الأحد 8 نونبر 2026
عاجل
بيان صحفي صادر عن اللجنة العليا لطوارئ الشتاء "عقب انحسار المنخفض العميق: لجنة طوارئ الشتاء تستعرض حصيلة الأضرار والاستجابة الميدانية وتطالب بتدخل دولي عاجل" حريق ناقلتين يعمّق التوتر في هرمز وهبي يتمسك بالتنفيذ والمحامون يترقبون مصير مطالبهم شظايا تصيب مبنى أرامكو بالرياض دون ضحايا هرتسوغ يكلّف آيزنكوت رسمياً بتشكيل الحكومة اتحاد الكرة ينهي مهمة حسام حسن رصاص كراكوف يوقع قتلى ويستنفر الشرطة رئيس الإمارات يزور منزل المنصوري بأبوظبي
البورصة والعملات
مؤشر 🇲🇦 MASI بورصة الدار البيضاء 14 168.42 نقطة +0.38% ↗ صاعد
عملات 🇪🇺 EUR/MAD يورو / درهم مغربي 10.89 درهم -0.13% → مستقر
عملات 🇺🇸 USD/MAD دولار / درهم مغربي 9.75 درهم +0.32% ↗ صاعد
معادن 🟡 OR أونصة الذهب (دولار) $ 4 074.90 -0.94% ↘ هابط
معادن ⚪ ARGENT أونصة الفضة (دولار) $ 51.94 -0.83% ↘ هابط
معادن 🇲🇦 OR / MAD غرام الذهب عيار 24 1 277.69 درهم -0.94% ↘ هابط
معادن 🇲🇦 ARGENT / MAD غرام الفضة 16.29 درهم -0.83% ↘ هابط
سلعة 🛢️ BRENT نفط برنت (برميل) $ 98.32 +0.03% → مستقر
مؤشر 🇫🇷 CAC 40 بورصة باريس 8 139.00 نقطة -0.81% ↘ هابط
مؤشر 🇺🇸 S&P 500 وول ستريت S&P 500 7 376.86 نقطة +0.32% ↗ صاعد
مؤشر 🇺🇸 NASDAQ ناسداك التكنولوجي 24 579.42 نقطة +1.09% ↗ صاعد
مؤشر 🇺🇸 DOW JONES داو جونز الصناعي 51 285.73 نقطة -0.46% ↘ هابط
مؤشر 🇩🇪 DAX 40 بورصة فرانكفورت 25 820.36 نقطة -1.92% ↘ هابط
مؤشر 🇯🇵 NIKKEI 225 بورصة طوكيو 57 434.77 نقطة -5.97% ↘ هابط
عملات 🇪🇺 EUR/USD يورو / دولار $ 1.1163 -0.32% ↘ هابط
عملات 🇬🇧 GBP/USD جنيه إسترليني / دولار $ 1.3378 -0.34% ↘ هابط
عملات 🇬🇧 GBP/MAD جنيه إسترليني / درهم 13.05 درهم -0.29% ↘ هابط
عملات 🇸🇦 USD/SAR دولار / ريال سعودي 3.7500 -0.31% ↘ هابط
عملات 🇦🇪 USD/AED دولار / درهم إماراتي 3.6725 -0.32% ↘ هابط
عملات 🇨🇭 USD/CHF دولار / فرنك سويسري 0.8197 +0.07% → مستقر
عملات 🇯🇵 USD/JPY دولار / ين ياباني 158.3184 +0.29% ↗ صاعد
عملات 🇨🇦 CAD/MAD دولار كندي / درهم 6.92 درهم +0.00% → مستقر
مشفرة 🪙 BITCOIN بيتكوين / دولار $ 75 896.63 +0.08% → مستقر
سهم 🇺🇸 NVIDIA إنفيديا $ 186.64 +2.78% ↗ صاعد
سهم 🇺🇸 APPLE آبل $ 342.37 -0.52% ↘ هابط
سهم 🇺🇸 MICROSOFT مايكروسوفت $ 530.61 -0.99% ↘ هابط
سهم 🇺🇸 TESLA تسلا $ 358.22 +4.23% ↗ صاعد
سهم 🇲🇦 IAM اتصالات المغرب 96.50 درهم +0.28% ↗ صاعد
سهم 🇸🇦 ARAMCO أرامكو السعودية 27.45 ر.س +0.18% → مستقر
الطقس
🇲🇦 المغرب الدار البيضاء أمطار خفيفة 29°C ↓20° ↑31° 35% 13 كم/س
🇲🇦 المغرب الرباط غائم 27°C ↓19° ↑29° 39% 6 كم/س
🇲🇦 المغرب مراكش غائم 27°C ↓15° ↑27° 34% 8 كم/س
🇲🇦 المغرب طنجة غائم 24°C ↓19° ↑24° 61% 18 كم/س
🇲🇦 المغرب فاس غائم جزئياً 27°C ↓16° ↑27° 42% 8 كم/س
🇲🇦 المغرب أكادير أمطار خفيفة 26°C ↓20° ↑29° 49% 11 كم/س
🇲🇦 المغرب العيون غائم 30°C ↓23° ↑30° 38% 20 كم/س
🇲🇦 المغرب وجدة غائم 26°C ↓11° ↑26° 37% 13 كم/س
🇲🇦 المغرب الداخلة غائم 22°C ↓22° ↑24° 83% 11 كم/س
🇦🇪 الإمارات دبي مشمس 31°C ↓26° ↑33° 52% 11 كم/س
🇦🇪 الإمارات أبوظبي مشمس 32°C ↓26° ↑36° 41% 10 كم/س
🇦🇪 الإمارات الشارقة صحو جزئي 31°C ↓22° ↑35° 53% 9 كم/س
🇦🇪 الإمارات عجمان صحو جزئي 31°C ↓23° ↑35° 57% 11 كم/س
🇦🇪 الإمارات رأس الخيمة غائم جزئياً 31°C ↓25° ↑33° 56% 3 كم/س
🇦🇪 الإمارات الفجيرة مشمس 28°C ↓27° ↑29° 70% 8 كم/س
🇦🇪 الإمارات العين مشمس 32°C ↓24° ↑34° 25% 8 كم/س
شخصيات

