بدأت الحكاية في ليلة خريفية باردة من ليالي شهر أكتوبر عام 2016، حين اهتزت مدينة الحسيمة الهادئة على وقع حادثة مأساوية أودت بحياة بائع السمك الشاب محسن فكري داخل شاحنة لضغط النفايات، لتخرج الساكنة في مسيرات عفوية يملؤها الحزن والاحتقان، رافعة شعارات تطالب بالعدالة والكرامة وفتح تحقيق شفاف لتحديد المسؤوليات. كانت تلك اللحظة بمثابة الشرارة التي انبثق منها ما عُرف إعلامياً وشعبياً بـ«حراك الريف»، حيث توحدت أصوات المواطنين خلف ملف مطلبي اجتماعي وتنموي واضح المعالم، يركز في جوهره على تشييد مستشفى متخصص لعلاج الأورام السرطانية، وإحداث نواة جامعية، وفك العزلة الجغرافية عبر استكمال البنيات التحتية، وتوفير فرص الشغل لأبناء الإقليم. وفي خضم تلك التجمعات الجماهيرية، برز اسم ناصر الزفزافي، الشاب الذي لم يكن له من ماضٍ في العمل الحزبي أو النقابي المؤطر، لكنه امتلك نبرة صوتية جهورية ولغة جسد حماسية وقدرة لافتة على دغدغة العواطف ومخاطبة الوجدان الشعبي بالدارجة الممزوجة بالريفية، ليتحول في ظرف أسابيع قليلة من متظاهر عادي إلى خطيب الساحات والناطق غير الرسمي باسم المحتجين، في مسيرات حافظت في بداياتها على سلميتها التامة، وسط تعاطف وطني واسع وتفهّم رسمي لمشروعية تلك المطالب التي لم تكن لتقود صاحبها أبداً إلى السجن في بلد يشهد آلاف الوقفات الاحتجاجية السلمية سنوياً تحت مظلة دستور 2011.
غير أن القراءة العميقة في خفايا تلك المرحلة تكشف أن الحراك وُلد وكبر في توقيت سياسي بالغ التعقيد، تزامن مع ما عُرف في العاصمة الرباط بـ«البلوكاج» أو الانحباس الحكومي الذي أعقب الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2016؛ إذ دخلت المشاورات السياسية لتشكيل الحكومة في نفق مسدود دام قرابة ستة أشهر، مما جعل البلاد تُدار بحكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات والمبادرة. خلق هذا الشلل الحكومي فراغاً سياسياً وتواصلياً خطيراً في إقليم الحسيمة، وترافق مع صراع أجنحة خفية وتصفية حسابات حزبية بين النخب المحلية والجهوية، وعلى رأسها قيادات كانت تتصدر المشهد في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة آنذاك بقيادة إلياس العماري، والتي حاولت في البداية احتواء الحراك سياسياً قبل أن تفقد السيطرة تماماً على الشارع. هذا الفراغ المؤسساتي القاتل ترك الميدان خالياً أمام تنامي الخطاب التحريضي للزفزافي، الذي وقع في خطئه الاستراتيجي الأول حين حوّل الحركة الاحتجاجية إلى ظاهرة مشخصنة، وقطع كل جسور التواصل عبر تبني خطاب تخويني حاد شطب به كافة المؤسسات الوسيطة من أحزاب ونقابات وجمعيات ومنتخبين، واصفاً إياهم بـ«الدكاكين السياسية» و«البيادق»، ليجعل من نفسه المحاور الوحيد والمرجعية المطلقة للشارع.
ومع إطالة أمد الاحتجاجات، دخلت على الخط أطراف خارجية وجدت في غليان الحسيمة صيداً ثميناً وفرصة تاريخية لتصفية حساباتها مع الدولة المغربية، وهنا برز الخيط الخفي الأخطر الذي غيّر طبيعة الملف من حراك اجتماعي إلى قضية تمس السلامة الداخلية للدولة، وتمثل في شبكة «روزندال» الهولندية التي كان يقودها البرلماني المغربي السابق الفارّ إلى هولندا سعيد شعو، مؤسس ما يسمى بـ«حركة 18 شتنبر لاستقلال الريف».
حيث رصدت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية ضخ أموال وتحويلات مالية وتوجيهاً إعلامياً منظماً من الخارج يهدف إلى تدويل القضية ودفع شباب الحراك نحو الصدام المباشر مع القوات العمومية، وهو ما تسبب حينها في أزمة دبلوماسية حادة بين الرباط وأمستردام وصلت حد استدعاء المغرب لسفيره في لاهاي للمطالبة بتسليم شعو. وفي الكواليس الميدانية، مارست الصفحات الممولة من الخارج ما يُشبه «إرهاب التخوين» ضد كل صوت معتدل داخل الحسيمة؛ فحين أوفدت الدولة وفداً وزارياً رفيع المستوى في ماي 2017 لتسريع المشاريع، تعرض النشطاء والجمعويون الذين دعوا إلى الجلوس لطاولة الحوار لحملات تشهير شرسة اتهمتهم بـ«بيع القضية»، وأصبح الزفزافي نفسه أسيراً لنشوة «البث المباشر» ومزايدات الراديكاليين في أوروبا، فارتفعت في الساحات رايات تاريخية جهوية مع تغييب متعمد للعلم الوطني، وصدرت عنه تصريحات خطيرة طعنت في الوحدة الترابية للمملكة واستعدت المؤسسات الأمنية والسيادية.
