نشأت مراكش في الثلث الأخير من القرن الخامس الهجري، وتحديداً نحو عام 462 هـ، الموافق لعام 1070 م، في السهول المفتوحة لمنطقة الحوز، عند سفح التلال الشمالية الشامخة للأطلس الكبير. وهناك وضع أسسها أمير المسلمين والقائد المرابطي يوسف بن تاشفين، بمشورة وتدبير استراتيجي من زوجته زينب النفزاوية، تلك الشخصية الفذة التي خلدها المؤرخون بلقب "صانعة ملكه" نظراً لرجاحة عقلها وحنكتها السياسية الحادة. وتشكلت النواة الأولى للممدينة كمعسكر عسكري ومستوطنة للقوافل عبر الصحراء التي تربط أوداغشت وتمبكتو في السودان الغربي بحواضر شمال الأندلس. وفي غضون عقود قليلة، تحولت إلى عاصمة لإمبراطورية مترامية الأطراف تمتد أملاكها من ضفاف نهر السنغال جنوباً إلى تخوم نهر هناريس في شبه الجزيرة الإيبيرية شمالاً. وقد أضفى الطين المستخرج من سطح سهل الحوز على أسوارها وأسوارها الدفاعية لوناً ترابياً مضيئاً مائلاً للحمرة، مما دفع الرحالة إلى إطلاق لقب "المدينة الحمراء" عليها عبر القرون. وعندما أفلت شمس المرابطين، ورثهم الموحدون ملكهم، فأعادوا تخطيط المدينة وشيدوا صروحاً معمارية مهيبة وضعت أسس الفن المغربي الأندلسي، تلتها فترات من المد والجزر حتى بلغت المدينة عصرها الذهبي الثاني في عهد الدولة السعدية خلال القرن العاشر الهجري، لا سيما في عهد السلطان أحمد المنصور الذي جعل منها حاضره متألقة تفيض بغلال الانتصارات العسكرية وثرات تجارة الذهب، لتظل عبر العصور مركز الثقل السياسي ومقر الهيبة السلطانية في المغرب الأقصى.
تقف المعالم المعمارية في مراكش شاهدة حية على عبقرية الابتكار الهندسي والتناغم الزخرفي. وعلى رأسها صومعة جامع الكتبية التي ترتفع إلى سبعة وسبعين متراً. وهي التحفة المعمارية الموحدية التي بنيت في عهد الخليفة يعقوب المنصور لتكون نموذجاً معمارياً احتذته صومعة حسان في الرباط والخيرالدا في إشبيلية، بكتلتها المتناسقة وأفاريزها من القرميد الفيروزي وتجاويفها المتنوعة ذات الفصوص. وإلى جانبها تبدو بقايا القبة المرابطية، المعروفة بقبة المرابطين أو قبة الباريين، والتي تمثل أقدم أثر معماري متبقٍ من عصر علي بن يوسف بن تاشفين؛ حيث تعكس قبابها المتراكبة وأقواسها المتشابكة براعة استثنائية في تقنيات تصريف المياه والتهوية وهندسة الجص المنقوش. أما قصر البادي، الذي بناه المنصور بعد انتصاره التاريخي في معركة الوجدان مستخدماً الرخام الإيطالي الفاخر المستورد من كرارا، وفتات الذهب الإفريقي، وخشب الأبنوس والعاج النادر، فينتصب بفحناءاته الواسعة وبركه الغاطسة كشاهد على قصر وصفه معاصروه بأنه أعجوبة العالم الثامنة قبل أن تُنقل كنوزه في قرون لاحقة. وعلى مقربة منه ترقد الأضرحة السعدية، التي ظلت مخفية خلف الجدران لقرون حتى أعيد اكتشافها في مطلع القرن العشرين. وتضم قاعة الاثنتي عشرة عموداً الرخامية الفخمة، بزخارفها الجصية الدقيقة وسقوفها من خشب الأعرجون والمقرنصات والمذهبات، حيث يرقد سلاطين الأسرة وأعيانها.
وتتواصل العجائب المعمارية في مدرسة ابن يوسف، درة المدارس المرينية والسعدية في الغرب الإسلامي، التي تستقبل زوارها بفنائها الرخامي وبركتها المركزية، وتحيط بها مئات الغرف المخصصة للطلاب، حيث تتقاطع النقوش الجصية والبلاط الملون مع النقوش القرآنية الكوفية والناظمية في تناغم تام. ولا تقل عنها روعة دار سي سعيد ومجمع قصر البهاء الذي أمر ببنائه الوزير با أحمد في أوائل القرن الرابع عشر الهجري ليكون إقامة واسعة ومترامية الأطراف تضم حدائق أندلسية وارفة وغرفاً مزخرفة وأروقة من الخشب المصبوغ بتقنية الزواق، فضلاً عن مجمع المواسين بنافورته التاريخية الكبرى وحمامه وعين الماء المنحوتة بمهارة. وتحيط بالمدينة العتيقة أسوار مهيبة تمتد لأكثر من تسعة عشر كيلومتراً، تتخللها أبواب تاريخية كبرى مثل باب أكناو بنقوشه الحجرية الموحدية المتشابكة على شكل حفرة الفرس، وباب دكالة، وباب أيلان، وباب الرب. ويتكامل المشهد المائي للممدينة بخزانات صهريج المنارة التاريخي وبساتين الأغدال الشاسعة، التي تُسقى منذ العهد الموحدي عبر شبكة معقدة من الخطارات، وهي قنوات مائية جوفية تنحدر من سفوح جبال الأطلس. يضاف إلى ذلك حي الملاح التاريخي بكنيسه «صلاة العظيمة» الذي يروي صفحات من التعايش الثقافي والديني، وحدائق ماجوريل الفنية التي أعاد إحيائها إيف سان لوران لتمزج الأزرق الكوبالتي بالنباتات الصحراوية النادرة.
