تعود جذور دبي وآثار استيطانها البشري إلى حضارتي صروخ الحديد وجُميرا خلال العصر الإسلامي، عندما كانت محطة حيوية للقوافل التجارية التي تربط سواحل عُمان وبلاد ما بين النهرين. وظهر اسمها صراحةً في مؤلفات أبو عبيد البكري في معجمه الجغرافي معجم ما استعجم خلال القرن الخامس الهجري. ومع ذلك، بدأ فجر الإمارة الحديثة في عام 1833 عندما استقر عشيرة آل بوفلاسة، القادمون من حلف بني ياس بقيادة الشيخ مكتوم بن بطي آل مكتوم، على ضفاف خور دبي، مؤسسين حكومة مستقلة وضعت الأسس لمدينة تجارية حرة ومنفتحة على العالم بجرأة غير مسبوقة. وبفضل السياسة الحكيمة لحكامها منذ أوائل القرن العشرين، في عهد المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، ألغت دبي الرسوم الجمركية وفتحت ميناءها للتجار القادمين موانئ فارس والهند وشرق أفريقيا، محولة الخور إلى شريان بحري مكتظ بالسُّفن التقليدية من نوع الداو والسَنبوك. وفي وقت لاحق، واا صلب هذه الرؤية الريادية للتنمية من خلال تعميق الخور وافتتاح ميناءي راشد وجبل علي، دافعاً بذلك دبي، برعاية سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نحو آفاق عالمية ومتحولاً بكثبان الرمل إلى عاصمة كبرى للممالك والأعمال وابتكار المستقبل.
تُدهش دبي زوارها بفسيفساء معمارية تمزج ذاكرة التراث بأبها أطول ناطحات سحاب في كوكب الأرض، ويتصدرها برج خليفة الأيقوني، أطول هيكل شيده الإنسان في التاريخ بارتفاع يتجاوز 800 متر، والذي يرتفع نحو السماء محاكياً زهرة الصحراء "هيمينوكاليس" ومحاطاً ببحيرة نافورة دبي. وإلى جانبه يبرز فندق برج العرب على جزيرة اصطناعية بتصميمه المهيب المستوحى من شراع سفينة عربية تقليدية تشق البحار. وتكتمل الهندسة المعمارية المستقبلية بمتحف المستقبل، التحفة الهندسية ذات الشكل البيضاوي والخالية من الأعمدة الداخلية، والمزينة تماماً بالخط العربي على طراز "زلف" الذي يجسد الحكم الخالدة للشيخ محمد بن راشد. ومن ناحية أخرى، تحافظ ضفاف الخور على أصالة حصن الفهيدي، الذي بني عام 1787 لحماية المدينة والذي يضم اليوم متحف دبي، فضلاً عن حي الفهيدي التاريخي (البستكية) بأزقته الرملية المظللة وأبراج الرياح التقليدية المهيبة (البرجيل)، والتي تُعد أقدم وأبتكر نظام تكييف هواء طبيعي في المنطقة. ويتكامل كل ذلك مع أسواق ديرة القديمة، مثل سوق الذهب وسوق التوابل التقليدي، وجيزة نخلة جميرا الاصطناعية، الأعجوبة الهندسية التي تحدت قوانين الجغرافيا البحرية.
لقد خلدت شهادات المسافرين والمستشرقين موقع دبي التجاري المتميز. ففي عام 1580، أشار الجواهري والمسافر البندقي غاسبارو بالبي في مذكراته إلى مغاصات اللؤلؤ في مياه دبي، واصفاً وفرة إنتاجها ونقاء أحجارها الكريمة. وفي أوائل القرن العشرين، فصل المؤرخ البريطاني جون غوردون لوريمر أسواق دبي، مؤكداً في دليل الخليج أنها أصبحت المميناء الأكثر ديناميكية ونشاطاً على ساحل عمان المتصالح، مستقطبة التجار من كل الملل والنقائد بفضل سياستها التجارية المرنة وأمنها الداخلي الراسخ. وقد كتب السير بيرسي كوكس والممثلون السياسيون البريطانيون خطابات وتقارير رسمية متكررة معبرين عن دهشتهم أمام النمو السريع للمدينة وتدفق البضائع المتنوعة عبر ممراتها المائية. ومن جانبه، سجل المسافر والكاتب البريطاني ريتشارد ترينتش في دراساته الميدانية كيف تحولت دبي، بفضل دهاء بحارتها وشجاعة قبائلها، من قرية صيادين وغواصين هادئة إلى شريان تجاري عالمي تتقاطع عنده حضارات الشرق والغرب.
تنبض مطبخ دبي التقليدي بنكهات بحرية وبدوية أصيلة تعكس الدور التاريخي للخور في استيراد أرقى التوابل الهندية والعربية. ويتصدر مائدتها طبق الثريد التقليدي، وهو وجبة عربية قديمة تُحضر بإعداد مرق لحم الضأن أو الدجاج المشبع بقطع اليقطين الأصفر، والقرع، والبطاطس، والطماطم الطازجة، متبلة بخليط التوابل الإمارتية المتميز (البزار)، والكركم، والزنجبيل، والليمون الأسود الصحراوي (اللومي) ذي العبير النفاذ، حتى يثخن المرق وتلين الخضروات. ثم يُضاف خبز الرقاق الرقيق، المخبوز على صفيح حديدي ساخن يُسمى "الطفاية"، فيُوضع في قاع الإناء الفخاري على طبقات متتالية ويُصب فوقه المرق الساخن لكي يتشبع الخبز بجوهر اللحم والتوابل. وتُرتب قطع اللحم والخضروات في الأعلى لتقديم طبق غني تذوب فيه القرمشة مع الطراوة العصارية. وتشتهر وجبات الإفطار بالبلاليط، وهو شعيرية حلوة مطهية بماء الزعفران، والهيل، والسمن، ومغطاة بقرص بيض رقيق ومتبل بالملح والفلفل الأسود في تباين ممتع بين الحلو والمالح، فضلاً عن حلوى البثيثة، المُحضرة بالتمر المعجون مع الدقيق المحمص، وبذور الحلبة، وحلوى الساغو الشفافة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!