شهدت قرية قبجاق الطينية عند سفوح جبال كوبيت داغ شمال غربي العاصمة عشق آباد، في التاسع عشر من فبراير عام ألف وتسعمئة وأربعين، ولادة صابر مراد عطايفيتش نيازوف ضمن فخذ من قبيلة التكة التركمانية العريقة، وسط ظروف قاسية كتب فيها القدر فصولا متلاحقة من الفقد؛ إذ قتل والده عطا مراد على جبهات القتال في القوقاز عام ألف وتسعمئة واثنين وأربعين خلال الحرب العالمية الثانية، تاركا إياه طفلا في عامه الثاني. ولم تمض سوى ست سنوات حتى باغت زلزال عشق آباد التاريخي قريته عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، ليدمر المدينة بأكملها ويبتلع تحت أنقاضه والدته قربان سلطان وشقيقيه الأصغرين نياز مراد ومحمد مراد. نجا صابر بأعجوبة من الكارثة وهو في الثامنة من عمره ليجد نفسه وحيدا بلا أسرة، فنقل إلى إحدى دور الأيتام السوفيتية في بلدة قزل أروات، حيث نشأ في بيئة قاسية طبعت شخصيته بالانعزال، وعلمته التكتم وضبط النفس وغريزة البقاء، قبل أن ينتقل لمدة قصيرة للعيش في كنف أقارب بعيدين عن مكان ولادته.
قاده تفوقه الدراسي في مطلع شبابه نحو معهد لينينغراد للبوليتكنيك العريق، ليتخرج فيه عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين مهندسا في الطاقة الكهربائية، وتزوج هناك موزا ميلنيكوفا ذات الأصول الروسية، ورزق منها بولديه مراد وإيرينا. عاد نيازوف إلى وطنه ليعمل مهندسا ومديرا في محطة توليد الكهرباء بمدينة بوزميين، وهناك لفتت كفاءته الإدارية وانضباطه الحزبي الصارم أنظار قيادات الحزب الشيوعي، فانخرط في أروقة الجهاز البيروقراطي صاعدا بتدرج مدروس من لجان الأحياء في عشق آباد إلى عضوية اللجنة المركزية، ثم نقل للعمل في مقر الحزب بموسكو ضمن دائرة التنظيم والتفتيش. ومع وصول ميخائيل غورباتشوف إلى رأس السلطة السوفيتية عام ألف وتسعمئة وخمسة وثمانين وبدء حملات التطهير ضد شبكات الفساد الإقليمية وما سمي مافيا القطن، رأت القيادة المركزية في التكنوقراطي التركماني الهادئ رجلا موثوقا، فعين في ديسمبر من العام نفسه سكرتيرا أول للجنة المركزية للحزب الشيوعي التركماني، ثم رئيسا لمجلس السوفيت الأعلى للجمهورية عام ألف وتسعمئة وتسعين، ليمسك بمفاصل البلاد تماما عشية التحولات الكبرى.
مع تصدع الاتحاد السوفيتي أواخر عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين، أعلن نيازوف استقلال تركمانستان، وعمل على تثبيت سلطته الرئاسية بنسبة أصوات ناهزت تسعة وتسعين ونصفا في المئة في انتخابات عام ألف وتسعمئة واثنين وتسعين، ثم عبر استفتاء عام ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين لتمديد حكمه، وصولا إلى تصويت البرلمان بالإجماع عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين على تنصيبه رئيسا مدى الحياة. أدار صابر مراد سياسة خارجية فريدة؛ فعزل بلاده في ديسمبر عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين باعتراف أممي رسمي بحيادها الإيجابي الدائم عن الأحلاف العسكرية والحروب الأهلية المشتعلة في جوارها، وتعامل ببراغماتية نادرة مع حركة طالبان في أفغانستان لتأمين حدوده الجنوبية والتفاوض حول خط أنابيب الغاز الاستراتيجي تابي. وفي الداخل، وظف احتياطيات الغاز الطبيعي الهائلة لشراء السلم الاجتماعي؛ فمنح المواطنين حصصا مجانية من الغاز والماء والكهرباء والملح، متخذا من ذلك عقدا ريعيا كرس حكمه الفردي المطلق وقضى على أي صوت للمعارضة، بينما أبقى زوجته وابنيه خارج المشهد السياسي تماما، مفضلا إقامتهم الدائمة في موسكو ولندن وفيينا لقطع الطريق أمام أي طموحات لتوريث السلطة أو تمدد النفوذ العائلي.
خلال النصف الثاني من حكمه، حول نيازوف نفسه إلى شخصية أسطورية بعدما اتخذ رسميا لقب تركمانباشي أي زعيم التركمان، ليؤسس واحدة من أشد ظواهر تقديس الفرد غرابة في التاريخ المعاصر؛ فألف كتابه العقائدي روح نامة، جاعلا منه مرجعا إلزاميا يدرس في المدارس والجامعات، ومطلبا أساسيا للتوظيف، بل ومادة لاجتياز اختبارات رخص القيادة، وشيد له نصبا ميكانيكيا عملاقا في العاصمة ينفتح آليا كل مساء وتصدح منه مقتطفات بصوت الرئيس. وفي عام ألفين واثنين، أعاد صياغة التقويم القومي بتغيير أسماء شهور السنة وأيام الأسبوع، مستبدلا باسم شهر يناير اسم تركمانباشي، وباسم شهر أبريل اسم قربان سلطان تخليدا لوالدته التي أطلق اسمها كذلك على الخبز التقليدي ليمحو اسمه التركماني التراثي، وطبعت ملامحه على فئات العملة الوطنية المانات من أصغرها إلى أصغرها، وامتدت صوره إلى واجهات المنتجات التجارية وعلب الشاي وقوارير المياه، وصولا إلى استنباط صنف جديد من البطيخ حمل اسمه واستحداث يوم عطلة وطنية سنوية باسم عيد البطيخ التركماني.
