بعد إعلان اختيار غادي آيزنكوت لتكليفه بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، يبرز من زاوية المصالح المغربية سؤال يتجاوز أصول الرجل: هل تستفيد الرباط أكثر من استمرار بنيامين نتنياهو، الذي ارتبطت باسمه مكاسب دبلوماسية مهمة، أم من صعود قائد عسكري سابق ينحدر من أسرة مغربية، قد يمنح العلاقة وجهاً مختلفاً؟ تقتضي الإجابة التمييز بين جاذبية الهوية وفاعلية السياسة، وبين اختيار مرشح لتشكيل الحكومة ونجاح هذا المرشح في تأمين أغلبية تقوده إلى السلطة. ووفق تقرير رويترز مساء السبت 7 نونبر 2026، فإن تسلّم آيزنكوت التكليف مقرر يوم الأحد 8 نونبر، بما يفتح مرحلة تفاوض لا انتقالاً محسوماً للحكم.
لفهم هذه المقارنة، ينبغي العودة إلى ما قبل تفاهمات 2020. فالعلاقة المغربية الإسرائيلية لم تبدأ مع نتنياهو؛ إذ أُعلن تبادل مكاتب الاتصال سنة 1994، في عهد حكومة إسحاق رابين، ضمن المناخ الذي أوجدته عملية السلام. ثم أُغلقت المكاتب سنة 2000 مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وتكشف هذه السابقة أن العلاقة أقدم من المتنافسين اليوم، وأن الروابط التاريخية والإنسانية لم تمنع تراجع التمثيل الرسمي حين اشتد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
أما المرحلة الراهنة، فانطلقت في دجنبر 2020، ضمن تفاهم رعته واشنطن وجمع بين استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية والاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء. كان نتنياهو طرفاً رئيسياً في هذه المحطة، لكن اختزالها في مبادرة شخصية منه يحجب دور الدبلوماسية المغربية في التفاوض وتحديد المكاسب المنتظرة. فالرباط دخلت المسار بحسابات تتصل بقضيتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية، واستعادت علاقة كانت قائمة بمستوى محدود قبل عقدين.
وفي هذا السياق، نقلت «أكسيوس» في يناير 2023، عن مسؤولين إسرائيليين، ربط الرباط رفع التمثيل الدبلوماسي باعتراف إسرائيل بسيادتها على الصحراء. ومع أنها رواية منسوبة إلى مصادر إسرائيلية، فإنها تضيء جانباً مهماً من المقارنة: المكاسب المغربية حصيلة تفاوض أيضاً، وليست امتيازات منحها رئيس حكومة إسرائيلي بمبادرة منفردة. ومن ثمّ، تتوقف النتائج على ما تستطيع الرباط التفاوض بشأنه، بقدر ما تتوقف على هوية شريكها.
وتؤكد التجربة أن البناء المؤسسي استمر خارج عهد نتنياهو. ففي نونبر 2021، وقّع بيني غانتس وعبد اللطيف لوديي مذكرة التعاون الدفاعي التي شملت تبادل الخبرات والتكوين ونقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي. وفي مارس 2022، أعلنت وزارة الصناعة المغربية مذكرة تعاون مع الصناعات الجوية الإسرائيلية، تضمنت فرصاً للتصنيع والبحث والتطوير وتنمية شبكة من الموردين المحليين. وقد أُنجزت هذه الخطوات في عهد حكومة بينيت ولابيد، بما يعزز الاستنتاج بأن التعاون يستند إلى مصالح مؤسسية تتجاوز بقاء زعيم بعينه.
بعد عودته إلى السلطة، ارتبط اسم نتنياهو بمكسب دبلوماسية مهمة للرباط: الاعتراف الإسرائيلي بسيادة المغرب على الصحراء في يوليوز 2023. ولم يُقدَّم الاعتراف باعتباره موقفاً شخصياً؛ بل أُعلن أنه سينعكس على أعمال الحكومة الإسرائيلية ووثائقها ذات الصلة. وهذا يمنح توقّع استمراره بعد تغيير الحكومة أساساً مؤسسياً، دون أن يبرر الجزم باستحالة مراجعته. وبذلك يصبح السؤال المطروح على آيزنكوت، إن وصل إلى الحكم؛ ما اللذي سيضيفه إلى الاعتراف القائم وكيف سيترجمه عملياً.؟
غير أن الحرب على غزة فرضت لاحقاً كلفة سياسية وشعبية ثقيلة على التقارب. فقد وثّق الباروميتر العربي انخفاض تأييد التطبيع في المغرب من 31 في المائة سنة 2022 إلى 13 في المائة في استطلاع أُنجز بين دجنبر 2023 ويناير 2024. ولا تمثل هذه الأرقام قياساً للرأي العام في نونبر 2026، لكنها تكشف حجم التراجع المسجّل بعد اندلاع الحرب، وتوضح أن تطور العلاقات الرسمية لا يعني بالضرورة اتساع قبولها داخل المجتمع.
ورغم هذا الضغط، استمر مسار رفع مستوى العلاقات. ففي الإعلان الثلاثي الصادر في 16 شتنبر 2026، أكد المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة التوجه إلى تحويل البعثتين إلى سفارتين وتبادل السفراء، واتخاذ إجراءات لاستئناف الرحلات المباشرة، واستكمال اتفاقيتي حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي قبل نهاية السنة. وتوفر هذه التعهدات إطاراً سياسياً للمرحلة المقبلة، مع ضرورة التمييز بين إعلانها واكتمال تنفيذها.
