السبت 17 أكتوبر 2026
عاجل
غلاء المعيشة يطرق الأبواب.. هل ستبادر الحكومة المغربية لتفادي العدوى الفرنسية؟ عاجل: اعتراض صاروخ باليستي استهدف ينبع السر الخفي للجمال النسaiي الأبدی السيسي يرفض التعديل الدستوري ويحسم الجدل بشأن ولايته الرئاسية حماية جهاز التوجيه (الروتر) لمنع الاختراق المحتوى الإباحي الشرطة تحاصر وكراً إجرامياً وتوقيف 3 تجار مخدرات ​سبتة تشعل توترات جديدة بين مدريد والرباط عاجل: اعتراض صاروخ باليستي استهدف ينبع
إعلان
SPONSORInvestissez dans l'énergie solaire au Maroc avec les solutions GreenPower
Découvrir
اسلاميات

علي، محور الإسلام: كيف فرّقت العقائد بين محبيه؟

دراسة تاريخية وعقائدية عميقة حول الإام علي بن أبي طالب، المحطة الكبرى للتوافق بين المسلمين ومحور الانقسام العقائدي والسياسي بين المدارس الإسلامية.

​عَليٌّ مِحوَرُ الإِسلامِ كَيْفَ فَرَّقَتِ العَقَائِدُ مُحِبِّيهِ؟
​عَليٌّ مِحوَرُ الإِسلامِ كَيْفَ فَرَّقَتِ العَقَائِدُ مُحِبِّيهِ؟

يُمثّل الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه ورضي عنه، الظاهرة الأكثر فرادة وعمقاً في التاريخ الإسلامي منذ لحظة البعثة النبوية وحتى أيامنا هذه. فلم تجتمع قلوب المسلمين بمختلف تياراتهم ومذاهبهم على حب رجل بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما اجتمعت على حب أبي الحسن؛ ولم تختلف عقولهم ومدارسهم الكلامية والسياسية في شخصية كما اختلفت فيه. إن مقاربة سيرة ابن عم النبي وصهره، وأول الفتيان إسلاماً، وفارس بدر وأحد والخندق وخيبر، تضع الباحث أمام مفارقة تاريخية وعقائدية كبرى: كيف تحول الرجل الذي أجمعت الأمة على مناقبه وسابقته، واتفقت أحاديثه الصحيحة في المسانيد والمصنفات السنية إلى جانب المدونات والكتب الشيعية على أن حبّه إيمان وبغضه نفاق، إلى نقطة الارتكاز التي تشعبت عندها الرؤية الإسلامية الكبرى إلى مسارين عقائديين وسياسيين متباعدين؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب الغوص في طبقات التاريخ والتفسير وعلم الكلام، واستنطاق كافة المصادر الإسلامية: من «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و«مسند أحمد»، و«منهاج السنة»، و«فتح الباري» من جهة، إلى «نهج البلاغة»، و«الكافي» للكليني، و«الإشاد» للمفيد، و«بحار الأنوار» للمجلسي من جهة أخرى، لتفكيك البنية العميقة لهذا التوافق العاطفي والانقسام العقائدي.

تبدأ مساحة الاتفاق المطلق بين أهل السنة والجماعة والشيع بمختلف فرقهم من الحقيقة التاريخية والنبوية الناصعة التي لا يمارى فيها مسلم: فعلي بن أبي طالب هو ربيبة البيت النبوي الذي تربى في حجر المصطفى، صلى الله عليه وسلم، قبل الإسلام فلم يسجد لصنم قط. ومن هنا كرّست العرف الإسلامي في الحواضر السنية كافّة إلحاق عبارة «كرّم الله وجهه» به، تنزيهاً لوجهه عن السجود لغير الله، إلى جانب طلب الترجي والرضا والسلام له. وهو أول فدائي نام في فراش النبي ليلة الهجرة مُتسجّياً ببرده الحضرمي، وهو الحدث الذي يربطه مفسرو الفريقين ـ كما في «تفسير الطبري»، و«المستدرك» للحاكم، و«مجمع البيان» للطبرسي ـ بنزول قول الحق تعالى: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾. وهو زوج فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة، وأبو السبطين الحسن والحسين ريحانتي رسول الله، وحامل الراية يوم خيبر بنص الحديث المتفق عليه في الصحيحين: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه».

