عادت الصحافة الجزائرية إلى توجيه اتهامات ثقيلة للمغرب بشأن شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات، بعدما نشرت صحيفة «المساء» الجزائرية، اليوم الخميس، مقالاً يتحدث عن مزاعم تتعلق بتغلغل أموال المخدرات في دوائر القرار السياسي المغربي، في طرح يعيد إلى الواجهة إشكالية توظيف الملفات الأمنية في سياق العلاقات المتوترة بين الرباط والجزائر.
واستندت الصحيفة إلى معطيات منسوبة لوسائل إعلام مغربية بشأن استخدام مسؤول حكومي سيارة قيل إنها تعود إلى شخص يواجه ملفات قضائية في إسبانيا مرتبطة بالاتجار الدولي بالمخدرات، خلال مناسبة بمدينة الناظور. غير أن الصحيفة انتقلت من عرض هذه المزاعم إلى اتهامات أوسع تتعلق بوجود تداخل بين شبكات التهريب ومراكز النفوذ السياسي بالمغرب، دون تقديم أدلة قضائية مستقلة تثبت هذا الاستنتاج.
واللافت أن الواقعة التي أعادت الصحيفة الجزائرية تداولها ليست جديدة تماماً، إذ سبق لموقع «ريف رس» المغربي أن نشر، بتاريخ 28 سبتمبر 2026، تقريراً يتناول شبهات مرتبطة بسيارة استُخدمت خلال زيارة مسؤول إلى الناظور. وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول القيمة الإخبارية لإعادة تقديم معطيات متداولة سابقاً ضمن سياق اتهامي جديد.
ولا يمكن إنكار أن جرائم الاتجار بالمخدرات ومحاولات اختراق المؤسسات تمثل تحديات حقيقية لأي دولة، بما فيها المغرب، الذي شهد بالفعل ملفات قضائية بارزة مرتبطة بشبكات التهريب الدولي. غير أن وجود قضايا جنائية تورط فيها أفراد أو مسؤولون لا يعني بالضرورة مسؤولية مؤسسات الدولة أو وجود سياسة رسمية تحمي تلك الأنشطة، فالمسؤولية الجنائية تظل شخصية وتحددها التحقيقات والأحكام القضائية.
وفي المقابل، تبرز إشكالية لا تقل أهمية تتعلق بمدى استعداد الإعلام الجزائري لتطبيق المعايير نفسها على الاتهامات التي تطال شخصيات نافذة داخل الجزائر. فقد سبق أن تناولنا في تحقيق سابق شبهات واتهامات بشأن صلات محتملة بين عناصر من المؤسسة العسكرية الجزائرية وشبكات تهريب المخدرات، بما في ذلك مزاعم تتعلق برئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة، وهي اتهامات تستوجب التحقيق والتدقيق ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة دون مستندات مستقلة قابلة للتحقق.
وتجدد الجدل في هذا الملف بعدما نشرت وسائل إعلام مغربية، يوم الأربعاء 4 نوفمبر، تقارير عن تسريبات وتصريحات منسوبة لناشطين جزائريين تتحدث عن علاقات مزعومة بين شبكات التهريب وبعض القيادات العسكرية. ورغم خطورة ما ورد في تلك التقارير، فإنها لا تشكل في حد ذاتها دليلاً قضائياً على تورط الأشخاص المذكورين، خصوصاً في غياب وثائق أصلية منشورة يمكن فحصها والتحقق من صحتها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: لماذا تتحول الشبهات المتعلقة بالمغرب في بعض التغطيات الجزائرية إلى اتهامات واسعة تطال مؤسسات الدولة، بينما تستدعي المزاعم المماثلة داخل الجزائر بحثاً وتدقيقاً لم يُحسم بعد؟ إن المصداقية الإعلامية لا تقاس بحدة الاتهامات، بل بوحدة المعايير المستخدمة لفحص الأدلة، بصرف النظر عن جنسية المتهم أو موقعه السياسي والعسكري.
كما أن اعتماد لغة توحي بأن المخاطر الأمنية التي تواجه الجزائر مصدرها المغرب وحده لا يقدم تفسيراً كافياً لطبيعة الجريمة المنظمة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حيث تتداخل مسارات تهريب المخدرات والأسلحة والأموال غير المشروعة عبر حدود متعددة، وتستفيد الشبكات الإجرامية من تعقيدات المجال الجغرافي والظروف الأمنية والاقتصادية.
والواقع أن مكافحة المخدرات تقتضي الاعتراف بخطورة الظاهرة بعيداً عن المزايدات السياسية، مع ضرورة مساءلة كل من تثبت مسؤوليته عنها، سواء كان مدنياً أو عسكرياً أو صاحب نفوذ سياسي، في المغرب أو الجزائر أو أي دولة أخرى.
القضية ليست في حق الصحافة الجزائرية لكشف ملفات الفساد داخل المغرب، فهذا حق مشروع متى استند إلى معلومات موثقة، وإنما في خطورة تحويل الاتهامات الفردية إلى أحكام جماعية تخدم صورة سياسية جاهزة. فالمخدرات لا تحمل جنسية، والجريمة المنظمة لا تعترف بالحدود، وأي محاولة لحصر المسؤولية في طرف واحد قد تحجب أسئلة أكثر أهمية عن الامتدادات الحقيقية للشبكات والمستفيدين منها على جانبي الحدود.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!