إنه أجمل مكان في العالم بأسره لقضاء ساعة الغروب؛ حيث تتلألأ القمم الثلجية بلون قرمزي فوق بساتين النخيل والأسوار القديمة
على مدار تاريخها، ألهمت مراكش قوافل من المؤرخين والمستشرقين الكبار والكتاب. فقد وصفها ابن بطوطة في تحفته بأنها «من أبدع المدن وأحسنها، متسعة الأطراف، رحيبة الفناء، كثيرة الخيرات، عجيبة المساجد»، بينما روى ليون الإفريقي تفاصيل تنظيم أسواقها وحرفييها. وفي العصر الحديث، أُسر رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل بشمسها وضوئها المنتشر على جبال الأطلس، فكان يقضي الأسابيع في فندق المأمونية التاريخي ممسكاً بالفرشاة، كاتباً للرئيس فرانكلين روزفلت ليصفها هكذا: «إنه أجمل مكان في العالم بأسره لقضاء ساعة الغروب؛ حيث تتلألأ القمم الثلجية بلون قرمزي فوق بساتين النخيل والأسوار القديمة». ومن جانبه، كتب الكاتب البريطاني جورج أورويل في مقاله الشهير «مراكش» عام 1939 مستعرضاً تفاصيل الحياة اليومية وكدح البسطاء وسط غابات النخيل والأزقة الترابية. وخلدت الكاتبة الأمريكية إديث وارتون في كتابها «في المغرب» إعجابها بجلال أسوارها المهيبة التي كانت ترتفع من الغبار كقلاع أسطورية، بينما خصصها الكاتب الحائز على جائزة نوبل إلياس كانيتي بمؤلفه «أصوات مراكش»، متأملاً العمق البشري المذهل في ساحة جامع الفنا، حيث تمتزج حكاية الراوات بصوت صفير مروضي الحيوانات والإيقاعات العريقة للدفوف، وهي الساحة التي صنفتها اليونسكو كأول تحفة من التراث الشفهي واللامادي للبشرية.
ويرتبط تاريخ مراكش الروحي ارتباطاً وثيقاً بنظام «السبعة رجال»، أقطاب التصوف السبعة الذين أرست زياراتهم تقاليد دينية وثقافية راسخة خلال العهدين السعدي والعلوي. وعلى رأسهم سيدي يوسف بن علي الصنهاجي (مول الغار)، تليها القاضي عياض بن موسى، أبو القاسم السهيلي، أبو العباس السبتي، محمد بن سليمان الجزولي، عبد العزيز التباع، وأخيراً عبد الله الغزواني (مول القصور)، وترتبط بهؤلاء الأولياء الصالحين أشكال متنوعة من التضامن الاجتماعي والاحتفالات الشعبية. وعلى إيقاع هذا العمق الروحي، تتأصل في المدينة موسيقى كناوة بإرثها الإفريقي العريق، حيث تتردد نغمات جقوت القمبري وتتلاحم مع نقرات القراقب الحديدية في طقوس "الليلة" التطهرية، معبرة عن انصهار الحماسة الصوفية بالتراث البشري المشترك.
وتتجسد فرادة مراكش في مطبخها التقليدي الفريد، وتتوجها "الطنجية المراكشية" كطبق تقليدي مرتبط تاريخياً بالحرفيين والعمال العزاب في الأسواق العتيقة؛ حيث تُوضع قطع من لحم العجل الفتي، المأخوذة أساساً من الساق أو العرقوب، داخل جرة فخارية كمثرية الشكل، متبلة بمقادير دقيقة من الكمون الطازج، وخيوط الزعفران الحر، وفصوص الثوم المقشرة، وقطع الحامض المرقد (الحامض مصير)، والسمن البلدي التقليدي، وكوب وفير من زيت الزيتون البكر، مع قليل من الماء. ويُغلق فم الطنجية بورق برشمان مقاوم، ويُربط بإحكام بحبل وتُثقب بفتحات صغيرة. ثم تُحمل إلى "الفرناتشي"، الفرن التقليدي المسؤول عن تسخين مياه الحمام العمومي عبر حرق نشارة الخشب وفضلات النجارة، لتُدفن هناك بين الجمر المشتعل لساعات طويلة حتى ينضج اللحم تماماً ويشرب دهنه ويخثر مرقه كالعسل المكرمل الكثيف. وتتميز الأسواق التقليدية أيضاً بالـ "مشوي" المخبأ في حفر طينية مطمورة، ورأس الغنم المبخر المتبل بالكمون والملح الخشن، والطحال المحشو بالكبد والبهارات الحارة. ويتكامل هذا الولائم بأكواب الشاي الأخضر بالنعناع الطازج وحلويات الشباكية المغطسة بالعسل وماء الزهر والقرفة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!