تتأسس المنظومة الكلامية والتشريعية في الإسلام على قاعدة التناسب المطلق بين الكمال الإلهي والمسؤولية الإنسانية، إذ لا يرد النص القرآني بوصفه مجرد وعظ خطابي، بل باعتباره بناءً برهانياً محكماً يضع العقل أمام حتميات الوجود وسنن الجزاء. وفي قلب هذا البناء تتردد فاصلة قرآنية مهيبة في خستة مواضع مفصلية من التنزيل الحكيم، تتدرج في خطابها من الإخبار الغيبي المطلق في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ في سور آل عمران والأنفال والحج، إلى الخطاب المضاف إلى مقام الربوبية الحانية في سورة فصلت: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وصولاً إلى ذروة التجلي الذاتي المباشر في مشهد الفصل الأخروي بسورة ق: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. هذا الانتقال الأسلوبي من اسم الجلالة الظاهر ﴿اللَّهَ﴾ الجامع لصفات الكمال، إلى وصف ﴿رَبُّكَ﴾ المشعر بالتربية والرعاية والتدبير، ثم إلى ضمير المتكلم المفرد ﴿أَنَا﴾ في محكمة العدل الكبرى، يكشف عن هندسة بيانية تقرر أن نفي الظلم ليس حكماً طارئاً، بل هو مقتضىً ذاتيٌّ للربوبية والألوهية معاً، يتجلى في الدنيا تدبيراً وتشريعاً، وفي الآخرة حساباً وجزاءً.
وباستقراء أسباب النزول وسياقات الخطاب في هذه المواضع الخمسة، يتبين أن الآية الكريمة جاءت لتقويض أخطر مغالطتين عرفهما الفكر البشري في علاقته بالسماء: مغالطة (الجبرية التنصلية) التي يلقي فيها الإنسان تبعة إفساده على القدر، ومغالطة (الاستحقاق الطبقي) التي يتوهم فيها المترفون أن عطاء الدنيا دليل على الحظوة الأخروية. ففي السياق المكي لآيتَيْ سورتي فصلت والحج، نزلت الآيات في مواجهة صناديد قريش كالوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وأبي جهل، الذين جادلوا في الله بغير علم، وادعوا أنهم إن بُعثوا فسيكون لهم عند الله الحسنى كما أُعطوا السيادة في الدنيا، أو زعموا أن ما هم عليه من شرك وعدوان إنما هو بمشيئة الله فلا حجة عليهم؛ فجاء الجواب القرآني قاطعاً في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وفي قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، ليربط المصير بكسب اليد واختيار الإرادة. وفي السياق المدني لسورتي آل عمران والأنفال، نزل النص في معرض الرد على أحبار يهود —كفنحاص بن عازوراء— الذين افتروا على الله وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وقتلوا الأنبياء بغير حق، كما نزل عقب غزوة بدر في شأن مصارع المشركين، فجاء التقرير الإلهي بأن ما يلحقهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ليس تشفياً إلهياً ولا جوراً، بل هو الأثر الحتمي والموضوعي لأفعالهم الموثقة في سجل الوجود.
وإذا غصنا في دقائق التفسير وأسرار البيان عند أئمة التحقيق كالطبري، والزمخشري في (الكشاف)، وفخر الدين الرازي في (مفاتيح الغيب)، والبيضاوي، وأبي السعود، وابن عاشور في (التحرير والتنوير)، واجهتنا إشكالية لغوية دقيقة طالما توقف عندها العلماء: لِمَ جاء النفي لصيغة المبالغة ﴿بِظَلَّامٍ﴾ على وزن (فَعّال) ولم يقل (بظالم)، مع أن نفي الكثرة قد يوهم في بادئ الرأي جواز وقوع القليل، والله منزه عن ظلم مثقال ذرة؟ وقد أجاب المحققون عن هذا بأربعة مسالك برهانية متكاملة؛ أولها مسلك (المقابلة الكَمّية)، فالله سبحانه لو ظلم كل عبد من عبيده الذين لا يحصيهم إلا هو ذرةً واحدة، لكان باعتبار مجموع الخلائق —على فرض المحال— (ظلّاماً) لكثرة من يقع عليهم الفعل، فلما أراد سبحانه نفي أدنى الظلم عن مجموع العباد في كل العصور ناسب أن يأتي بصيغة ﴿بِظَلَّامٍ﴾ بإزاء صيغة الجمع ﴿لِلْعَبِيدِ﴾. وثانيها مسلك (التعريض بالملوك والجبابرة)، إذ جرت عادة الملوك والأسياد في الدنيا أن من يملك العبيد يفرط في استضعافهم وهضم حقوقهم حتى يصير الظلم سجيّة ملازمة له، فعبّر القرآن بلفظ ﴿الْعَبِيدِ﴾ الدال على غاية المملوكية والضعف، ولفظ ﴿رَبُّكَ﴾ الدال على المالك المدبر، ليقول للمخاطب: لا تقس ملكوت السماء على ممالك الأرض؛ فالمُلْك الأرضي مظنة الطغيان، أما ربك فليس في شأنه وسننه ما يشبه شأن الجبابرة الظلّامين. وثالثها مسلك (الفظاعة النوعية)، فالظلم وإن قلّ في ذاته فإنه لو صدر عن الغني المطلق القادر الحكيم لكان في ميزان العقل عظيماً فاحشاً، فجاءت صيغة المبالغة باعتبار عِظَم شأن الفاعل لا كثرة الفعل. ورابعها مسلك أئمة اللغة كالخليل وسيبويه الذين قرروا أن (فعّالاً) يرد في لسان العرب للنَّسَب لا للمبالغة، كقولهم (تمّار) و(لبّان) لمن يقتني التمر واللبن أي (ذو تمر وذو لبن)، فيكون معنى ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾ أي ليس بذي ظلمٍ البتة، وتدخل باءُ التوكيد المزيدة في الخبر المنفي لإفادة استغراق النفي للجنس من أصله.
