لا يحتاج المتتبع الحصيف للمشهد الإعلامي في شمال إفريقيا إلى كثير من العناء ليدرك أن المنظومة الدعائية الجزائرية، بمختلف أذرعها الرقمية والورقية من قبيل منصات "أوراس" و"بلادي أنفو" و"دزاير توب" و"الجزائر مباشر" و"الشبكة الجزائرية للأخبار"، قد رهنت وجودها المهني وعقيدتها التحريرية لهدف واحد يتمثل في استهداف المملكة المغربية على مدار الساعة. فبينما ينشغل الإعلام المغربي بمواكبة الأوراش التنموية الكبرى والتموقع الاستراتيجي للمملكة قارياً ودولياً، اختارت هذه المواقع، بتوجيه مباشر من حكام قصر المرادية، امتهان الكذب الممنهج وجعل المغرب مادتها الإخبارية الوحيدة للتغطية على الأزمات البنيوية الخانقة التي يتخبط فيها النظام الجزائري. ويتبدى هذا السلوك الدعائي في أبهى صور الإسقاط النفسي والسياسي؛ إذ تستميت هذه المنصات في التسويق لأطروحة الانفصال المتآكلة عبر تضخيم معارض صور دعائية داخل أروقة الأمم المتحدة أو اختلاق انتفاضات وهمية للتشويش على مسودات قرارات مجلس الأمن الدولي، بالتوازي مع محاولاتها اليائسة لإلصاق تهمة تصدير المخدرات نحو أوروبا بالمغرب من خلال الترويج الانتقائي لعمليات حجز روتينية في إسبانيا، متناسية عمداً أن الحقائق الجغرافية والأمنية الموثقة دولياً تضع النظام العسكري الجزائري في قلب أكبر شبكة قارية لتهريب المخدرات الصلبة والسموم الكيميائية في حوض المتوسط وإفريقيا.
إن فتح الدفاتر الموثقة لدى المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، والمركز الأوروبي لرصد المخدرات والإدمان (EMCDDA)، فضلاً عن أرشيفات وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) ومبادرة "غلوبال إنيشياتيف" لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، يعرّي زيف الرواية الجزائرية ويكشف بالملموس أن أطنان المخدرات الصلبة تعبر يومياً من خلال منطقة الساحل الإفريقي ودول جنوب الصحراء، وتحديداً عبر ما يُصطلح عليه أمنياً بـ"الطريق السريع رقم 10" (Highway 10) الممتد من سواحل خليج غينيا نحو عمق الصحراء الكبرى. وتؤكد التقارير الاستخباراتية والوقائع الميدانية، المدعومة بأبحاث عالم الجريمة الفرنسي كزافييه بوفيرون وتقارير "المركز الأوروبي للاستخبارات الاستراتيجية والأمنية" (ESISC) ببروكسيل، أن كارتيلات الكوكايين الكبرى في كولومبيا والمكسيك، وعلى رأسها كارتيل "سينالوا" وكارتيل "خاليسكو الجيل الجديد" وشبكات "كلان ديل غولفو"، لم تكن لتتمكن من إرساء قواعدها اللوجستية في غرب إفريقيا والساحل لولا وجود تفاهمات مباشرة وتعاملات شخصية مع قمة الهرم العسكري في الجزائر، وتحديداً رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة والدائرة الضيقة من الجنرالات المتحكمين في الممرات الحدودية والواجهات البحرية. ولا تزال الذاكرة الأرشيفية الدولية تحتفظ بوقائع مدوية تفضح هذا التواطؤ، بدءاً من فضيحة طائرة "إير كوكايين" الشهيرة في منطقة "تاركينت" بشمال مالي، ومروراً باعتقال البارون "عمر الصحراوي" وتفكيك شبكات "السلطان ولد بادي" التي عرّت الترابط الميداني بين كبار المهربين وحماة المعابر في جنوب الجزائر، وصولاً إلى فضيحة حجز ما يربو على 701 كيلوغرام من الكوكايين الخام في ميناء وهران، وهي القضية التي عُرفت إعلامياً بملف "كمال البوشي" والتي هزت أركان الدولة الجزائرية بعد أن طالت التحقيقات الأولية أسماء وازنة في المؤسستين العسكرية والأمنية قبل أن يتم طمس معالمها على عجل.