كما يتفق الفريقان على الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه، والترمذي والنسائي في «خصائص أمير المؤمنين»، عن علي أنه قال: «والذي فلق الحبر وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إليّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». وبهذا، أضحى حب علي بن أبي طالب عقيدة راسخة وجزءاً لا يتجزأ من إيمان المسلم السني والشيعي على حد سواء.


غير أن هذا الاتفاق التأسيسي في الحب والتعظيم يأخذ عند السلف وأهل السنة والجماعة مساراً تحكمه ضوابط «الصحبة» و«العدالة» و«البشرية المجتهدة». فعلي، في العقيدة السنية، هو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأعلم الصحابة فقهاً وعلماً. بيد أن مكانته الرفيعة تندرج ضمن منظومة التفاضل بين الصحابة الأجلاء دون أن تتجاوز الحد البشري إلى العصمة التي يصرّها أهل السنة في الأنبياء والمرسلين. ويؤسس السلف ترتيب أفضلية الخلفاء الأربعة وفق ترتيبهم في الخلافة (أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي) استناداً إلى نصوص صريحة من «صحيح البخاري»، منها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كنا نخير بين الناس على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان»؛ وفي الرواية بالغة الدلالة التي يرويها البخاري أيضاً عن محمد بن الحنفية (وهو ابن الإمام علي نفسه) أنه قال: قلت لأبي: «أي الناس خير بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، فقلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين».

ورغم هذا الإجماع السني على تقديم الشيخين أبي بكر وعمر، فقد اتسم التراث السني المبكر بمرونة واسعة في مسألة التفضيل بين عثمان وعلي. فقد مال جماعة من سلف الكوفة وبعض أئمة الحديث كـ سفيان الثوري، وفي رواية عن الإمام أحمد بن حبن، إلى تقديم علي على عثمان أو التوقف عن التفضيل، دون أن يقدح ذلك في شرعية خلافة عثمان أو علي. بل إن الإمام أحمد أطلق مقولته الشهيرة التي رسخ بها أحد أركان عقيدة السلف: «من لم يقرّ لعلي بالخلافة الرابعة فهو أضل من حمار أهله»، لأن الخلافة والإمامة عند أهل السنة تُعدّان من فروع الفقه والسياسة الشرعية ومصالح الأمة، وليستا أصلاً عقائدياً يكفر المخالف فيه.


في المقابل، تنتقل شخصية الإمام علي في العقيدة الشيعية الإمامية (الإثنا عشرية) من إطار الصحابي الجليل والخليفة الراشد المنتخَب بالشورى، إلى مرتبة وجودية وعقائدية مختلفة كلياً. ففي المدرسة الجعفرية، تُعتبر «الإمامة» أحد أصول الدين الخمسة (التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد)، التي لا يكمل الإيمان إلا بها، كما يقرر الشيخ المفيد في «أوائل المقالات»، والكليني في «الكافي»، ومحمد رضا المظفر في «عقائد الإمامية». وتنطلق هذه الرؤية من القاعدة الكلامية المتمثلة في «اللطف الإلهي»، ومفادها أن حكمة الله وعدله تأبيان أن يترك الأرض بعد خاتم الأنبياء بلا إمام معصوم، منصوص عليه بالعين، يحفظ الشريعة من التحريف والتأويل الباطل، ويكون حجة الله على عباده.

ومن هذا المنطلق، يرى الشيعة الإمامية أن علياً هو «الوصي» و«الخليفة بلا فصل» المنصوص عليه بنص إلهي نبوي جلي، وانه يمتلك «عصمة مطلقة» عن الصغائر والكبائر وعن السهو والخطأ والنسيان منذ ولادته وحتى استشهاده. كما تؤكد امتلاكه سلطة تشريعية وروحية تمتد من سلطة النبي، صلى الله عليه وسلم، باستثناء المرتبة النبوية والوحي التشريعي. وهنا يجدر التمييز بدقة داخل الفضاء الشيعي نفسه: فالمدرسة الزيدية (المنتشرة تاريخياً في اليمن) تشارك الإمامية في القول بفضل علي وحقه في الإمامة، لكنها تقترب من أهل السنة في رفضها القول بالعصمة المطلقة بالمفهوم الإمامي، وتتبنى نظرية «إمامة المفضول مع وجود الأفضل»، مصادقةً بذلك على خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما والترضي عنهما، معتبرة أن تقديمهما كان لمصلحة عليا قدرها الصحابة وأداروا بها دفة الفتنة. أما الغلاة من الفرق المندثرة أو الهامشية (كالسبائية والخطابية) فقد ذهبوا إلى تأليه علي أو القول بحلول اللاهوت فيه، وهو غلو حاربه الإمام علي نفسه بشراسة في حياته وتبرأ منه علماء الشيعة الإمامية والزيدية وأهل السنة إجماعاً.