بلغ هذا الانزلاق ذروته الدرامية يوم الجمعة 26 من ماي عام 2017، وهو اليوم الذي شكّل نقطة اللاعودة والخطأ الجنائي القاتل الذي أسقط عن الزفزافي غطاء السلمية؛ فبينما كان إمام مسجد «محمد الخامس» بالحسيمة يلقي خطبة الجمعة متحدثاً فيها عن قيم الأمن والاستقرار والتحذير من الفتنة، قاطعه الزفزافي وسط صفوف المصلين بصراخ محموم، وتقدم نحو المنبر محولاً بيت العبادة إلى ساحة تلاسن سياسي، صارخاً بجملته الشهيرة التي وثقتها الكاميرات: «هل هذه المساجد بيوت الله أم بيوت المخزن؟»، ومضيفاً بلهجة تحريضية: «من هم المفتنون؟ نحن الذين نطالب بمستشفى وجامعة أم أنتم؟». لم يكن هذا الفعل مجرد احتجاج عابر، بل كان خرقاً صريحاً للفصلين 221 و222 من القانون الجنائي المغربي اللذين يجرمان عرقلة حرية العبادة، وتعدياً سافراً على حرمة المساجد التي تندرج ضمن الأمن الروحي للمغاربة المرتبط حصرياً بإمارة المؤمنين، ليصدر على الفور أمر النيابة العامة بتوقيفه، حيث أُلقي عليه القبض بعد أيام قليلة من فراره، وأُحيل مع رفاقه على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
خلال المحاكمة التي استأثرت باهتمام الرأي العام الوطني والدولي، انقسمت القراءات الحقوقية بين زاويتين؛ إذ ركزت المنظمات الدولية كـ«أمنستي» و«هيومن رايتس ووتش» وبعض الجمعيات المحلية على انتقاد قسوة الأحكام التي صدرت في يونيو 2018 وقضت بسجن الزفزافي عشرين عاماً نافذة، معتبرة أن المحاكمة شابتها تضييقات وأن الأصل في الحراك كان مطلبياً سلمياً. في المقابل، أوضح المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمؤسسات الرسمية بالأدلة القاطعة أن الدولة لم تحاكم حرية التعبير، بل حاكمت أفعالاً جنائية ثابتة شملت التآمر وتلقي تمويلات مشبوهة لزعزعة الاستقرار، والتحريض الذي أدى إلى إحراق بنايات وإصابة مئات العناصر من القوات العمومية بجروح متفاوتة الخطورة، واقتحام بيت من بيوت الله. وبالموازاة مع هذا الحسم القضائي، أثبتت الدولة المغربية أنها لا تتعامل بمنطق أمني صرف، بل فتحت تحقيقاً صارماً عبر المجلس الأعلى للحسابات حول أسباب تعثر مشاريع «الحسيمة منارة المتوسط»، وهو ما أفضى في أكتوبر 2017 إلى ما سُمي بـ«الزلزال السياسي»؛ حيث أعفى الملك محمد السادس عدداً من الوزراء الممارسين وعاقب وزراء سابقين وعشرات المسؤولين الترابيين الذين ثبت تقصيرهم في خدمة ساكنة الإقليم، في رسالة بليغة مفادها أن الدولة تعترف بمشروعية المطالب الاجتماعية وتحاسب المسؤول المتقاعس، لكنها لا تتسامح أبداً مع من يخرق القانون أو يعبث بأمن الوطن.
ولم تتوقف فصول القصة خلف أسوار سجن «عكاشة» بالدار البيضاء أو سجن طنجة لاحقاً، بل دارت في الكواليس مفاوضات هادئة ووساطات إنسانية وسياسية قادها رجال دولة وحقوقيون بارزون، في مقدمتهم الراحل أحمد حرزني، الرئيس الأسبق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بهدف بلورة مخرج يفضي إلى طي الملف نهائياً. كانت الفكرة ترتكز على توقيع المعتقلين لوثيقة مراجعات سياسية يؤكدون فيها تشبثهم بالثوابت الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، وقطع الطريق على المستغلين الانفصاليين في الخارج، دون المساس بكرامتهم، وهو المسار الذي أثمر بالفعل عن صدور عفو ملكي على دفعات متتالية غادر بموجبه المئات من شباب الحراك أسوار السجون وعادوا إلى حياتهم الطبيعية. غير أن تعنت النواة الصلبة في اللحظات الأخيرة، وبروز خلافات داخلية بينهم تلتها تسريبات صوتية من داخل السجن سنة 2019، عرقل إتمام تلك المبادرة في حينها، ليبقى ملف ناصر الزفزافي ومن تبقى معه موضوع مُناشَدات مدنية وحقوقية متواصلة تطمح إلى أن يتوج مسار المصالحة التنموية الكبرى التي شهدتها الحسيمة في السنوات الأخيرة بلحظة انفراج إنساني شامل، بعدما استوعب الجميع الدرس التاريخي العميق بأن نبل المطالب الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق أبداً عبر القفز في المجهول أو المقامرة باستقرار الأوطان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!