هولاكو طوفان المشرق مؤسس الإمبراطورية الإلخانية

وُلد هولاكو خان نحو عام 1217 للميلاد، في قلب السهوب المنغولية، في كنف أسرةٍ صاغت بحدّ السيف أوسع إمبراطوريةٍ قاريةٍ عرفها التاريخ البشري، ليصبح مؤسس الدولة الإلخانية.

1000289551

وُلد هولاكو خان نحو عام 1217 للميلاد، الموافق لسنة 614 للهجرة، في قلب السهوب المنغولية، في كنف أسرةٍ صاغت بحدّ السيف أوسع إمبراطوريةٍ قاريةٍ عرفها التاريخ البشري؛ فهو ابن تولوي خان، أصغر أبناء جنكيز خان وأشدّهم بأساً في الحروب. وأمه هي الأميرة الكيرايتية سرقويتي بيجي، التي كانت تدين بالمسيحية النسطورية وتُعدّ في المصادر التاريخية، ككتاب «جامع التواريخ» لرشيد الدين فضل الله الهمذاني، إحدى أدهى النساء في التاريخ المغولي وأعظمهن نفوذاً، إذ ربّت أبناءها الأربعة: مونكو، وقوبلاي، وهولاكو، وأريق بوكا، على الصرامة العسكرية المقترنة بالدهاء السياسي، فنشأ هولاكو متشبعاً بتعاليم «الياسا» الجنكيزية الصارمة، ومتأثراً في الوقت ذاته بالتعددية الدينية داخل بلاطه، ولا سيما عبر زوجته الكبرى دوقوز خاتون النسطورية التي لازمته في حملاته الكبرى وكان لها بالغ الأثر في قراراته السياسية والعسكرية. وتطوي المصادر التاريخية الأولية، ولا سيما الحوليات الفارسية والسريانية وكتب التراجم والوثائق الدبلوماسية، حكاياتٍ وخفايا نادرةً عن هولاكو تتجاوز صورته النمطية بوصفه قائداً عسكرياً دموياً، لتكشف عن هواجسه النفسية وتناقضاته الفكرية وكواليس بلاطه السرية، ومن أولى تلك الخفايا نبوءة جنكيز خان في «طقس الصيد الأول» (1224م)؛ إذ يروي المؤرخ عطاء ملك الجويني في «تاريخ جهانكشاي» ورشيد الدين الهمذاني في «جامع التواريخ» حادثةً مبكرةً وقعت حين كان هولاكو في السابعة من عمره وشقيقه قوبلاي في التاسعة؛ إذ عاد جدهما جنكيز خان من حملته على الدولة الخوارزمية، فاستقبله الطفلان عند نهر «إيلي» بعد أن اصطاد قوبلاي أرنباً برياً واصطاد هولاكو تيساً جبلياً. ووفق التقاليد المغولية، تقدّم جنكيز خان ليُجري طقس «الياغلاميشي» (دهن الإصبع الوسطى للطفل بشحم أول طريدة يصطادها)، فمدّ قوبلاي يده بأدبٍ وهدوء، بينما أمسك الطفل هولاكو بيد جده جنكيز خان وقبض عليها بشدةٍ وعنفٍ أثارا دهشة الفاتح العجوز، فضحك جنكيز خان وقال لقوبلاي: «لقد أمسك هولاكو بيدي بقوة؛ سيكون هذا الصبي ذا بأسٍ شديدٍ وسطوةٍ لا تُرد».

