في شهر شعبان من عام 1254 للهجرة الموافق لشهر نوفمبر عام 1838 للميلاد، وُلد محمد جمال الدين بن السيد صفدر الحسيني في بيئة يلفّها واحد من أكبر الألغاز التوثيقية في التاريخ الإسلامي الحديث؛ فبينما أعلن هو طوال حياته أنه وُلد في قرية «أسد آباد» التابعة لولاية كونر شرقي أفغانستان ونسب نفسه إليها بلقب «الأفغاني» لينال قبولاً واسعاً في الحواضر السنية الكبرى ويفلت من الملاحقة القنصلية والسياسية لشاه إيران القاجاري، تكشف الوثائق المحفوظة في خزانة أسرته ومذكرات ابن أخته وتلميذه المقرب ميرزا لطف الله خان وتقارير الاستخبارات البريطانية والعثمانية أنه وُلد في بلدة «أسد آباد» الواقعة قرب مدينة همدان شمال غربي إيران لأسرة موسوية حسينية اثني عشرية. ومنذ نعومة أظفاره بدت عليه مخايل الذكاء الحاد والتمرد الفكري، فاصطحبه والده في سن العاشرة عام 1848 إلى مدرسة قزوين، ومنها انتقل عام 1850 إبان تفشي وباء الهيضة ليدرس على يد الفقيه آقا سيد صادق الطهراني، قبل أن يشد الرحال في العام ذاته نحو العتبات المقدسة في النجف وكربلاء بالعراق، حيث مكث أربع سنوات كاملة تفقّه خلالها على يد المرجع الشهير الشيخ مرتضى الأنصاري والمولى حسين قلي الهمداني، ومن الأسرار الفكرية الخفية في تلك المرحلة أنه انغمس سراً في دراسة الفلسفة الإشراقية والعرفان النظري ومدرسة الشيخ أحمد الأحسائي والحركة البابية الناشئة، واحتفظ في صندوق أوراقه الخاص بنصوص فلسفية وباطنية لازَمته في ترحاله الطويل وفسّرت نزعته العقلانية الجريئة لاحقاً.
في عام 1855 غادر جمال الدين العراق متوجهاً عبر ميناء بوشهر إلى الهند وهو في السابعة عشرة من عمره، فمكث فيها قرابة عامين درس خلالهما العلوم الرياضية الحديثة ومبادئ الفيزياء الأوروبية، وشهد بعينيه أهوال ثورة الهند الكبرى عام 1857 وما أعقبها من بطش استعماري إنجليزي دموي بالمسلمين، وهي الصدمة المبكرة التي غرست في روحه عداءً أبدياً للإمبراطورية البريطانية. وبعد أدائه فريضة الحج عام 1857 وتجواله في الحجاز والشام والعراق، ظهر في أفغانستان مطلع ستينيات القرن التاسع عشر، حيث التحق ببلاط الأمير دوست محمد خان وشهد معه حصار مدينة هرات ووفاته عام 1863، ثم غدا المستشار السياسي الأول والوزير الخفي للأمير محمد أعظم خان في كابول بين عامي 1866 و1868، وتكشف البرقيات السرية للمندوب الهندي في كابول المحفوظة في أرشيف مكتب الهند بلندن أن جمال الدين كان يُعرف هناك باسم «السيد جمال الدين الرومي»، وكان يتحدث الفارسية بلهجة أهل طهران ويحرّض الأمير على التحالف مع روسيا القيصرية لطرد الإنجليز من شبه القارة الهندية، حتى هُزم محمد أعظم خان أمام شقيقه شير علي خان المدعوم بريطانياً، فطُرد الأفغاني من كابول في نوفمبر عام 1868 بعد أن رُفض طلبه التوجه إلى بخارى الروسية، فخرج عبر قندهار إلى الهند ومنها أبحر نحو السويس.
نزل الأفغاني في القاهرة أربعين يوماً في صيف عام 1869 تردّد خلالها على الأزهر والتقى لأول مرة الشاب الصغير محمد عبده، قبل أن يواصل رحلته إلى الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية في خريف العام ذاته، حيث استقبله الصدر الأعظم محمد أمين عالي باشا بحفاوة بالغة وعُيّن عضواً في مجلس المعارف الأعلى عام 1870. غير أن إقامته في إسطنبول انتهت بزلزال فكري مدوٍّ في شهر رمضان عام 1287 للهجرة الموافق لديسمبر 1870، حين ألقى محاضرة في «دار الفنون» العثمانية شبّه فيها المجتمع البشري بالجسد الحي، ووضع النبوة والفلسفة في سياق الصناعات العليا الضرورية لحياة البشر، فاستغل شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي، الذي كان يضمر له غيرة شديدة، هذا التعبير الفلسفي ليرميه بالزندقة والكفر، ويحرّض وعاظ المساجد ضده، مما اضطر الحكومة العثمانية إلى إصدار قرار بنفيه حفاظاً على الأمن العام، ليغادر إسطنبول متوجهاً إلى مصر التي وصلها في الثاني والعشرين من مارس عام 1871.