إن جذر الخلاف والافتراق بين المدرستين السنية والشيعية لا يكمن فقط في صحة النصوص النبوية الواردة في مناقب علي، بل في «المنهج التأويلي» (الهيرمينوطيقا الإسلامية) الذي يقرأ به كل فريق النصوص ذاتها. وتتجلى هذه المفارقة التأويلية بأجلى صورها عند فحص ثلاثة نصوص مركزية مشتركة: النص الأول هو «حديث غدير خم»، الذي خطبه النبي، صلى الله عليه وسلم، في الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر للهجرة في عودته من حجة الوداع: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» (الجزء الأول ثابت قطعاً في صحيح مسلم بصيغة الحث على التمسك بالثقلين وأهل البيت، وبلفظ الولاية في مسند أحمد، وسنن الترمذي والنسائي، وصححه كبار المحدثين كالألباني وشعيب الأرناؤوط، بينما يتوسع الشيعة في سرد زياداته في «الغدير» للأميني و«الكافي»).

يقرأ الشيعة كلمة «مولاه» هنا بمعنى «الأولى بالتصرف والقيادة والحكم»، ويربطون الحادثة بنزول آية التبليغ في سورة المائدة: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، معتبرين الغدير وثيقة تنصيب دستوري وعقائدي رسمي لعلي خليفة للمسلمين. في المقابل، يقرأ علماء السلف وأهل السنة، كابن كثير، والبيهقي، وابن تيمية في «منهاج السنة»، وابن حجر في «فتح الباري»، الحديث في سياقه التاريخي واللغوي. ويوضحون أن سبب صدور الحديث هو شكوى بعض أفراد الجيش العائدين مع علي من سرية اليمن بسبب عدله الصارم في قسمة الخمس ومنعه إركاب إبل الصدقة، فأراد النبي، صلى الله عليه وسلم، إزالة الجفوة وإعلان وجوب محبة علي ونصرته، مشيرين إلى أن لفظ «مولى» في اللغة العربية من الألفاظ المشتركة التي ترد بمعاني الناصر والمحب والحليف والولي، ولا تعني بالضرورة «الإمام السياسي»، بدليل استخدام القرآن لها في الآية: ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين﴾. ولو كان المقصود تعيين خليفة للأمة بعد وفاته، لكان إعلانه يوم عرفة أمام عشرات الآلاف من الحجاج من كل الآفاق أولى من إعلانه في غدير خم بعد تفرق حجاج مكة والطائف واليمن، ولكان بعبارة صريحة قاطعة لا تحتمل التأويل كقوله: «علي خليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا».

يتكرر هذا الاشتباك التأويلي في النص الثاني، والمتمثل في «حديث المنزلة» الثابت في البخاري ومسلم: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟». يستنبّ المتكلمون الشيعة منه ثبوت كافة مقامات هارون لعلي سوى النبوة، وفي مقدمتها الوزارة والخلافة المباشرة والحكمة الكبرى والعصمة. بينما يستدل علماء أهل السنة بالسياق التاريخي لورود الحديث: فقد قاله النبي لعلي حين خلفه في المدينة ليرعى أهله والمستضعفين في سفره لغزوة تبوك، فطفق المنافقون يرجفون بالقول: «ما خلفه إلا ثقلة واستخفافاً به». فخرج علي بسلاحه حتى لحق النبي فأخبره، فطمأنه النبي بهذا الحديث. ومن ثم، يرى السلف أن التشبيه مقصور على «الاستخلاف المؤقت زمن الغياب» تماماً كما استخلف موسى هارون حين ذهب لميقات ربه، ولا يدل على الخلافة بعد الموت، إذ إن هارون عليه السلام توفي في حياة موسى باتفاق المؤرخين.

