بين 5.2 و5.6 مليارات دولار لدورة 2023-2026، مع الاحتفاظ باحتياطي وقائي مقترح قدره 1.7 مليار دولار. ولا تزال تفاصيل الخطة خاضعة للمراجعة والموافقات المؤسسية المقررة.
وهنا تتشكل الزاوية الأكثر أهمية في التحقيق: إذا أصبح بالإمكان اقتراح تمويل واسع من الموارد الذاتية، فلماذا كان فتح النشاط التجاري أمام مستثمرين خارجيين مطروحاً أصلاً؟ وهل كانت الزيادة المتوقعة في العائدات تبرر التنازل عن حصة من أرباح المستقبل؟
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن الخطة الجديدة لا تطابق العرض الاستثماري السابق من حيث القيمة أو مصادر التمويل أو الاستمرارية، وأن «فيفا» يرى أن الاستثمار الخارجي كان سيولد موارد إضافية فوق ما يمكن توزيعه من الاحتياطيات. ومع ذلك، يظل الفارق بين التصورين بحاجة إلى تدقيق مالي مستقل يوضح تكلفة كل خيار ومنافعه طويلة الأجل.
وفي الثاني من نوفمبر، كشفت «رويترز» أن الأمين العام لـ«فيفا» ماتياس غرافستروم دعا أعضاء مجلس الاتحاد الراغبين إلى الاطلاع على وثائق أساسية متعلقة بالمشروع داخل مقر المؤسسة بمدينة زيورخ، وفق شروط محددة. وجاء ذلك بعد مطالب أوروبية بالحصول على إجابات عن عشرات الأسئلة المتعلقة بإدارة الاتحاد وشفافية قراراته.
لكن إتاحة الوثائق لأعضاء المجلس بشروط لا تعادل بالضرورة مراجعة خارجية مستقلة، خصوصاً إذا لم تُنشر منهجية التقييم والأطراف المشاركة في التفاوض والمسؤوليات المؤسسية المرتبطة به. وفي الوقت نفسه، فإن فرض السرية على وثائق تجارية لا يثبت بمفرده وقوع تجاوز، إذ قد يرتبط بالتزامات تعاقدية وقانونية مشروعة.
ومع اقتراب انتخابات رئاسة «فيفا» المقررة في مارس 2027 بالمغرب، تتداخل الأسئلة المالية مع حسابات النفوذ داخل المؤسسة الكروية. فالمشروع الملغى أصبح اختباراً للثقة في قيادة إنفانتينو، بينما تحول مطلب الإصلاح المؤسسي إلى محور أساسي في المواجهة بين الاتحاد الدولي وعدد من الهيئات الكروية.
وتبقى الحقيقة الأهم أن عدم إتمام الصفقة لا يلغي ضرورة معرفة كيفية إعدادها، ومن اختار المستثمرين المحتملين، وكيف جرى تحديد القيمة السوقية، وما الضمانات التي كانت ستحمي مستقبل البطولات من تضارب المصالح.
فالقضية لم تعد تتعلق بـعشرين مليار دولار وحدها، بل بنموذج إدارة كرة القدم العالمية: هل تبقى الحقوق التجارية وسيلة لتمويل اللعبة وتطويرها تحت رقابة مؤسساتها، أم تتحول تدريجياً إلى أصول استثمارية يتحدد مستقبلها بمنطق الربحية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى اتهامات مسبقة، وإنما إلى وثائق كاملة وتقييم مالي مستقل ومساءلة مؤسسية شفافة. وحتى يحدث ذلك، ستظل صفقة «فيفا» التي لم تكتمل واحدة من أبرز القضايا المفتوحة بشأن مستقبل الاقتصاد الكروي الدولي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!