أعاد الرئيس بناء العاصمة عشق آباد بطريقة سريالية، مستعينا بشركات فرنسية وتركية لهدم الأبنية القديمة وتغطية مئات القصور والمؤسسات الحكومية بأفخر أنواع الرخام الأبيض المستورد من إيطاليا، لتنال المدينة شهادة موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكثر مدن العالم كثافة بالرخام الأبيض. ونصبت في الساحات تماثيل مذهبة ضخمة له، أبرزها تمثاله فوق قوس الحياد الذي يرتفع خمسة وسبعين مترا ويدور بمحرك هيدروليكي ليظل وجهه مواجها للشمس طوال ساعات النهار. وإلى جانب ذلك، أصدر نيازوف حزمة مراسيم اجتماعية غير مألوفة؛ فمنع عروض الأوبرا والباليه وفنون السيرك والتحريك الصامت للشفاه في الحفلات الموسيقية، وحظر تركيب الأسنان الذهبية ناصحا الشباب بقضم العظام لتقوية أسنانهم، ومنع المذيعين من التبرج والمساحيق، وحظر تربية الكلاب في العاصمة، وفرض ضريبة تأمين قدرها خمسون ألف دولار في خزينة الدولة على أي أجنبي يرغب في الزواج من مواطنة تركمانية، كما أظهر ولعا استثنائيا بسلالة خيول آخال تيكي الذهبية، فأنشأ لها هيئة وطنية وحظر تصديرها دون إذنه الشخصي، وألزم أعضاء حكومته سنويا بقطع طريق الصحة الجبلي الخرساني الممتد على مسافة ستة وثلاثين كيلومترا سيرا على الأقدام، بينما كان يراقبهم من مروحيته الرئاسية.
تعرضت المنظومة الثقافية والتعليمية في عهده لهزة عنيفة؛ إذ أمر في عام ألف وتسعمئة وثمانية وتسعين بإلغاء أكاديمية العلوم التركمانية بدعوى عدم جدواها العملية، وقلص سنوات التعليم الأساسي إلى تسع سنوات فقط والتعليم الجامعي إلى عامين دراسيين يتبعهما عامان من العمل الميداني غير مدفوع الأجر، مع تخصيص ثلث المناهج لدراسة كتابه روح نامة، مما أفقد الشهادات الأكاديمية التركمانية اعترافها الدولي. كما ألغى قسم أبقراط الطبي واستبدل به قسما يلزم الأطباء بأداء يمين الولاء للرئيس وكتابه، وأمر بإغلاق المستشفيات والمكتبات العامة في الأقاليم والمناطق الريفية وتسريح آلاف الأطباء بحجة أن المريض الحقيقي يجب أن يقصد العاصمة، إلى جانب تجميد معاشات التقاعد لفئات واسعة من المسنين. كما وجه موارد الدولة نحو مشروعات ضخمة في قلب الرمال، مثل مشروع بحيرة العصر الذهبي ألتين أسير لجمع مياه الصرف الزراعي في منخفض صحراوي وسط تحذيرات بيئية من كارثة تصحر، وتخطيطه لتشييد قصر تزلج جليدي وسط حرارة الصحراء الخانقة مع حديقة حيوان تضم طيور البطريق.
شكلت محاولة الاغتيال المزعومة لموكبه في نوفمبر عام ألفين واثنين منعطفا قمعيا دمويا؛ إذ أطلق حملة تطهير سياسي بلا هوادة طالت مسؤولين سابقين ورموزا معارضة على رأسهم وزير الخارجية الأسبق بوريس شيخ مرادوف، وانتهت بمحاكمات سرية عاجلة وزج العشرات في سجن أوفادان تيبي سيئ السمعة في عمق الصحراء. وفي قريته الأم قبجاق، شيد نيازوف صرحه الديني الضخم مسجد روح تركمانباشي الرخامي، الذي زينت جدرانه بآيات القرآن الكريم إلى جانب نصوص مقتبسة من روح نامة، وألحق به ضريحا عائليا باذخا نقل إليه رفات والديه وشقيقيه من مقابر الزلزال القديمة ليجمع شملهم الرمزي أخيرا. تدهورت صحة الرئيس سرا بسبب معاناته المزمنة من أمراض القلب والشرايين وخضوعه لجراحة دقيقة لزراعة شرايين تاجية في ألمانيا، حتى باغتته نوبة قلبية قاتلة أودت بحياته فجر الحادي والعشرين من ديسمبر عام ألفين وستة عن عمر ناهز السادسة والستين. ومع رحيله المفاجئ، سارعت الأجهزة الأمنية إلى تعطيل المسار الدستوري؛ فعزل رئيس البرلمان أوفيزغيلدي أتاييف ووجهت إليه اتهامات جنائية سريعة لمنعه من تولي الرئاسة مؤقتا، ليمهد الطريق لصعود وزير الصحة ونائب رئيس مجلس الوزراء قربانقلي بردي محمدوف، وووري جثمان تركمانباشي الثرى في ضريحه بقرية قبجاق، خاتما فصلا سياسيا لا نظير له في آسيا الوسطى، تحول فيه يتيم الزلزال إلى حاكم مطلق ترك وراءه بلدا يرقد على بحار من الغاز والرخام الأبيض وأساطير الزعامة الأبدية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!