برز الدور التاريخي الحاسم لهولاكو في أعقاب انعقاد المجلس المغولي الأعلى «القوريلتاي» عام 1251 للميلاد (649 هـ)، حين اعتلى شقيقه الأكبر مونكو خان عرش الخاقانية العظمى في مدينة قراقورم، وقرر استكمال مشروع جده جنكيز خان في إخضاع أقاليم العالم المعروف يومئذ؛ فأسند إلى شقيقه قوبلاي جبهة الصين الجنوبية، وعهِد إلى هولاكو بمهمة الزحف غرباً لإخضاع المشرق الإسلامي من ضفاف نهر جيحون حتى تخوم مصر، محدداً له أهدافاً استراتيجيةً صريحةً تمثلت في استئصال شأفة طائفة الإسماعيلية النزارية المعروفة في المصادر التاريخية بالحشاشين، وإخضاع الخلافة العباسية في بغداد، ثم التغلغل في بلاد الشام ومصر، وأمده بجيشٍ جرارٍ لم يسبق للمغول حشده في حملةٍ واحدة، إذ يذكر المؤرخ الفارسي عطاء ملك الجويني في كتابه «تاريخ جهانكشاي» أن مونكو خان أمر بفرز رجلين من كل عشرة مقاتلين في عموم الإمبراطورية المغولية للالتحاق بجيش هولاكو، فضلاً عن استقدام ألف أسرةٍ من المهندسين الصينيين المتخصصين في صناعة المجانيق والنفط الحارق وآلات الحصار، ليتحرك هذا الطوفان العسكري من منغوليا في خريف عام 1253 للميلاد (651 هـ) في مسيرٍ بطيءٍ ومنظمٍ شُقّت له الطرق وأُقيمت له الجسور عبر آسيا الوسطى وفارس.

تمثلت المحطة الكبرى الأولى في مسيرة هولاكو العسكرية في القضاء على قلاع الإسماعيلية النزارية الشاهقة في جبال البرز ومنطقة رودبار شمالي إيران عام 1256 للميلاد (654 هـ)، وهي الحصون التي استعصت على السلاجقة والخوارزميين لعقودٍ طويلة؛ إذ ضرب هولاكو حصاراً محكماً على قلعة «ميمون دز» وأجبر زعيم الطائفة الأخير ركن الدين خورشاه على الاستسلام في نوفمبر من العام نفسه، ثم تسلّم قلعة «آلموت» الشهيرة ودمّر زهاء خمسين حصناً إسماعيلياً، قبل أن يوعز بقتل خورشاه وأفراد أسرته ليطوي صفحة الدولة النزارية في بلاد فارس نهائياً، غير أن تلك الحملة أفرزت تحولاً لافتاً في حاشية هولاكو، تمثل في استقطاب الفيلسوف والفلكي نصير الدين الطوسي الذي كان مقيماً في آلموت، فغدا مستشاره العلمي والسياسي المقرب بعد أن أذن له هولاكو بإنقاذ آلاف المخطوطات النفيسة والآلات الفلكية من مكتبة آلموت قبل إحراقها.