هنا تتضح مفارقة نتنياهو: ارتبط اسمه بمحطات دبلوماسية استفادت منها الرباط، بينما جعل تحالفه مع اليمين المتطرف وسياسات حكومته تجاه الفلسطينيين التقارب الأكثر صعوبة في الدفاع عنه شعبياً. أما آيزنكوت، فتمنحه أصوله المغربية رصيداً رمزياً مختلفاً؛ فقد وُلد في طبريا لوالدين مهاجرين من المغرب، وهو ما قد يضفي بُعداً عاطفياً وثقافياً على التواصل مع المملكة إذا وصل إلى رئاسة الحكومة.
هذا لا يعني أن الأصول المغربية لم تحضر قبله في مراكز القرار الإسرائيلي وفي التعاون مع المملكة. فعمير بيريتس، المولود في أبي الجعد، تولى وزارة الدفاع، ثم شارك بصفته رئيس مجلس إدارة الصناعات الجوية الإسرائيلية في توقيع مذكرة التعاون الصناعي مع المغرب سنة 2022.
لذلك، يتعلق الجديد المحتمل مع آيزنكوت بموقع رئاسة الحكومة، بينما الجسور البشرية والسياسية والصناعية قائمة منذ سنوات. وتُقاس قيمتها العملية بما تيسّره من تفاهم ومشاريع، إلى جانب دلالتها الثقافية.
ولا تسمح مواقف آيزنكوت بتقديمه بوصفه ضمانة لتحول نحو تسوية القضية الفلسطينية. فقد أظهرت تغطية مواقفه الانتخابية رفضه قيام دولة فلسطينية، مع اختلافه عن نتنياهو بشأن بعض سياسات الضفة الغربية وشركاء الائتلاف. ولهذا يظل احتمال تشكيل حكومة أقل إحراجاً للرباط مشروطاً بسلوكها الفعلي وقدرتها على كبح عنف المستوطنين وتجنب التصعيد؛ فاستبعاد شخصيات يمينية متطرفة، إن تحقق، لا يكفي وحده لإثبات تغير السياسة.
وتظل قدرته على تنفيذ أي توجه مرهونة أولاً بتأمين أغلبية. فالتوصيات التي حصل عليها لا تعادل ائتلافاً جاهزاً، في ظل الخلافات بشأن التعاون مع الأحزاب العربية وتباين مصالح القوى المناوئة لنتنياهو. وقد تدفع هذه القيود حكومة محتملة إلى التركيز على بقائها، أو تحدّ من قدرتها على إطلاق مبادرات خارجية واسعة. ولهذا تبدو مواصلة الملفات القائمة توقعاً أكثر تحفظاً من افتراض انطلاقة استثنائية في العلاقة مع المغرب.
ومن الجانب المغربي، يتجاوز الموقف من فلسطين حساب الاحتجاجات الداخلية. فالملك محمد السادس يرأس لجنة القدس، والموقف المغربي المعلن يؤكد حماية الوضع القانوني والتاريخي للمدينة ودعم إقامة دولة فلسطينية. ومن ثمّ، يشكل احترام المقدسات والحد من الإجراءات التي تقوّض التسوية معياراً مستقلاً لتقييم أي حكومة إسرائيلية.
وقد يؤثر أي قرار يتعلق بالقدس أو الاستيطان في العلاقة بين البلدين أكثر مما تؤثر فيها زيارة عائلية أو كلمة تستحضر الأصول المغربية.
وفي ملف الصحراء، ينبغي التمييز بين الدعم الإسرائيلي والمسار الأممي. فالقرار 2797، الصادر سنة 2025، جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للتفاوض، مع الإبقاء على هدف التوصل إلى حل نهائي مقبول من الأطراف. أما عدم تجديد ولاية المينورسو في نهاية أكتوبر 2026، بعد تعثّر مشاريع التجديد، فلا يعني في حد ذاته صدور قرار أممي بإغلاق النزاع. وفي هذا السياق، يمكن تقييم الحكومة الإسرائيلية المقبلة بمدى تنفيذ التزاماتها واتخاذ خطوات عملية في التمثيل القنصلي أو التعاون الاقتصادي في الأقاليم الجنوبية، دون تقديم تلك الخطوات باعتبارها مقررة سلفاً.
اقتصادياً، بلغت المبادلات التجارية المسجلة نحو 105.5 ملايين دولار في النصف الأول من 2026، وفق البيانات المنشورة لدى مؤسسة هيريتيج. لكن قيمة المبادلات وحدها لا تكفي لقياس المنفعة المغربية؛ إذ تشمل معايير التقييم مقدار ما ينشأ داخل المملكة من تصنيع وتكوين وفرص عمل ونقل للمعرفة. وقد طرحت مذكرة التعاون الصناعي لسنة 2022 هذه المجالات بالفعل، ما يجعل تنفيذ المشاريع وتوسيع المشاركة المحلية اختباراً أكثر دلالة من الاكتفاء بعدّ الاتفاقيات أو الإعلان عن الصفقات.
يملك نتنياهو سجلاً من القرارات التي استفادت منها الرباط، وقد يقدّم آيزنكوت أسلوباً مختلفاً في إدارة العلاقة، لكن الحكم على أي منهما ينبغي أن يستند إلى النتائج. فالأنفع للمغرب هو من يحوّل التعهدات إلى مكاسب قابلة للتنفيذ، ويحترم مصالح المملكة، ويساعد على خفض التوتر الذي يضع التعاون تحت ضغط مستمر. وقد تمنح الأصول المغربية اللقاء دفئاً إضافياً، أما حصيلته فتحددها القرارات والقدرة المغربية على التفاوض بشأنها، مع الحفاظ على التزاماتها تجاه فلسطين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!