ولا يتوقف هذا التورط المنهجي عند حدود تأمين مسارات الكوكايين العابر للقارات، بل يتعداه إلى إدارة حرب كيميائية قذرة تستهدف الأمن المجتمعي المغربي والإقليمي عبر صناعة وتهريب الملايين من الأقراص المهلوسة، المعروفة شعبياً بـ"القرقوبي" وعقاقير "ليريكا" (Pregabalin) ومشتقات "الإكستازي"، والتي تتدفق بإشراف مباشر من وحدات عسكرية جزائرية ترابط على طول الشريط الحدودي الشرقي للمملكة. إن حجم الشحنات الهائلة من المؤثرات العقلية التي تُحبط الأجهزة الأمنية المغربية محاولات إدخالها بصورة شبه يومية يثبت أن الأمر لا يتعلق بعصابات تهريب معزولة، بل بعقيدة رسمية يشرف عليها جناح شنقريحة لإغراق المنطقة بالسموم؛ وهو ملف جنائي مكتمل الأركان يكفي أن يُفتح بشأنه تحقيق دولي نزيه ومستقل، بعيداً عن الحسابات السياسوية، لتنكشف الحقيقة الساطعة أمام الرأي العام العالمي وتظهر للعلن لائحة الأسماء الكاملة للجنرالات والوسطاء والحسابات البنكية الخارجية التي تدير هذا الاقتصاد الأسود.
وفي قلب هذه الهندسة الإجرامية العابرة للحدود، تضطلع جبهة "البوليساريو" الانفصالية بدور الميليشيا المسلحة والأداة اللوجستية الوظيفية المكلفة بحماية وتأمين قوافل مخدرات شنقريحة براً عبر مسالك الصحراء الكبرى الوعرة، وهو ما وثقته تقارير "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" وتحقيقات برلمانية وأمنية أوروبية نبهت مراراً إلى التحول العضوي لعناصر البوليساريو نحو العمل كـ"حراس قوافل" لفائدة كارتيلات التهريب. وتنطلق هذه المسارات البرية المحمية عسكرياً من نقاط التفريغ في خليج غينيا، عابرة أراضي النيجر عبر محور "أغاديز"، لتدخل التراب المالي وتمر عبر مثلث "غاو" و"كيدال" و"تاودني" في إقليم أزواد، ومنها عبر محور "تمبكتو - بير" وممر "إن خليل" و"برج باجي مختار" الخاضع للسيطرة العسكرية الجزائرية، وصولاً إلى مخيمات تندوف التي تُستخدم قاعدةً خلفية للتخزين وإعادة التوزيع، بالتوازي مع خط "ممر سلفادور" الاستراتيجي عند تقاطع حدود الجزائر والنيجر وليبيا. ومن تلك القواعد الخلفية في تندوف والمسالك الصحراوية المتاخمة لشمال موريتانيا، يتم شحن الأطنان المؤمَّنة نحو الواجهات البحرية الأطلسية والمتوسطية ليتم تهريبها عبر سفن صيد معدَّلة وزوارق سريعة عالية التدفق باتجاه السواحل الأوروبية، وتحديداً نحو سواحل "ألغارفي" (الغرب) ومرفأَيْ "سينيس" ولشبونة في البرتغال، فضلاً عن خليج قادش وسواحل غاليسيا وجزر الكناري في إسبانيا.
وإدراكاً من منظومة المخابرات الجزائرية لحجم المليارات المتراكمة من عائدات هذا التهريب، وسعياً منها إلى اختراق النسيج الاقتصادي والأمني المغربي، لجأت جماعات جزائرية موجهة إلى أسلوب الحرب الهجينة عبر تأسيس شركات وهمية وواجهات تجارية عابرة للحدود، مدعومة بشبكة استخباراتية معقدة تتخذ من مدن وموانئ محددة كأليكانتي وفالنسيا والجزيرة الخضراء في إسبانيا، وبورتو ولشبونة في البرتغال، مقرات خلفية لإدارة عملياتها وتمويه تحركاتها المالية. وقد حاولت هذه الخلايا الاستخباراتية، المتخفية في جلباب المستثمرين الأجانب، نسج علاقات مشبوهة وعقد شراكات تجارية مع فاعلين ومقاولين مغاربة تحت غطاء أنشطة مدنية ظاهرها التبادل التجاري وتصدير واستيراد سلع محددة كالأثواب والنسيج، ومواد السيراميك، والأجهزة الإلكترونية، بينما باطنها غسيل أموال المخدرات وخلق منافذ لوجستية للتسلل وبناء شبكات تجسس داخل التراب المغربي. بيد أن الفطنة العالية للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين المغاربة، مسنودة باليقظة الاستباقية للمؤسسات الأمنية والاستخباراتية المغربية التي راكمت خبرة عالمية مشهوداً لها بالكفاءة في تفكيك الشبكات المعقدة، نجحت في رصد هذه التحركات المشبوهة منذ خطواتها الأولى، وكشفت الخيوط السرية التي تربط تلك الشركات الوهمية في شبه الجزيرة الإيبيرية بغرف العمليات في الجزائر العاصمة، مما أربك حسابات جنرالات المرادية وأسقط مخططاتهم في الماء، ليبقى الصراخ الإعلامي اليومي في المواقع الجزائرية مجرد صدى لعجز نظام فشل في الميدان الدبلوماسي، وافتضح أمره في مسالك الساحل والصحراء
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!