تُعتبر الأسرة النواة الأساسية للمجتمع الإنساني؛ ولذلك أولت مصادر التشريع في الديانات الثلاث اهتماماً بالغاً لحماية النسل، وتعزيز بر الوالدين، وتنظيم العلاقة الزوجية على أسس المودة والرحمة والمسؤولية.
في التشريع الإسلامي، وُصِف عقد الزواج بأنه ميثاق غليظ، واشترطت الشريعة لصقته القبول، وشهادة شاهدي عدل، والصداق الخاص للمرأة كرمز للكرامة. كما منحت المرأة استقلالاً مالياً تاماً، وحظرت وأد البنات، ونظرت في المواريث عبر حصص مقدرة شرعاً (كالنصف، والربع، والثلثين، والثلث، والسدس) ليس لأحد صلاحية إلغائها. وبالمثل، قرنت بر الوالدين بالتوحيد، وحصرت الطلاق في ثلاث طلقات مفرقة يسبقها تحكيم فردين من أهلها وأهله للإصلاح، مع تخويل المرأة حق الخلع.
خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي، والنساء شقائق الرجال في الكرامة والحقوق والواجبات.
وقد عكف الصحابة الأجلاء، كعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت (رَضِيَ اللَُّ عنهم)، على فقه الأسرة والمواريث، مؤكدين في أحكامهم المأثورة:
للمرأة ذمتها المالية المستقلة وحقها المقرّر في الميراث والصداق؛ ولا تُنكح الثيب ولا البكر إلا بإذنها ورضاها.
وفصّل الأئمة الأربعة أحكام الأسرة — بما في ذلك الخطبة، والزواج، والنفقة، والحضانة، والمواريث — ووضعوا ضوابط دقيقة للطلاق؛ فالإمام مالك، على سبيل المثال، أقرّ التطليق للضرر أو الغيبة أو الشقاق حمايةً للمرأة، مستنداً إلى القاعدة الفقهية التي رسخها الفقهاء الأربعة:
المعاشرة إما بمعروف أو تسريح بإحسان، من غير إضرار ولا تعسف.
وفي المقابل، نجد في التلمود ضمن قسم نشيم — الذي يضم سبعة أسفار قانونية أبرزها كيدوشين، وكيتوبوت، وجيتين، وياباموت — أن الزواج في اليهودية يُعقد عبر إحدى ثلاث طرق: المال، أو الوثيقة، أو المعاشرة. وتوثق العقود عبر وثيقة الكيتوبَا التي تكفل للزوجة العذراء مئتي زوز من الفضة وللأرملة مئة زوز عند الطلاق أو الوفاة. كما تضمن التلمود تشريع زواج الإخوة (يابوم)، الذي يلزم الأخ بالزواج من أرملة أخيه المتوفى دون نسل، أو إجراء طقس الحاليتساه (خلع الحذاء) لإعفائه منها. وأسند التلمود حق إيقاع الطلاق بوثيقة الجِط للزوج حصراً، إلى أن أصدر الحاخام غيرشوم نحو عام 1000 ميلادية مرسوماً يحظر تعدد الزوجات والطلاق بغير رضا الزوجة لدى اليهود الأشكناز. وبالمثل، منح التلمود الابن البكر حصة مضاعفة في الميراث وحرّم منها البنات حال وجود ذكور، وإن ألزم التركة بتغطية نفقتهن ومؤهن، مع التشديد الصارم على توقير الوالدين وفق القاعدة الحاخامية:
تكريم الأب والأم يعادل في الميزان إجلال الخالق، وعقد الكيتوبَا حصن حصين للحقوق المالية للزوجة.
أما في الإنجيل، فقد رُفِع الرابط الزوجي إلى مرتبة السر المقدس الذي يصير فيه الزوجان جسداً واحداً لا ينفصم؛ فحُظر تعدد الزوجات وضُيِّق نطاق الطلاق حصراً لعلة الزنا، تطبيقاً للنص الإنجيلي الصريح:
الذي جمعه الله في رباط الزواج المقدس، لا يفرقه إنسان؛ وأكرم أباك وأمك، وأحبب قريبك كنفْسك.
وبهذا تتلاقى التشريعات الثلاثة في تقديس الأسرة وتعظيم حقوق الوالدين، بينما ينفرد التشريع الإسلامي بمرونة واقعية تحافظ على قدسية الرابطة الزوجية، وتكفل للمرأة نصيبها المفروض في التركة واستقلالها المالي المطلق، وتفتح الباب أمام انفصال منظم متى استحال العيش المشترك.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!