عقب فراغه من معاقل الإسماعيلية، يمّم هولاكو وجهه شطر حاضرة الخلافة العباسية بغداد، مستغلاً ما كانت تعانيه في عهد خليفتها السابع والثلاثين والأخير المستعصم بالله من وهنٍ سياسيٍ، وتفككٍ إداريٍ، وتسريحٍ لمعظم فرق الجيش النظامي، فضلاً عن الانقسام المذهبي الحاد وتضارب مصالح رجال الدولة، وهو ما فصلت فيه المصادر الإسلامية ككتاب «البداية والنهاية» لابن كثير، و«تاريخ الإسلام» للذهبي، و«الحوادث الجامعة» المنسوب لابن الفوطي، و«الكامل» و«العبر» لابن خلدون، مشيرةً إلى دور الوزير مؤيد الدين بن العلقمي ومراسلاته مع المغول في مقابل تعنت الدويدار الصغير مجاهد الدين أيبك؛ فبعد مكاتباتٍ حملت وعيداً شديداً من هولاكو وتردداً من الخليفة، أطبق الجيش المغولي في محرم سنة 656 للهجرة (يناير 1258م) على بغداد من جانبيها الشرقي والغربي بقيادة هولاكو وقائده بايجو نوين، وكسر السدود لإغراق معسكرات الجيش العباسي، ثم دكّ الأسوار بالمجانيق حتى اضطر المستعصم بالله إلى الخروج من قصره في الرابع من صفر سنة 656 للهجرة (10 فبراير 1258م) مستسلماً، فاستباح جند هولاكو المدينة أربعين يوماً في مقتلةٍ مروعةٍ قدّر المؤرخون ضحاياها بمئات الآلاف، ودُمّرت المساجد والمدارس والقصور، وأُلقيت نفائس المخطوطات من «بيت الحكمة» وخزائن الكتب في نهر دجلة حتى اسودّ ماؤه من المداد واحمرّ من الدماء. وفي هذا السياق تبرز مناظرة «أطباق الذهب» مع الخليفة المستعصم بالله، حيث أورد المؤرخ المعاصر منهاج السراج الجوزجاني في «طبقات ناصري»، وابن العبري في «تاريخ مختصر الدول»، والرحالة البندقي ماركو بولو، قصةً وقعت في الأيام العشرة التي فصلت بين استسلام الخليفة العباسي المستعصم بالله ومقتله؛ إذ أجبره هولاكو على الكشف عن حوضٍ سريٍّ في ساحة القصر مُلئ بسبائك الذهب والفضة، ثم أمر هولاكو بحبس الخليفة ومنع الطعام عنه، ولما شكا المستعصم الجوع، أمر هولاكو بأن تُقدَّم له أطباقٌ مملوءةٌ بالذهب والجواهر بدلاً من الخبز وقال له: «كُلْ مما جمعت!». وحين أجاب الخليفة بأن الذهب لا يُؤكل، قال له هولاكو بسخريةٍ قاسية: «إذن لماذا حبسته في باطن الأرض ولم تُنفقه على جنودك ليذودوا عنك وعن مُلك آبائك ويعبروا الفرات لقتالي؟»، وفي الرابع عشر من صفر (20 فبراير 1258م) أمر هولاكو بقتل الخليفة المستعصم بالله في قرية «وقف» رفساً بالأقدام وهو ملفوفٌ في بساطٍ خشية إراقة دمٍ ملكيٍ على الأرض، عملاً بالمعتقدات المغولية وبمشورة نصير الدين الطوسي الذي هون على هولاكو ما حذّره منه المنجم حسام الدين من حلول الكوارث الكونية إن قُتل الخليفة. كما شهدت تلك الأثناء فتوى «المدرسة المستنصرية» التي أنقذت علماء بغداد، إذ يروي المؤرخ ابن الطقطقى في كتابه الشهير «الفخري في الآداب السلطانية» واقعةً جرت عقب سقوط بغداد مباشرةً؛ إذ أمر هولاكو بجمع من نجا من فقهاء المدينة وعلمائها في المدرسة المستنصرية، وطرح عليهم سؤالاً سياسياً ماكراً لإضفاء الشرعية على حكمه أو التذرع بقتلهم، قائلاً: «أفتونا؛ أيهما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟». فأحجم العلماء جميعاً عن الجواب خوفاً وحرجاً، حتى تقدّم العالم الشيعي رضي الدين علي بن طاووس، فتناول الرقعة ووضع خطه بتفضيل «الكافر العادل على المسلم الجائر»، فتابع العلماء توقيعه واحداً تلو الآخر، وبذلك رُفع السيف عن رقابهم بأمر هولاكو. وإلى جانب ذلك جرت تصفية شريكه العسكري «بايجو نوين» في الظل، فمن الأسرار التي قلّما تُذكر في السرديات العامة أن هولاكو، بعد فتح بغداد، انقلب على أبرز قادة الجيش المغولي وأقدمهم في المنطقة وهو «بايجو نوين» (القائد الذي أخضع سلاجقة الروم في معركة كوسه داغ وحاصر بغداد من جانبها الغربي)؛ إذ يذكر رشيد الدين الهمذاني أن هولاكو أضمر له الريبة والحسد بسبب تعاظُم نفوذه واشتباهه في ميله السري نحو أمراء «القبيلة الذهبية» المنافسين، فدبّر محاكمةً عسكريةً عاجلةً أعدم فيها بايجو نوين سراً، وصادر أمواله وجيوشه، كما أعدم وزيره المغولي الأول «سيف الدين بيتكجي» بالطريقة ذاتها خشية أن ينازعه أحدٌ هيبة السلطان.

