تضرب جذور أبوظبي في أعماق التاريخ، ممتدة حتى العصر البرونزي، حيث استوطنت جزيرة "أم النار" المجاورة حضارة بحرية وتجارية مزدهرة منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، مرتبطة بتعدين النحاس والتجارة مع حضارات بلاد ما بين النهرين ووادى السند. ومع ذلك، بدأ النواة التأسيسية للمدينة المعاصرة تتبلور حوالي عام 1761 ميلادية، عندما توجهت حملة صيد تابعة لقبائل "باني ياس" بقيادة الشيخ ذياب بن عيسى آل نهيان من واحات ليوا ومستوطنات الظفرة في أعماق الربع الخالي نحو الساحل إثر اقتفاء أثر ظبية قادت الصيادين إلى نبع مياه عذبة في الجزيرة، مما أدى إلى نشأة تسميتها "أبوظبي". وسرعان ما نقل ابنه الشيخ شخبوط بن ذياب آل نهيان مقر الحكم والإمارة إلى الجزيرة في عام 1793 ميلادية، مشيداً برج دفاعي من حجر الكورال تطور لاحقاً ليصبح "قصر الحصن" التاريخي. وتحولت الجزيرة إلى قطب رائد لصيد اللؤلؤ والملاحة في حوض الخليج العربي، مواجهة بحكمة تقلبات السياسة الإقليمية ومسار المعاهدات البحرية مع التاج البريطاني، إلى أن أضاء فجر اكتشاف النفط في حقل "أم الشيف" عام 1958 ميلادية طفرة تنموية كبرى. وتكلل هذا المسار التاريخي في الثاني من ديسمبر عام 1971 ميلادية، عندما قاد مؤسس الدولة وباني نهضتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بحنكته ورؤيته الوحدوية إعلان قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، لتغدو أبوظبي العاصمة السياسية وموطن الحكمة والتوازن الدبلوماسي العالمي.
وتتكامل الشواهد المعمارية في أبوظبي بانسجام تام بين العراقة التقليدية وأبهى تعبيرات الحداثة العالمية. ففي قلبها يرتفع "قصر الحصن" أقدم مبنى حجري قائم في العاصمة، متألقاً ببرجه الأسطواني وجدرانه المصنوعة من الجص الأصيل التي تروي للأجيال ملاحم الصمود وبدايات التأسيس. وفي أفق المدينة تعلو مآذن "جامع الشيخ زايد الكبير"، الذي يعد تحفة معمارية إسلامية معاصرة ومن أكبر المساجد في العالم؛ إذ يضم اثنتين وثمانين قبة مكسوة بالنقي الأبيض المقدوني، وما يزيد عن ألف عمود مرصع بالعقيق واللازورد والصدف، ومآذن شامخة ترتفع مئة وسبعة أمتار تتداخل فيها الفنون الفاطمية والمملوكية والعثمانية، إضافة إلى احتضانه لأكبر سجاد اليد في العالم حاکه أمهر الحرفيين، وثريات ذهبية لامعة من سواروفسكي. وفي جزيرة السعديات، ينتصب متحف "لوفر أبوظبي" كأيقونة معمارية وثقافية صممها المعماري الفرنسي جان نوفيل، بقبته الفولاذية المهيبة المستوحاة من تداخل سعف النخيل في واحات العين، لتخلق ظاهرة "مطر النور" الهندسية فوق ممرات المتحف العائمة فوق مياه البحر. وتمتد المعالم الثقافية لتشمل "قصر الوطن" ضمن مجمع الرئاسة بنقوشه وزخارفه الهندسية الأندلسية، وجزيرة ياس بمدنها الترفيهية وحلبة سباقاتها الدولية، صعوداً نحو واحة العين التاريخية —المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو— بنظام الأفلاج القديم وحصونها المحاطة بسعف النخيل الباسق، وجبل حفيت المهيب بمدافنه الأثرية العريقة.
وقد استقطبت أبوظبي أنظار المستكشفين والرحالة الغربيين على مدى قرون؛ فقد وثق المؤرخ والرحالة الدبلوماسي البريطاني جون غوردون لوريمر في موسوعته التاريخية "دليل الخليج" تفاصيل جغرافية دقيقة عن مشيخة أبوظبي، واصفاً شجاعة بحارتها وامتلاكهم لأكبر أسطول للغوص على اللؤلؤ بين إمارات الساحل المتصالح بأكثر من أرباع مئة سفينة شراعية تجوب مغاصات البحر. كما خلد الرحالة والمستكشف الإنجليزي ويلفرد ثيسيجر، المعروف في العالم العربي بـ "مبارك بن لندن"، ذكرياته الخالدة في كتابه "الرمال العربية" (Arabian Sands) أثناء عبوره صحراء الربع الخالي في أربعينيات القرن العشرين؛ حيث التقى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في قلعة المويجعي بمدينة العين، وكتب عنه بإعجاب بالغ واصفاً إياه بالحاكم البدوي النبيل ذي الحضور المهيب والحكمة الفطرية والشعبية الجارفة بين القبائل، مؤكداً أن فراسته ونقاء سريرته ينبئان بمستقبل استثنائي للمنطقة برمتها. كما سجلت تقارير الحملات البحرية الهولندية والبريطانية منذ القرن الثامن عشر متانة تحصينات الجزيرة والسيادة المطلقة لحلف الباني ياس على مياه ومراعي الظفرة.
وتتوج أبوظبي هويتها الأصيلة بفن طهي إماراتي عريق متجذر في بيئة الصحراء وخيرات البحر المالح. ويتربع "الهريس" على عرش موائد المناسبات كملك بلا منازع للأطباق التقليدية؛ حيث يُعد بطهي حبوب القمح الكاملة المغسولة بعناية مع قطع لحم الضأن أو البقر الطرية في قدر عميق من الطين أو النحاس لساعات طويلة على نار هادئة من الحطب، حتى يذوب اللحم تماماً ويمتزج بألياف القمح، ليُضرب بعد ذلك بمجرفة خشبية عريضة تُسمى "المضراب" وسط جهد بدني متواصل حتى يكتسب الخليط قواماً ناعماً ومخملياً ومتجانساً. ثم يُسكب في أوعية فخارية ويُغرق سطحه بطبقة غنية من "الدّهن الخنين" (السمن المُنكّه ببذور الحلبة وحبة البركة ورشة هيل) ليُقدم ساخناً ينبض بالدفء والغذاء. كما تتألق موائد العاصمة بـ "المجبوس الإماراتي" المطبوخ بلحم الغنم أو سمك الهامور الطازج والمُبهر بالتوابل العربية العريقة وخيوط الزعفران واللومي الصحراوي، إلى جانب "الخبيصة" المصنوعة من دقيق القمح المُحمص والمعجون بالهيل وماء الورد الجبلي والسمن، ولقيمات "اللّقيمات" الذهبية المقرمشة المغمورة بدبس تمر واحات ليوا والمزينة برباط سخي من بذور السمسم الأبيض.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!