لم تكن إطلالة وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة عبر القناة الثانية مجرد تمرين تواصلي معتاد لامتصاص ارتدادات "الفيتو" الروسي داخل مجلس الأمن، بل بدت بمثابة إعلان سياسي عن تدشين مرحلة دبلوماسية جديدة، تزامنت مع الترحيب الصريح الصادر عن بلاغ الديوان الملكي. إن فحص مضامين هذا الحوار يكشف أن الرجل لم يأتِ ليشرح ما جرى في نيويورك، بقدر ما جاء ليرسم ملامح قطيعة منهجية مع مسار أممي استمر لأكثر من ثلاثة عقود، وتفكيك التصريحات التي أدلى بها يتيح فهم التحولات العميقة التي دخلتها الدبلوماسية المغربية.
التصريح الأول: «لم نبذل أي جهد لإقناع روسيا بتعديل موقفها»
يبدو هذا الموقف في ظاهره استعلاءً دبلوماسياً غير مألوف في التعامل مع دولة عظمى تملك حق النقض، لكن تفكيكه يكشف عن خيار استراتيجي محسوب؛ فالرباط أدركت أن مسايرة الشروط الروسية لتفادي الفيتو كانت ستقتضي بالضرورة تخفيف صيغة الدعم الأمريكي لمبادرة الحكم الذاتي وتقديم تنازلات في الصياغة تعيد الملف إلى مربعات التردد السابقة. إن قرار "عدم استرضاء موسكو" يعكس قناعة مغربية بأن الحفاظ على جوهر المكتسب السياسي داخل نص القرار — حتى لو سقط بالفيتو — أثمن بكثير من شراء قرار توافقي رمادي يمدد ولاية المينورسو ويعيد تدوير الجمود. المغرب هنا اختار الوضوح على حساب التوافق الهش.
التصريح الثاني: «11 صوتاً مع القرار مقابل 3 لموسكو»
لجوء بوريطة إلى لغة الأرقام ليس مجرد استعراض خطابي للانتصار، بل هو محاولة لتفكيك شرعية الفيتو من الناحية الأخلاقية والسياسية؛ فالمغرب يريد تثبيت حقيقة أن الغالبية الساحقة داخل الجهاز التنفيذي الأممي مقتنعة بجدوى المبادرة المغربية وبضرورة إنهاء صيغة 1991. ومع ذلك، فإن الوجه الآخر لهذه المعادلة يظهر أن الآلية الأممية أصبحت عاجزة بنيوياً؛ فحين تصبح الأغلبية (11 صوتاً) معطلة بالكامل أمام رغبة قوة واحدة تستحضر حساباتها في صراع النفوذ العالمي مع واشنطن، فإن الاستمرار في التعويل على مجلس الأمن يصبح ضرباً من استنزاف الوقت.
التصريح الثالث: «رحيل المينورسو لن يكون طرداً، بل خروجاً مسؤولاً ومنظماً»
هذه النقطة هي جوهر التحول الذي تقاطع مباشرة مع ترحيب البلاغ الملكي؛ فالدبلوماسية المغربية لم تتعاطَ مع سقوط تجديد البعثة كنكسة، بل كفرصة تاريخية للتحرر من عبء أمني وقانوني طال أمده. تفكيك هذا التصريح يوضح أن المغرب لم يعد يرى جدوى في بقاء قوات أممية تحولت مع الوقت إلى أداة لتجميد الوضع القائم وتوفير مظلة لما كان يُسمى "المناطق العازلة". إن رحيل المينورسو الهادئ يعني عملياً إسقاطاً نهائياً لوهم الأراضي المحررة شرق الجدار الأمني، واستعادة القوات المسلحة الملكية كامل حرية الحركة والانتشار والردع على حدود التماس مباشرة، ما يعني إنهاء الوساطة الميدانية والانتقال إلى السيادة الخالصة بقواعد اشتباك وطنية مباشرة.
التصريح الرابع: «الذهاب إلى اللجنة الرابعة لغياب الفيتو»
تأكيد الوزير على فتح مسار الجمعية العامة ولجنتها المعنية بتصفية الاستعمار يمثل نقلة تكتيكية جريئة؛ فالرباط تريد نقل المعركة إلى ساحة ديمقراطية التعداد (صوت لكل دولة) لشطب الملف من قائمة "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي". غير أن تفكيك هذا التوجه يفرض الاعتراف بوعورة هذه الحلبة؛ فاللجنة الرابعة كانت تاريخياً معقلاً لأدبيات تقرير المصير التقليدية ومساحة لنفوذ دول حركة عدم الانحياز وحلفاء الخصوم. هذا الانتقال يعني أن الدبلوماسية المغربية تقبل بخوض معركة أرقام مكلفة ومعقدة في الجنوب العالمي، مستندة إلى شبكة شراكاتها الإفريقية والدولية لإسقاط البند من أصله، متخلية عن مسار التوافقات الضيقة داخل مجلس الأمن.
التصريح الخامس: «تغيير قواعد اللعبة بدلاً من تدبير النزاع»
تجسد هذه العبارة بيت القصيد في الخطاب بأكمله؛ فالمغرب أعلن رسمياً مغادرة منطقة الراحة الأممية. "تدبير النزاع" كان يعني التعايش مع تمديد سنوي للمينورسو وموائد مستديرة لا تفضي إلى شيء وبيانات أممية دورية مكرورة. أما "تغيير القواعد" فيعني فرض الأمر الواقع على الأرض: سيادة عسكرية وأمنية كاملة شرق الجدار الأمني بلا قبعات زرق، وربط أي تفاوض سياسي بمبادرة الحكم الذاتي كإطار أوحد، وإلزام القوى الدولية بمواقف حاسمة بعيداً عن المنطقة الرمادية.
تفكيك خرجة بوريطة هي أن المغرب لا يتكيف مع تداعيات أزمة أممية، بل يوظفها لفرض قطيعة استراتيجية؛ لقد سقطت منظومة 1991 برمتها، وبدأت مرحلة "السيادة الخشنة" والردع المباشر، حيث لم تعد الرباط مستعدة لشراء استقرار مصطنع بتأجيل الحسم النهائي لوحدتها الترابية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!