استقر الأفغاني في مصر ثماني سنوات متواصلة بدعوة من الوزير رياض باشا الذي أجرى عليه راتباً شهرياً قدره ألف قرش، واتخذ لنفسه مسكناً متواضعاً في خان الخليلي ثم في حارة اليهود، وجعل من «مقهى متاتيا» المواجه لحديقة الأزبكية برلماناً فكرياً ليلياً يلتفّ حوله فيه نخبة من الشباب النابغين الذين صنعوا تاريخ مصر والشرق لاحقاً، وفي مقدمتهم محمد عبده وسعد زغلول وإبراهيم الهلباوي وعبد الله النديم وأديب إسحاق ويعقوب صنوع، فدرّسهم في بيته كتب ابن خلدون وابن سينا والمنطق والسياسة، ودفعهم إلى تأسيس الصحف الحرة مثل «مصر» و«التجارة» و«مرآة الشرق». ومن أعمق الخفايا التاريخية في سنواته المصرية انخراطه في المحافل الماسونية عام 1875 بهدف توظيف حصانتها الأجنبية وسريتها التنظيمية للعمل السياسي ضد التدخل الأوربي واستبداد الخديوي إسماعيل؛ إذ انضم أولاً إلى محفل «كوكب الشرق» رقم «1355» التابع للمحفل الأكبر الإنجليزي وانتُخب رئيساً له مطلع عام 1878، وحين اعترض الإنجليز على تحويله المحفل إلى خلية ثورية سياسية، انشقّ وأسس المحفل الوطني المصري المرتبط بالشرق الأعظم الفرنسي، واستقطب إليه أكثر من ثلاثمائة من أعيان مصر وضباط الجيش، بل إنه ضمّ إليه ولي العهد الأمير محمد توفيق نفسه الذي أقسم أمامه على إقامة حكم دستوري مبني على الشورى متى آل إليه العرش، غير أن توفيق ما إن تولى الحكم في يونيو عام 1879 إثر عزل والده إسماعيل حتى تنكّر لعهده بتحريض من القنصل الإنجليزي «فرانك لاسيل»، فأصدر أمراً سرياً في ليلة الرابع والعشرين من أغسطس عام 1879 باعتقال الأفغاني فجراً وهو عائد إلى بيته، وجرى ترحيله فوراً تحت الحراسة المشددة في عربة مغلقة إلى ميناء السويس دون السماح له حتى بأخذ ثيابه أو كتبه، ليُودع على متن باخرة متجهة إلى الهند.
أقام الأفغاني في مدينة حيدر آباد الدكن بالهند نحو عامين تحت رقابة إنجليزية صارمة، وألّف هناك باللغة الفارسية كتابه الشهير «الرد على الدهريين» عام 1881 مهاجماً الفلسفة المادية ومدرسة السير سيد أحمد خان الموالية للإنجليز، وعندما اندلعت الثورة العرابية في مصر عام 1882 نقلته السلطات البريطانية قسراً إلى مدينة كلكتا ووضعته قيد الإقامة الجبرية حتى انتهت الحرب بهزيمة أحمد عرابي واحتلال مصر، فسمحت له بالمغادرة أواخر عام 1882. يمّم الأفغاني وجهه شطر أوروبا، فزار لندن أياماً ثم حطّ رحاله في باريس في يناير عام 1883، وهناك خاض في مايو من العام ذاته مساجلته الفلسفية التاريخية على صفحات جريدة «الديبا» الفرنسية مع الفيلسوف والمستشرق إرنست رينان دفاعاً عن عقلانية الحضارة الإسلامية، ثم استدعى تلميذه المنفي في بيروت محمد عبده إلى باريس، وأسسا معاً في غرفة صغيرة فوق سطح مبنى بشارع «سيز» جمعية وجريدة «العروة الوثقى» السرية، التي صدر عددها الأول في الثالث عشر من مارس عام 1884 بتمويل خفي من اللورد الإنجليزي المناصر للشرق «ويلفريد بلنت» وبعض أمراء البيت العلوي الساخطين ووجهاء الهند وتونس، فهرّبت أعدادها الثمانية عشر داخل صناديق البضائع وغلافات الكتب إلى مصر والهند والعالم الإسلامي، حتى أطبقت المخابرات البريطانية الحصار المالي والبريدي عليها فتوقفت في أكتوبر عام 1884.
