تعد مسألة خلق السماوات السبع والأرضين السبع من القضايا الكونية الكبرى التي شغلت حيزاً جلياً في التراث المعرفي الإسلامي، حيث تضافرت نصوص القرآن الكريم، وصريح السنة النبوية المطهرة، وما تلاها من شروح أئمة التفسير والحديث لتقرير هذه الحقيقة. مؤكدة أنها ليست مجرد تصور أسطوري أو أمر عارٍ عن الصحة، بل حقيقة كونية ثابتة بنصوص محكمة وأدلة قطعية.
ففيما يتصل بالسماوات السبع، فقد أورد القرآن الكريم ذكرها بصيغة قاطعة لا تحتمل التأويل اللغوي لغير العدد الحقيقي، مصرحاً في محكم تنزيله بقوله تعالى: «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم» [البقرة: 29]، وتكرر هذا التقرير في مواضع شتى كقوله سبحانه في سورة الملك: «الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور» [الملك: 3]، وكذلك في سورة نوح وفصلت والمؤمنون، واصفاً إياها بأنها طباق متماسكة لا تفاوت فيها، ومؤكداً أن هذا التكوين السبعي يمثل سقفاً محفوظاً ونظاماً متكاملاً يتنزل الأمر الإلهي بين أرجائه.
أما في جانب الأرض، فقد وردت الإشارة القرآنية إليها بدقة بالغة في ختام سورة الطلاق في قوله تعالى: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن» [الطلاق: 12]. وقد استقر رأي جهابذة التفسير واللغة على أن المماثلة المذكورة في الآية إنما تنصرف إلى العدد لا محالة، إذ لا يتصور التماثل في العظمة أو السعة أو الصفات مع التباين المشهود بين طبيعة السماء العلوية والأرض السفلية، بل جاءت الدلالة الصريحة لتبين أن عدد الأرضين سبع كما أن السماوات سبع، وهو ما تواتر لدى الأئمة المفسرين الأوائل كابن جرير و الطبري والقرطبي وابن كثير، الذين رأوا في هذا السياق برهاناً ساطعاً على تعدد طبقات الأرض أو عوالمها بعدد سبعة.
وقد جاءت السنة النبوية الشريفة لترفع كل لبس وتزيل أي احتمال للمجاز في عدد الأرضين، من خلال أحاديث بلغت أعلى درجات الصحة والثبوت في صحيحي البخاري ومسلم؛ فمن أبرز هذه الشواهد ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أيضاً: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين»، وهذا التطويق والخسف المذكور لا يستقيم لغة ولا حقيقة إلا إذا كانت الأرضون سبعاً ذات وجود عيني يتخلله الخسف ويطوق به الظالم. وتتعزز هذه الأدلة بما صح في السنن والأدعية المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى بلدة يريد دخولها قال: «اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين...»، وهو ما يثبت المقابلة التامة في الوجود والعدد بين ما تظله السماء وما تقله الأرض.
وعلى صعيد الإجماع والفهم العقدي، لم يقع بين علماء الأمة خلاف معتبر في أصل ثبوت العدد سبعة لكل من السماوات والأرض، بل انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على الإقرار بهذه النصوص وتمريرها على ظاهرها المحكم دون تعطيل أو تحريف، واعتبروا أن الإيمان بوجود سبع سماوات وسبع أرضين جزء لا يتجزأ من التصديق بما أخبر به الوحي المعصوم. وانصرف جهد العلماء ونقاشهم بعد ذلك إلى بيان كيفية هذا التعدد وهيئته؛ فبينما ذهب جمهور عريض من المفسرين والفقهاء والمحدثين إلى أن الأرضين السبع طبقات متراكمة بعضها فوق بعض يفصل بين كل طبقة وأخرى تكوين خاص تماماً كما هو الحال في طباق السماوات، رأى فريق آخر احتمال كونها سبعة أقاليم، أو قارات، أو أجرام وعوالم متجاورة في الفضاء الكوني يجمعها التكوين نفسُه وتتفق في طبيعتها الأرضية. وهذا الخلاف المحصور في الكيفية لا يقدح إطلاقاً في أصل الثبوت والعدد، بل يؤكد أن القضية متجذرة ومسلمة في الوعي العقدي الإسلامي، وأن نفيها أو الزعم بأنها مجردة من الصحة يناقض صريح النصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة وخلفها، لتبقى حقيقة السماوات السبع والأرضين السبع ركيزة كونية وإيمانية راسخة تستند إلى أقوى براهين الوحي المنقول.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!