يمثل الاعتقاد الأساس الفكري والروحي الذي تقوم عليه كل ديانة، وتتجلى فيه نقاط الالتقاء الجوهرية وفروق التمايز بين الرسالات الثلاث. وفي الإسلام، يقوم الاعتقاد على ستة أركان شاملة: الإيمان بالله من خلال توحيد الربوبية، وتوحيد الألوحيّة، والأسماء والصفات؛ والإيمان الملائكة؛ والكتب السماوية المنزلة بصورتها الأصلية؛ وجميع الأنبياء والرسل دون التفريق بين أحد منهم; واليوم الآخر وما يتبعه من بعث، وميزان، وصراط، وجنة ونار؛ والقدر خيره وشره؛ إلى جانب التنزيّه المطلق للخالق عن الحلول، أو الاندماج، أو المجاورة، ورفض عقيدة الخطيئة الأصلية، إذ كل مولود يولد على الفطرة ولا تزر وازرة وزراً أخرى.
وقد لخصت النصوص القرآنية والنبوية هذا البناء العقدي الراسخ في قاعدة الإيمان القاطعة، في قوله (تعالى):
«قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد»
صدق الله العظيم. وقد حفظ الصحابة الأجلاء هذا التوحيد الخالص من شوائب الغلو والفرق المبتدعة، مؤكدين في آثارهم المجمع عليها: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، ومن لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة برحمته وفضله».
وعلى هذا الأصل توافق الأئمة الأربعة: فكتب أبو حنيفة رسالته "الفقه الأكبر"، وأصل مالك قاعدته الشهيرة في إمرار صفات الأخبار بلا كيف ولا تمثيل، وضبط الشافعي أصول الاعتقاد في "الرسالة"، وثبت أحمد بن حبنل على تثبيت أصول السنة، متفقين على أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، كما صاغوا في أصولهم العقدية: «الإيمان يزيد بالطاعة وينقص مع المعصية، ولا يُكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب عملي ما لم يستحله».
وعند مقارنة هذه الأصول بالتلمود والتقاليد الحاخامية التي صاغها لاحقاً موسى بن ميمون في ثلاثة عشر أصلاً عقدياً، نجد أن اليهودية تلتقي مع الإسلام في التوحيد الصارم ورفض تجسد الألوهية، إلا أن التلمود يمزج عقيدة التوحيد بمفهوم الاصطفاء القومي لبني إسرائيل، وينتظر مجيء المسيح المخلص من سلالة داود. كما شهد التلمود في الفصل العاشر من سفر سنهدريم نقاشاً تاريخياً حاداً بين الفريسيين الذين أثبتوا البعث والمعاد، والصدوقيين الذين أنكروه، حتى حسم الحاخامات الأمر بالقاعدة التلمودية: «كل من أنكر أن بعث الأموات ثابت من التوراة فليس له نصيب في العالم الآخر»، إلى جانب ظهور بعض الروايات الوعظية في الجمار تنسب أوصافاً بشرية للذات الإلهية كالبكاء على خراب الهيكل، وهي نصوص يؤولها الفلاسفة اليهود مجازياً.
أما العقيدة في الإنجيل والمجامع الكنسية الكبرى التي بدأت في نيقية عام 325 م والقسطنطينية عام 381 م، فقد تأسست على مفهوم المحبة الإلهية، والفداء، والخلاص من الخطيئة الأصلية، وتلألأت في قانون الإيمان الذي يرى الجوهر الإلهي جوهراً واحداً في ثلاثة أقانيم، استناداً إلى الفهم اللاهوتي للنص الإنجيلي: «بحب عظيم، أسلم المخلص نفسه خلاصاً للبشرية ليحظى كل مؤمن به بالحياة الأبدية». وبذلك يتميز الإسلام بالاعتراف العقدي الصريح بموسى وعيسى عليهما السلام، مع الحفاظ على تنزيه مطلق للخالق عن الحلول والنقائص.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!