«لقد أمسك هولاكو بيدي بقوة؛ سيكون هذا الصبي ذا بأسٍ شديدٍ وسطوةٍ لا تُرد»

لم يتوقف طموح هولاكو عند أسوار بغداد، بل عقد تحالفاً عسكرياً وثيقاً مع الملك هيثوم الأول ملك أرمينيا الصغرى والأمير الصليبي بوهمند السادس أمير أنطاكية، وعبر نهر الفرات نحو الجزيرة الفراتية وبلاد الشام؛ فأطبق على مدينة ميافارقين حتى سقطت بعد حصارٍ مريرٍ وقَتل أميرها الأيوبي الكامل محمد بن المظفر غازي، ثم اقتحم مدينة حلب في صفر سنة 658 للهجرة (يناير 1260م) وأعمل فيها السيف والنهب أياماً، ما دفع دمشق إلى التسليم دون قتالٍ في ربيع الأول من العام ذاته بعد فرار سلطانها الأيوبي الناصر يوسف، وبعث هولاكو برسالة تهديدٍ شهيرةٍ إلى سلطان المماليك في مصر سيف الدين قطز يدعوه فيها إلى الاستسلام، بيد أن الأقدار تدخلت لتغيّر مجرى التاريخ؛ إذ بلغ هولاكو وهو في الشام نبأ وفاة شقيقه الخاقان الأعظم مونكو خان في الصين أثناء حصاره لإحدى القلاع، ما اضطره إلى الانكفاء شرقاً نحو أذربيجان بمعظم قواته تحسباً للصراع على العرش المغولي بين شقيقيه قوبلاي وأريق بوكا، تاركاً في الشام حاميةً قوامها نحو عشرة آلاف إلى عشرين ألف مقاتلٍ بقيادة نائبه النسطوري كتبغا نوين، فانتهز السلطان قطز والقائد ركن الدين بيبرس هذه الفرصة التاريخية، وزحفا بالجيش المملوكي ليلتقيا بكتبغا في الخامس والعشرين من رمضان سنة 658 للهجرة (3 سبتمبر 1260م) في معركة «عين جالوت» الفاصلة بفلسطين، حيث مُني جيش هولاكو بهزيمةٍ ساحقةٍ قُتل فيها كتبغا، وتبددت أسطورة الجيش المغولي الذي لا يُقهر، وخرجت بلاد الشام من قبضة هولاكو إلى الأبد رغم الغارات الانتقامية المحدودة التي حاول شنها لاحقاً.

