تتفق النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة على أن العقل البشري ليس مجرد أداة لإدارة شؤون المعاش، بل هو مناط التكليف ومفتاح الوصول إلى الحقائق الكبرى، وفي مقدمتها الإيمان الراسخ بالله عز وجل، حيث جعل الإسلام إعمال الفكر والنظر في آيات الله الكونية والقرآنية عبادة قلبية جليلة ترفع صاحبها من مرتبة التقليد إلى ذروة اليقين، إذ تتضافر آيات الذكر الحكيم في الحث على فك شفرات الوجود، مبينة أن هذا الكون الفسيح بما فيه من إتقان وإحكام هو كتاب الله المنظور الذي يصدق كتابه المسطور، ولعل أبلغ ما يجسد هذه الحقيقة الإيمانية هو مطلع أواخر سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ففي هذا المشهد القرآني المهيب يربط الحق سبحانه وتعالى بين صفاء العقل الذي سماه "اللب" وبين ديمومة الذكر وعمق التفكر، ليخلص المتأمل في تعاقب الظلمة والنور وإبداع السماوات والأرض إلى نتيجة حتمية تنفي العبثية والصدفة عن هذا الوجود، وتقوده مباشرة إلى تنزيه الخالق واللجوء إليه خوفاً وطمعاً، وهو ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم بسنته القولية والعملية حين نزلت عليه هذه الآيات المباركات، إذ روي في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي ذات ليلة فبكى حتى بل لحيته وبل الأرض، ولما سأله بلال رضي الله عنه عن سبب بكائه وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال عليه الصلاة والسلام: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها»، وفي هذا التحذير النبوي البليغ دلالة قاطعة على أن الغاية من تلاوة الآيات ومشاهدة الكائنات ليست مجرد المرور العابر باللسان أو البصر، بل الغوص بالبصيرة لاستخراج دلائل التوحيد والعظمة، فالويل والخسران لمن حُرم لذة النظر العقلي فلم يثمر في قلبه خشية ولا إيماناً، بل إن القرآن الكريم يوجه بوصلة الإنسان للنظر في أقرب الأشياء إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، ويستنهض همته للتأمل في بديع صنع الله حوله كما في قوله سبحانه: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، إلى جانب دعوته الصريحة لتدبر آياته المتلوة في قوله جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، مما يدل دلالة واضحة على أن ترك التدبر والتفكر هو بمثابة إغلاق لمنافذ الإدراك وإقفال للقلوب عن نور الهداية، وقد أجمع علماء الأمة وأئمة السلف الصالح قاطبة على وجوب النظر والاستدلال لمعرفة الصانع سبحانه، وعدّوا التفكر من أعظم أعمال القلوب وأشرف العبادات؛ لأنه الأصل الذي تنبثق منه سائر الطاعات، فما عُبد الله بمثل التفكر في آياته الذي يورث المحبة والمهابة والتعظيم، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الصمت ويديم الفكرة، موجهاً أصحابه وأمته إلى التفكر في آلاء الله ومخلوقاته دون التطرق إلى ذاته سبحانه لعجز العقول عن الإحاطة به، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ولا يقف البنيان الشرعي لهذه الفريضة الفكرية عند حدود الإجمال، بل يفصل أئمة اللغة والتفسير العلاقة التكاملية بين جناحي المعرفة؛ إذ يتجه "التفكر" إلى تقليب البصيرة في المخلوقات والآفاق لاستجلاء بداياتها وحكمة إيجادها، بينما ينصرف "التدبر" إلى النظر في عواقب الأمور وأدبارها وفهم مقاصد الآيات القرآنية ومآلاتها، وهما معاً يرسمان المنهج الذي سلكه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام في محاججة قومه والترقي في مدارج اليقين، حين استقرأ ظواهر الكون من كواكب وقمر وشمس ليبرهن بالدليل العقلي القاطع على أن المتغير الآفل لا يصلح للألوهية، معلناً براءته من الشرك وتوجهه الحنيف لمن فطر السماوات والأرض، وهو ذات المسلك الذي جعل الصحابة والتابعين يضعون هذه العبادة في ذروة سنام الأعمال، حتى نقل الإجماع العملي عنهم في تفضيلها على مجرد نوافل الجوارح الخالية من حضور القلب، كما يتجلى في مقولة أبي الدرداء وأقوال الحسن البصري وسفيان بن عيينة رحمهم الله من أن تفكر ساعة في آلاء الله وعواقب الآخرة خير من قيام ليلة والقلب لاهٍ غافل، ووصفهم للفكر بأنه المرآة الصافية التي تُري المؤمن حسناته وسيئاته، والمفتاح الذي يورث الحكمة ويحيي القلوب الميتة؛ لأن العقل إذا أُعمل في تدبر التنزيل وتفكر التكوين انعتق من أسر الغفلة وأدرك السنن الإلهية في الأنفس والآفاق، وهكذا يلتقي التدبر في آيات الوحي مع التفكر في آيات الكون ليشكلا جناحين يطير بهما المؤمن في آفاق المعرفة الحقة، فينتقل من رؤية الأثر إلى شهود المؤثر، ومن معاينة الصنعة إلى تعظيم الصانع، فتتحول المعرفة الذهنية لديه إلى خشوع جوارح، واستقامة سلوك، وعمارة للأرض على هديٍ وبصيرة، ليستقر الإيمان في سويداء القلب يقيناً لا تزعزعه الشبهات، ونوراً يهدي صاحبه إلى صراط العزيز الحميد، ويتحقق بذلك كمال العبودية لله رب العالمين.
التفكر والتدبر في الكون طريق ترسيخ الإيمان
تتفق النصوص الشرعية على أن العقل البشري ليس مجرد أداة لإدارة شؤون المعاش، بل هو مناط التكليف ومفتاح الوصول إلى الحقائق الكبرى وفي مقدمتها الإيمان الراسخ.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!