ويتآزر هذا التحقيق اللغوي مع منظومة متكاملة من الأدلة النقلية القطعية في الكتاب والسنة؛ فالقرآن الكريم يفسِّرُ بعضُهُ بعضاً، فيرفع أي لبس محتمل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ولا ﴿نَقِيرًا﴾، بل يفصل ماهية الظلم المنفي في الآخرة بحصره في أمرين لا ثالث لهما في قوله سبحانه: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾، حيث ذهب جمهور المفسرين إلى أن (الظلم) هو أن يُحمَّل المرء وزر ذنب لم يقترفه، و(الهضم) هو أن يُنقص من ثواب حسنة عملها. وتأتي السنة النبوية المطهرة لتضع التفسير الشرعي الأعلى لهذه الآية في الحديث القدسي الجليل الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال:
«يا عِبادي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي، وجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظالَمُوا»
، حتى يختم بقوله:
«يا عِبادي، إنَّما هي أعْمالُكُمْ أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاها، فمَن وجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلكَ، فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ»
. وكما حرر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في تحقيق هذا الحديث، فإن تحريم الله الظلم على نفسه ليس تحريم إيجاب من آمرٍ فوقه —تعالى الله عن ذلك— بل هو تحريمُ تنزيهٍ وامتناعٍ تقتضيه ذاته المقدسة، ووعدٌ صادق ألزم به نفسه فضلاً وحكمة كما كتب على نفسه الرحمة. ويمتد هذا البيان النبوي للعدل الإلهي ليشمل القصاص الكوني يوم القيامة كما في صحيح مسلم:
«لتُؤَدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلِها يومَ القيامةِ، حتى يُقادَ للشاةِ الجَلْحاءِ من الشاةِ القَرْناءِ»
، فإذا كان ميزان الله لا يهمل نطحة بهيمة غير مكلفة إحقاقاً لصورة العدل المحض، فكيف يضيع فيه مثقال ذرة لعبد مكلف؟
وعندما نعرض هذه الحقائق النقلية على محك العقل الفلسفي والكلامي، نجد أن الآية الكريمة تنطوي على برهان عقلي صارم يلتقي فيه النظر البرهاني بصريح الوحي؛ فالعلماء في تعريفهم لماهية (الظلم) انقسموا إلى مدرستين كبيرتين، وكلتاهما تفضي عقلاً إلى استحالة الظلم في حقه تعالى: المدرسة الأولى ترى أن الظلم هو (التصرف في ملك الغير بغير إذنه)، وبموجب هذا الحد يكون الظلم مستحيلاً على الله استحالةً وجودية لأن الكون كله بذرّاته ومجرّاته وعباده مِلكٌ خالص له إيجاداً وإمداداً، ولا مالك سواه حتى يتعدى على ملكه. غير أن المدرسة الثانية، وهي أعمق مسلكاً وألصق بدلالة الآيات، تعرف الظلم بأنه (وضع الشيء في غير موضعه اللائق به في نظام الحكمة، كالتسوية بين المحسن والمسيء، أو تعذيب من لا جرم له). وهنا ينهض البرهان العقلي القاطع (برهان السبر والتقسيم) ليقرر أن صدور القبيح أو الظلم من أي فاعل في الوجود لا يخلو عقلاً من أربع علل باطنة: إما (الجهل) بقبح الفعل ومقادير الاستحقاق، وإما (الحاجة) لجلب نفع أو دفع ضرر أو التداوي من نقص، وإما (العجز) عن تحقيق الغاية إلا بظلم الغير، وإما (العبث) الخالي من الغاية والحكمة. ولما قام البرهان العقلي القطعي على أن واجب الوجود سبحانه متصف بالعلم المحيط الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، وبالغنى الذاتي المطلق الذي لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، وبالقدرة التامة التي لا يعجزها شيء، وبالحكمة البالغة المنزهة عن العبث؛ سقطت جميع الدواعي المقتضية للظلم، وثبت بالضرورة العقلية أن كل فعل يصدر عنه سبحانه هو عين العدل والحكمة.
وفضلاً عن ذلك، فإن العقل يدرك أن الله سبحانه حين أقام نظام (التكليف) وأرسل الرسل وأنزل الكتب، فقد منح الإنسان (أهلية الاختيار) و(مناط الكسب) اللذَيْنِ يُخرجان أفعاله من دائرة حركة الجمادات القسرية إلى دائرة الفعل الأخلاقي الواعي؛ فلو كان الجزاء الأخروي يقع جزافاً دون ارتباطٍ سببيٍّ بأفعال العباد، لبطلت حكمة التشريع، ولاستوى الصادق والكاذب، ولصار إرسال الرسل عبثاً يناقض قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. ومن هنا تتكشف عظمة الآية ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ بوصفها ميثاقاً وجودياً يجمع بين طلاقة القدرة الإلهية وحتمية العدالة، ويحرر الإنسان من أوهام القهر القدري ليضعه في مقام المسؤولية الكاملة عن اختياراته، موقناً أنَّه ماثلٌ بين يدي ربٍّ يحصي الأنفاس والخطرات، فيضاعف الحسنةَ عشرةَ أمثالها إلى سبعمائة ضعف بمحض فضله، ويجزي بالسيئة مثلها أو يعفو بمحض عدله وكرمه، فلا يهلك على الله إلا هالك أصرّ على ظلم نفسه بعد أن قامت عليه الحجة واستنارت له المحجة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!