إثر انحسار نفوذه عن غرب الفرات وانفراط عقد الإمبراطورية المغولية الموحدة، كرّس هولاكو سنواته الأخيرة لتوطيد أركان دولته الخاصة التي عُرفت تاريخياً بـ«الدولة الإلخانية»، واتخذ لنفسه لقب «إلخان» أي الخان التابع للخان الأعظم قوبلاي في بكين، وبسط سلطانه على إيران والعراق وأذربيجان وأجزاءٍ من الأناضول متخذاً من مدينتي مراغة وتبريز قاعدتين لملكه، غير أن هذه المرحلة استُهلكت في حربٍ أهليةٍ ضروسٍ اندلعت بينه وبين ابن عمه بركة خان بن جوجي، زعيم «القبيلة الذهبية» في سهوب القبجاق، الذي كان قد اعتنق الإسلام واستشاط غضباً من تدمير هولاكو لبغداد وقتله الخليفة العباسي دون مشورة أمراء البيت الجنكيزي، وتحالف مع السلطان المملوكي الظاهر بيبرس لوضع هولاكو بين فكي كماشة؛ فاشتعلت المعارك بين الطرفين في إقليم القوقاز، وبلغت ذروتها أواخر عام 1262 ومطلع عام 1263 للميلاد (661 هـ) عند نهر «تيريك»، حين باغت القائد نوغاي بن تتر جيش هولاكو وأوقع به هزيمةً فادحةً غرق خلالها آلاف الجنود الإلخانيين بعد تكسر الجليد تحت أقدامهم، ما استنزف قوى هولاكو العسكرية وحال دون معاودته الكرّة على بلاد الشام ومصر. وفي كواليس هذه الصراعات تبرز الرسالة اللاتينية السرية إلى لويس التاسع ملك فرنسا (1262م)؛ فقد عُثر في الأرشيف الوطني في فيينا على وثيقةٍ تاريخيةٍ نادرةٍ باللغة اللاتينية، أملاها هولاكو في معسكره بمدينة مراغة في العاشر من أبريل عام 1262م بواسطة كاتبه الأوروبي «ريتشارد» المترجم، وبعث بها سراً مع سفيره «يوحنا المجري» إلى ملك فرنسا لويس التاسع؛ وفيها يزعم هولاكو أن الإله السماوي «تنغري» أوحى إلى جده جنكيز خان عبر الكاهن الشاماني «تب تنغري» بمنح المغول سيادة الأرض، ويعرض على ملك فرنسا تحالفاً عسكرياً سرياً يقضي بأن يُحكم الأسطول الفرنسي الحصار البحري على سواحل مصر والشام، بينما يزحف هولاكو براً للثأر من هزيمة «عين جالوت» واستعادة بيت المقدس وتسليمه للصليبيين، غير أن انشغال هولاكو بحربه الأهلية مع ابن عمه المسلم بركة خان أجهض هذا المخطط قبل أن يرى النور.

