تتمحور فلسفة الحلال والحرام والحدود الجنائية في الديانات السماوية الثلاث حول حماية المجتمع البشري من الفوضى والإنحلال، وصيانة المبادئ الكبرى العالمية التي لا تقم الحياة بدونها.
ففي الشريعة الإسلامية، جاءت نصوص القرآن والسنة للحفاظ على خمس ضرورات كبرى: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وبناءً على ذلك، أُحلت الطيبات وحُرمت الخبائث، كالميتة، والدم المسفوح، لحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمشروبات الكحولية، مع إباحة ذبائح أهل الكتاب. وقد رافق هذا النظام عقوبات مقررة لردع الجرائم الكبرى، كعقوبة السرقة، والحرابة، والزنا -الذي يُشترط لإثباته شهادة أربعة شهود عدول ركائز-، وعقوبة القذف التي تصل إلى ثمانين جلدة دفاعاً عن الشرف، وقصاص (القصص)، والذي تم استكماله بفتح باب العفو والتعويض (الدية). وقد أحاط الإسلام تطبيق هذه الحدود بسور منيع من الضمانات القضائية الصارمة، وهو ما طبقه الصحابة الكرام بعميق الفقه بمقاصد الشريعة، كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين عطل تطبيق حد السرقة في عام الرمادة في العام الثامن عشر للهجرة، لشبهة المجاعة والحاجة الملحة، وكما فعل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) عبر التحقيق القضائي الدقيق لفتح باب التوبة، وهو ما صاغه الصحابة في القاعدة الفقهية الذهبية:
ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، فلأن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة
وكذلك اتفق الأئمة الأربعة -أبو حنيفة، مالك، الشافعي، وأحمد- على التمييز بين الحدود المقدرة والتعازير المفوضة للقاضي، موسعين مساحة الشبهات التي تسقط الحد، ومقررين في باب الحلال والحرام القاعدة الفقهية الكلية:
الضرورات تبيح المحظورات بقدر ما تدفع به هلاك النفس، دون تجاوز أو تعدٍ
وعند تفحص التلمود، الذي أحصى حكماؤه ستمائة وثلاث عشرة وصية تشريعية مقسمة إلى مائتين وثمنية وأربعين أمراً إيجابياً وثلاثمائة وخمسة وخمسين تحريماً، نجد في سفر "خولين" صرامة بالغة في قواعد الأطعمة المعروفة بـ "الكاشروت". يفرض التلمود أن تتم الذبيحة Ritual على يد جزار مرخص باستخدام سكين أملس تماماً وخالٍ من الثلوم، ويحرم عرق النسا، ويشترط نقع اللحم وتمليحه لاستخراج الدم منه، ويحرم بشدة خلط اللحم بالحليب، وهو تحريم يمتد حتى فصل الأواني والانتظار ما بين ثلاث إلى ست ساعات بعد استهلاكه، بناءً على التفسير الحاخامي الموسع للقاعدة:
لا تطبخ الجدي بحليب أمه، ولا تخلط أواني اللحم بأواني الحليب على طاولة أو خزانة واحدة
وفيما يتعلق بالقانون الجنائي الوارد في سفر "السنهدريم"، حيث كانت المحاكم تنقسم إلى هيئات من ثلاثة قضاة، أو ثلاثة وعشرين، أو واحد وسبعين، وعلى الرغم من أن التوراة أقرت أربع عقوبات قاسية -الرجم، والحرق، والسيف، والخنق-، فقد فرض الحكماء التلموديون شروطاً شبه مستحيلة لإثبات الجريمة، كاشتراط شاهدين عيان يرافقهما تحذير لفظي للجاني ثواني قبل ارتكابه الفعل واعترافه بتلقي هذا التحذير. وتشتهر مقولة الحكماء في المشنا:
المحكمة التي تصدر حكماً بالإعدام مرة كل سبع سنوات أو سبعين سنة تعتبر محكمة دموية وقاسية
أما في الإنجيل، فقد اختار التشريع المسيحي -بعد امتناع أولي عن أربعة محظورات تتعلق بذبائح الأوثان، والدم، والحيوانات المخنوقة، والنجاسة الجنسية- إلغاء التحريمات الطقسية المتعلقة بالأطعمة، مستبدلاً شريعة القصاص في العلاقات الشخصية بشريعة المحبة والتسامح، انسجاماً مع التوجيه الإنجيلي الشهير:
من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر أول، ورد الإساءة بالعفو والغفران المطلق
وبهذا، فوّضت المسيحية العقوبات الرادعة للسلطات المدنية الزمنية، محتفظة الكنيسة بالعقوبات الروحية والتأديبية، مما يبرز التباين بين الصرامة الطقسية التلمودية، والسمو الروحي الإنجيلي، والواقعية التشريعية المتوازنة للإسلام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!