لم تقتصر الديانات الإبراهيمية الثلاث على نطاق الشعائر التعبدية، بل امتدت لتنظيم المعاملات المالية والاقتصادية، حمايةً للأموال من التداول المحظور وتحقيقاً للعدالة الاجتماعية بين طبقات المجتمع.
في الشريعة الإسلامية، تأسس الاقتصاد على مبدأ الاستخلاف في الثروة وحرية التمليك المشروع، مقيداً بتحريم الاحتكار، وتحريم الربا بنوعيه —ربا النسيئة في الديون وربا الفضل في الأصناف الربوية الستة وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتتمر والملح—، وتحريم الغش والجهالة والغرور (الغَرَر) والميسر والتدليس في البيوع، فضلاً عن تشريع العقود التنموية كالضاربة (المضاربة)، والمشاركة، والسلم، والاستصناع، والوقف الخيري؛ وقد رسخت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية هذا التوازن الاقتصادي في قاعدة تشريعية صارمة:
«أحل الله البيع المربح المبني على التراضي المتبادل، وحرم تحريماً قاطعاً الربا والغرر والأكل بالباطل لأموال الناس»
وقد طبق الصحابة هذه المنهجية في إدارة الأسواق وبيت المال؛ هكذا، أنشأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدواوين ونظام الحسبة لمراقبة الأسواق ومنع الاحتكار، وتصدق عثمان بن عفان ببئر رومة للمسلمين، وقرر الصحابة في أحكامهم المالية المبدأ المأثور: «المسلمون عند شروطهم في عقودهم المالية، إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً».
وقد أصل الأئمة الأربعة فقه المعاملات المالية بدقة متناهية؛ فتميز أبو حنيفة في تنظيم عقود الاستصناع والوكالة والشركات، وفصل مالك أحكام بيع الآجال ومنع الحيل الربوية، وضبط الشافعي صيغة العقود وأركانها، وأوسع أحمد بن حبن الإباحة في الشروط التعاقدية، مقرراً في قواعده الفقهية الكبرى: «الخراج بالضمان والغنم بالغرم، ولا يجوز استغلال حاجة المحتاج لأخذ ماله بغير عوض عادل».
وعند المقارنة بالتلمود في قسم نيزيكين (Nezikin) —الذي يضم الأبواب الكبرى الثلاثة وهي: بابا قاما، بابا ميتسيا، وبابا باترا—، نجد تنظيمات مالية مفصلة تتعلق بعقود البيع والشراء، والأصول الأربعة للأضرار، وحقوق العمال، وتحريم الغش الفاحش المسمى "أوناه" (Ona'ah) إذا جاوز سدس قيمة السلعة في السوق؛ ومع ذلك، يفرق التلمود في تحريم الربا وإبراء الديون في السنة السابعة السبتية بين الأخ في الدين والغريب من الأمم الأخرى، مع ابتكار الحاخام هيلل لوثيقة "بروسبول" القانونية لاستمرار استيفاء الديون بعد السنة السابعة، مستنداً إلى التفسير الحاخامي الذي ينص على: «يحرم الإقراض للأخ بالربا أو غشه بما يجاوز سدس السعر، وتبرأ الديون بين الإخوة في السنة السابعة»، رغم أن التلمود يؤكد في الوقت ذاته تحريم تطفيف الموازين ووجوب إيفاء أجير أجرته قبل غروب الشمس.
وعلى النقيض من ذلك، نظر الإنجيل إلى الثروة بمنظور زهدي يحذر من فتنة الغنى وعبودية المال للقلب البشري، داعياً إلى السخاء المطلق والإقراض للمحتاجين دون ترقب جزاء أو فائدة، مما شكل الأساس لتحريم الربا في القانون الكنسي لأكثر من خمسة عشر قرناً، معلناً المبدأ الإنجيلي الحاسم: «لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؛ الله والمال معاً؛ بل أقرضوا المحتاجين غير منتظرين زيادة ولا عوضاً». ومن هنا يتضح أن الإسلام جمع بين المثالية الأخلاقية التي دعا إليها الإنجيل والانضباط القانوني الصارم للعقود، معمماً العدالة ومحرماً الربا والغش مع البشرية جمعاء بلا تمييز عرقي أو ديني.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!