تباينت أحكام المؤرخين وما قيل عن هولاكو في المصادر التاريخية تبايناً يعكس زاوية الرؤية بين الضحية وحاشية السلطان؛ ففي المصادر العربية والإسلامية، صُوّر هولاكو رمزاً للبطش والفناء، إذ وصفه الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» بقوله إنه «كان جباراً عنيداً، سفاكاً للدماء، قد أُلبس جلباب الهيبة والجبروت»، وعدّ دخوله بغداد أعظم فاجعةٍ أصابت العالم الإسلامي، بينما نعته المؤرخ شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء» و«تاريخ الإسلام» بصفات القوة والدهاء المقترنين بالقسوة المفرطة قائلاً: «كان بطلاً شجاعاً، حازماً، مهيباً، ذا دهاءٍ ومكرٍ، سفاكاً للدماء، عظيم الشأن»، ونقل تقي الدين المقريزي في «السلوك لمعرفة دول الملوك» مقولة ابن عمه المسلم بركة خان حين وقف على مصارع القتلى متأثراً: «لقد أزهق هولاكو أرواح جميع المسلمين، وخرّب بلاد الإسلام، وقتل الخليفة بلا مشورةٍ من أهله»؛ وفي المقابل، رسم المؤرخون الفرس الذين عملوا في بلاط الدولة الإلخانية، مثل رشيد الدين الهمذاني في «جامع التواريخ» وعطاء ملك الجويني في «تاريخ جهانكشاي»، إلى جانب المؤرخ السرياني ابن العبري في «تاريخ مختصر الدول»، صورةً أخرى لهولاكو داخل مجلسه، فأبرزوا شغفه بعلوم الحكمة والفلك والكيمياء، ومجالسته للعلماء والحكماء. وهنا تتجلى خدعة الخيميائيين وهوس «إكسير الخلود»، حيث يكشف رشيد الدين الهمذاني في «جامع التواريخ» أن هولاكو، في سنوات حكمه الأخيرة، أُصيب بهوسٍ شديدٍ بـ«علم الكيمياء القديمة» (الخيمياء) بحثاً عن تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهبٍ والوصول إلى «إكسير الحياة» الذي يمنع الموت. وقد استغل هذا الهوسَ جمعٌ من المشعوذين والمدّعين الذين توافدوا على بلاطه، فأنفق هولاكو عليهم أموالاً طائلةً من خزانته دون طائل، حتى تدخل مستشاره نصير الدين الطوسي وفضح حيلهم أمامه بالتجربة البرهانية، مقنعاً إياه بأن الكيمياء الحقيقية هي عمارة الأرض ورصد الكواكب، وهو ما دفع هولاكو إلى طرد الخيميائيين وتحويل تلك الأموال نحو الفلك والرياضيات. واقترن ذلك بحيلة «الطست النحاسي» التي أقنعت هولاكو ببناء مرصد مراغة، إذ تذكر المصادر الفارسية، ومنها كتاب «حبيب السير» للمؤرخ خواندمير، أن هولاكو تردد في البداية حين طلب منه نصير الدين الطوسي أموالاً ضخمةً لبناء «مرصد مراغة»، وسأله باستنكار: «ما نفع علم النجوم إن كان ما سيقع مقدّراً لا يمكن دفعه؟». فما كان من الطوسي إلا أن استأذن هولاكو في إجراء تجربةٍ عملية، وأمر سراً أحد الجنود بأن يصعد إلى مرتفعٍ فوق المعسكر ليلاً ويُلقي «طستاً نحاسياً» ضخماً إلى الأسفل؛ فلما دوّى صوت ارتطام الطست المروع في السكون، فزع هولاكو وجميع حرسه وأمرائه ووثبوا إلى أسلحتهم، بينما بقي الطوسي جالساً في هدوءٍ تام، ثم التفت إلى هولاكو قائلاً: «هذه هي فائدة علم النجوم يا مولاي؛ فمن يعلم بوقوع الحادث قبل حلوله لا يرتاع عند وقوعه»، فأُعجب هولاكو بسرعة بديهته وأمر فوراً بفتح الخزائن لتشييد المرصد، وأشاروا إلى أمره في عام 1259 للميلاد بتشييد «مرصد مراغة» الفلكي الشهير تحت إشراف نصير الدين الطوسي وتزويده بمكتبةٍ ضمت نحو أربعمئة ألف مجلدٍ جُمعت من حواضر العراق والشام وفارس، فضلاً عن تسامحه الواسع مع المسيحيين بفضل شفاعة زوجته دوقوز خاتون التي لقبتها الحوليات الأرمنية والسريانية بـ«هيلانة الجديدة»، في حين ظل هولاكو نفسه متمسكاً بالشامانية المغولية الممزوجة بميلٍ واضحٍ نحو البوذية التبتية ورهبانها «البخشية» في أواخر عمره.

طُويت صفحة هولاكو في شتاء عام 663 للهجرة (مطلع عام 1265م)، بعدما أرّقه ظهور المذنب العظيم في سماء عام 1264 للميلاد وتوجس منه شراً، إذ داهمته نوبات صرعٍ وحمى شديدةٍ عقب اغتساله في مخيمه الشتوي على ضفاف نهر «جغاتو» (زرينه رود) جنوبي بحيرة أرومية بأذربيجان، وعجز أطباء بلاطه الصينيون والفرس عن تدارك علته، فلفظ أنفاسه الأخيرة في التاسع عشر من ربيع الآخر سنة 663 للهجرة، الموافق للثامن من فبراير عام 1265 للميلاد، عن عمرٍ ناهز ثمانيةً وأربعين عاماً؛ ودُفن وفق التقاليد المغولية القديمة في قلعة «جزيرة شاهي» الصخرية وسط بحيرة أرومية حيث كان يودع كنوزه وغنائمه، ويذكر المؤرخ شهاب الدين وصّاف الحضرة في كتابه «تجزية الأمصار وتزجية الأعصار» أن مدفن هولاكو كان آخر مدفنٍ لأميرٍ جنكيزيٍ تُلقى فيه الكنوز وتُدفن معه الجواري الحسان بثيابهن وحليهن على العادة الوثنية القديمة، لتلحق به بعد أربعة أشهرٍ رفيقة دربه دوقوز خاتون، ويرث عرش الدولة الإلخانية من بعده ابنه الأكبر أباقا خان.

اقرأ هذا المقال بـ : EnglishEspañolFrançaisעברית

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

أضف تعليقا