وكذلك الشأن في النص الثالث المتمثل في «آية التطهير» في سورة الأحزاب: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ و«حديث الكساء» الثابت في صحيح مسلم، حين جلل النبي علياً وفاطمة والحسن والحسين بكساء ودعا لهم بتلك الدعوة. فبينما يرى الشيعة أن «الإرادة» هنا هي إرادة تكوينية قدرية حتمية تثبت العصمة المطلقة لأصحاب الكساء وتخرج نساء النبي من المفهوم الخاص لـ«أهل البيت»، يذهب أهل السنة إلى أن سياق الآيات في سورة الأحزاب قبلها وبعدها موجه صراحة لنساء النبي، وأن حديث الكساء يُدخل علياً وفاطمة والسبطين في مفهوم أهل البيت دخولاً أولياً تشريفياً، وأن الإرادة هنا هي إرادة تشريعية ودعوة نبوية للطهارة الروحية والأخلاقية، دون أن يقتضي ذلك عصمة تسلب عنهم البشرية التي قد يعتريها صواب أو خطأ.


ولم يبقَ هذا الخلاف محصوراً في النصوص والتأويلات الذهنية، بل تفاعل مع الزلزال التاريخي والسياسي الكبير الذي بدأ لحظة وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واجتماع الأنصار والمهاجرين في «سقيفة بني ساعدة». ففي القراءة السنية للتاريخ، كما تدونها كتب «تاريخ الطبري»، و«البداية والنهاية»، و«العواصم من القواصم» لابن العربي، كانت السقيفة استجابة طارئة مشروعة تداركت بها الأمة خطر التمزق القبلي والانهيار السياسي المفاجئ. وكانت بيعة أبي بكر الصديق ثمرة توافق تدريجي مبني على إشارات نبوية واضحة كاستخلافه على صلاة المسلمين زمن مرض النبي: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، وهو ما أوقع في روع الصحابة قولهم: «رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟».

أما تأخر الإمام علي عن بيعة الصديق ستة أشهر ـ وهو الثابت في صحيح البخاري ـ فيفسره أهل السنة بأنه عتب شخصي من علي لعدم استشارته في السقيفة لانشغاله ببني هاشم في تجهيز الجسد النبوي الشريف، إضافة إلى مراعاة مشاعر فاطمة رضي الله عنها في قضية ميراث «فدك». بيد أن علياً ما لبث أن بايع الصديق طائعاً مختاراً في مسجد النبي، مندمجاً بكفاءة تامة كقاضٍ ومستشار وعضد للخلفاء الثلاثة طوال خمس وعشرين سنة، حتى إن عمر بن الخطاب أطلق مقولته الشهيرة: «لولا علي لهلك عمر». بل إن علياً زوّج ابنته أم كلثوم (ابنة فاطمة الزهراء) للخليفة عمر بن الخطاب ـ وهو واقع ثابت في البخاري، و«الكافي» للكليني، و«تهذيب الأحكام» للطوسي ـ وسمى ثلاثة من أبنائه بأسماء الخلفاء الثلاثة: أبو بكر بن علي، وعمر بن الخطاب بن علي، وعثمان بن علي (استشهد بعضهم إلى جانب أخيهم الحسين في كربلاء)، وهو ما يعده أهل السنة دليلاً ناصعاً على طهارة القلوب والود الخالص بين علي وأخوته الخلفاء.

وفي المقابل، ترى القراءة الشيعية للتاريخ، كما تتبدى في «كتاب سليم بن قيس»، و«الاحتجاج» للطبرسي، و«الإرشاد» للمفيد، وشروحات «نهج البلاغة»، أن اجتماع السقيفة كان انقلاباً سياسياً همّش الوصي الشرعي، وتفسر صمت الإمام علي وتعاون مع الخلفاء الثلاثة بأنه موقف استراتيجي أملاه مصلحة حفظ أصل الإسلام من الردة والانهيار الخارجي، وتطبيقاً لمبدأ الصبر في الرسالة والتقية. وتستند هذه القراءة إلى ما ورد في «خطبة الشقشقية» في كتاب «نهج البلاغة» المنسوبة للإمام علي (وهي خطبة يطعن في إسنادها المحدثون السنة كابن تيمية والذهبي للانقطاع، بينما يصححها علماء الشيعة): «أما والله لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى... فصبرت وفي العيني قذى وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهباً». كما يستندون إلى قوله في نهج البلاغة مبرراً تعاونه ومشاركته في الشورى: «لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصصة، يلتمس بذلك أجرها وفضلها، والتحول عما تنافستموه من زخرفها وفتازها». وأما زواج أم كلثوم وتسمية الأبناء، فيحمله المؤرخون الشيعة إما على التقية والإكراه السياسي، أو على شيوع تلك الأسماء عند العرب دون قصد للتقارب العقائدي.