من الأسرار العاطفية والشخصية النادرة في حياة هذا الثائر الذي لم يتزوج قط، وكان يردد دائماً أن العالم أضيق من أن يتسع لأسرته ودعوته معاً، ما كشفته وثائق الشرطة الفرنسية ومذكرات معاصريه عن ارتباطه خلال إقامته الباريسية بامرأة شابة ألمانية الأصل تُدعى «كاثي»، أحبته بإخلاص ورافقته في تنقلاته الأوربية وحفظت أسراره ورسائله في شقته المتواضعة قبل أن يغادر فرنسا. وفي عام 1885 استُدعي إلى لندن للتفاوض مع السير «هنري درموند وولف» واللورد سالزبوري حول المسألة المصرية والسودانية، ثم لبّى دعوة ناصر الدين شاه القاجاري فوصل إلى ميناء بوشهر الإيراني في مايو عام 1886، ومنها إلى أصفهان وطهران، حيث نزل في قصر التاجر الثري الحاج محمد حسن أمين الضرب، لكن صراحته في نقد الاستبداد أثارت فزع الشاه، فأوعز إليه بمغادرة البلاد نحو روسيا القيصرية في ربيع عام 1887.
قضى الأفغاني في موسكو وسانت بطرسبورغ عامين كاملين نسج خلالهما خيوط تحالف سري مع زعيم الحزب السلافي القومي «ميخائيل كاتكوف» لإقناع القيصر ألكسندر الثالث بشن حرب على بريطانيا في آسيا الوسطى والهند، كما أقنع القيصر بالسماح بطباعة القرآن الكريم والكتب الإسلامية لمسلمي قازان وروسيا، ثم التقى الشاه ناصر الدين مجدداً في مدينة ميونخ الألمانية عام 1889 وعاد معه إلى طهران بوعد إصلاح القوانين. غير أن الشاه سرعان ما نكث بوعده، فلجأ الأفغاني إلى حرم مرقد «الشاه عبد العظيم الحسني» في مدينة الري جنوب طهران متحصناً به، ومن هناك أدار حركة معارضة سرية واسعة، مما دفع الشاه في يناير عام 1891 إلى انتهاك حرمة المرقد وإرسال خمسمائة جندي اقتحموا المكان وجرّوا الأفغاني من فراش مرضه في برد الشتاء القارس وهو حافي القدمين شبه عارٍ، ثم قيّدوه بالسلاسل على ظهر بغل وساقوه مخفوراً وسط الثلوج عبر كرمانشاه حتى ألقوه عند حدود خانقين في العراق العثماني.
من منفاه الجديد في البصرة عام 1891، وجّه الأفغاني ضربته السياسية الأقوى ضد شاه إيران وإنجلترا؛ إذ كتب رسالته التاريخية البليغة إلى المرجع الأعلى الميرزا حسن الشيرازي في سامراء محذراً من بيع إيران للإنجليز عبر امتياز احتكار التبغ والتنباك، فصدرت فتوى تحريم التنباك الشهيرة التي شلّت الأسواق الإيرانية وأجبرت الشاه على إلغاء الامتياز الإنجليزي، بينما غادر الأفغاني البصرة سراً إلى لندن أواخر عام 1891، حيث أصدر مجلة «ضياء الخافقين» باللغتين العربية والإنجليزية، وشنّ من على منبرها حملة شعواء للمطالبة بخلع ناصر الدين شاه. وأمام خطورة هذا التحرك، تدخّل السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عبر مستشاره أبي الهدى الصيادي، ووجّه دعوة رسمية ملحة للأفغاني للقدوم إلى إسطنبول والعمل معه على مشروع الجامعة الإسلامية، فقبل الأفغاني الدعوة بعد تردد، ووصل إلى الأستانة في صيف عام 1892، ليدخل ما سماه المؤرخون «القفص الذهبي» الذي لم يخرج منه حياً.
في إسطنبول، خصّص له السلطان عبد الحميد قصراً فخماً في حي «نيشان تاشي» الراقي، ورتّب له مخصصاً شهرياً قدره خمس وسبعون ليرة عثمانية، وعرض عليه الزواج من إحدى جواري القصر السلطاني فرفض الأفغاني بإباء قائلاً إنه لا يريد أن يقطع صلته بعالم التجرد، وكلفه السلطان بتأليف لجنة من علماء الشيعة والسنة في الأستانة لمراسلة علماء العراق إيران وتوحيد الكلمة تحت راية الخلافة. غير أن الدسائس داخل قصر يلدز، والتي قادها أبو الهدى الصيادي بعد أن خشي من نفوذ الأفغاني المتزايد لدى السلطان، ما لبثت أن أوغرت صدر عبد الحميد عليه، وبلغت الشكوك ذروتها في صيف عام 1895 حين التقى الأفغاني مصادفةً أو بتدبير سري في حديقة «كاخانة» بإسطنبول خديوي مصر الشاب عباس حلمي الثاني، فاتهمت الجواسيسُ الأفغانيَّ بالتآمر مع الخديوي لنقل الخلافة الإسلامية من آل عثمان إلى البيت العلوي في مصر، وفرضت عليه السلطات العثمانية حصاراً بوليسياً مشدداً ومنعته من السفر بعد أن رفضت السفارة البريطانية منحه جواز سفر باعتباره رعية أفغانية.
وقع الحدث الدرامي المفصلي الذي عجّل بنهاية الأفغاني في الأول من مايو عام 1896، حين أقدم ميرزا رضا الكرماني، وهو خادم وتلميذ مخلص للأفغاني كان قد زاره في إسطنبول وتلقى منه توجيهاته الثورية، على إطلاق النار من مسدس صدئ على صدر ناصر الدين شاه القاجاري داخل مرقد الشاه عبد العظيم في طهران، وهو المكان ذاته الذي انتُهكت فيه كرامة أستاذه قبل خمس سنوات، هاتفاً لحظة الاغتيال:
«خذها من يد جمال الدين!»
. طالبت الحكومة الإيرانية السلطان عبد الحميد بتسليم الأفغاني فوراً باعتباره المحرض الأول على قتل الشاه، فرفض السلطان تسليمه خشية اهتزاز مكانته كخليفة للمسلمين أمام دولة شيعية، لكنه أحكم عزلة الأفغاني تماماً في قصره بنيشان تاشي. وبعد أشهر قليلة، وتحديداً في خريف عام 1896، ظهرت بثرة مؤلمة في فكّه الأسفل شخّصها طبيب الأسنان الخاص بالسلطان «عارف بك» ثم الجراح اليوناني العثماني «ألكسندر قمبور أوغلو باشا» بأنها سرطان في الفك، وأجريت له ثلاث عمليات جراحية متتالية استؤصل فيها جزء كبير من عظم حنكه الأسفل، مما أفقده القدرة على الكلام والبلع، وسط شكوك تاريخية قوية سجلها معاصروه، ومنهم الأمير محمد علي توفيق وشكيب أرسلان، بأن الجراحة شابها تسميم متعمد أو تلويث مقصود للمباضع الجراحية بأوامر خفية من دوائر قصر يلدز للتخلص من عبئه السياسي.
في صبيحة يوم الثلاثاء التاسع من مارس عام 1897 الموافق للخامس من شوال سنة 1314 للهجرة، فاضت روح جمال الدين الأفغاني عن عمر ناهز ثمانية وخمسين عاماً، ولم يكن إلى جواره في ساعاته الأخيرة سوى خادمه الأمين «أبو تراب» الذي ظل يمسح القيح والدماء عن فمه العاجز عن النطق، فصادرت الشرطة السرية العثمانية جميع أوراقه ومخطوطاته فور وفاته، وأمرت بدفنه على عجل وبلا أي مراسم رسمية في «مقبرة المشايخ» بحي نيشان تاشي بحضور نفر قليل لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة. وظل قبره مجهول المعالم قرابة ثلاثين عاماً حتى زار الثري الأمريكي المحب للشرق «تشارلز كرين» إسطنبول عام 1926 وشيّد على قبره ضريحاً رخامياً، قبل أن تطالب الحكومة الأفغانية رسمياً بنقل رفاته في ديسمبر عام 1944، ففُتح القبر ونُقل التابوت عبر العراق والهند في موكب مهيب ليُدفن في ضريح شامخ وسط جامعة كابول، بعد حياة عاصفة أشعلت شرارة اليقظة السياسية والفكرية في المشرق الإسلامي بأسره.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!