لقد بلغ لحظة الانفجار التاريخي الأكبر حين آلت الخلافة إلى الإمام علي بن أبي طالب سنة خمس وثلاثين للهجرة، إثر مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه. تسلم علي مقاليد دولة مترامية الأطراف تغلي بالفتن والاضطرابات القبلية والاجتماعية، فاصطدم منهجه الصارم في العدالة المبدئية، والمساواة بين الناس في العطاء، وعزل الولاة، بمنهج الواقعية السياسية والطلب الفوري بدم عثمان قبل استقرار الأمن. وأفضى هذا الاصطدام الدموي إلى معارك «الجمل» (مواجهة طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم)، و«صفين» (مواجهة معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام)، وما تمخض عنها من حادثة «التحكيم» التي خرج إثرها «الخوارج» فقاتلوا علياً في «النهرنوان» وكفروه حتى استشهده عبد الرحمن بن ملجم المرادي في محراب مسجد الكوفة في شهر رمضان سنة أربعين للهجرة.

هذه الدماء التي أُريقت خلال سنوات خلافة علي الخمس هي التي حوّلت الخلاف السياسي والهيرمينوطيقي إلى خنادق عقائدية راسخة. فبينما صاغ الشيعة عقائد «التوالي والتبرّي»، التي تحكم بالضلال أو الردة على كل من تقدم على علي أو نازعه أو قاتله في الجمل وصفين لاعتباره باغياً على الإمام المعصوم للزمان، صاغ أهل السنة والجماعة عقيدة «الإمساك عما شجر بين الصحابة»، مع اليقين المطلق بأن الحق في تلك الحروب كان مع علي بن أبي طالب، وأن علياً هو الإمام الحق، وأن من قاتله في صفين هم «الفئة الباغية» بنص الحديث النبوي المتواتر في الصحيحين: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» (وقد قتل عمار بن ياسر في جيش علي على يد جيش معاوية). غير أن أهل السنة اعتبروا أن البغي هنا لا يخرج صاحبه عن الإيمان ولا يبطل أصل عدالة الصحابة الذين اجتهدوا فأخطأوا، مرددين مقولة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: «تلك دماء طهر الله أسيافنا منها، فلا نلطخ بها ألسنتنا».


هكذا يتجلى لمن يتأمل مرايا التاريخ الإسلامي أن الانقسام حول علي بن أبي طالب لم يكن يوماً انقساماً بين محب ومبغض ضمن دائرة أهل السنة والشيعة ـ إذ لم يبغضه أو يكفره سوى الخوارج والنواصب الذين نبذتهم الأمة ـ بل كان انقساماً في «ماهية الحب وحدود المقام»، بين مدرسة سنية سلفية أحبته في إطار البشرية الهادية والوصبة العادلة والشورى السياسية، ومدرسة شيعية أحبته في إطار الاختيار الإلهي والعصمة المقدسة والنص الملزم. ولعل أبلع ما يلخص هذه المأساة التاريخية التي جعلت من رمز الوحدة والتقوى محوراً للفرقة عبر القرون، هو تلك النبوءة المبكرة التي أطلقها الإمام علي بن أبي طالب نفسه، واتفقت مصادر الفريقين على روايتها في «مسند أحمد» و«كتاب السنة» لابن أبي عاصم من جهة، وفي «نهج البلاغة» و«بحار الأنوار» من جهة أخرى، حين نظر إلى الأفق البعيد وقال كلماته البليغة الخالدة:

«هلك فيّ رجلان: محب مفرط، ومبغض مفرط»

الإمام علي بن أبي طالب

ليبقى علي بثباته في المحراب، وبلاغته في البيان، وزهده في الدنيا، وعدالته الصارمة التي لم تاخذ فيها لومة لائم، شاهداً حياً على عظمة التجربة الإسلامية في ذروة إشراقها الروحي وفي قمة مخاضها البشري والسياسي.

اقرأ هذا المقال بـ : EnglishEspañolFrançais

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

أضف تعليقا