السبت 31 أكتوبر 2026
عاجل
خفايا مسرحية الفيتو بأروقة مجلس الأمن الإمارات تعرب عن تضامنها مع الهند وتعزي في ضحايا تحطم مروحية في منطقة الهيمالايا الشارقة: مشاريع طاقة بخمسة مليارات درهم شرطة دبي تبتكر منظومة طبية جنائية احتجاجات باريس الكبرى ضد غلاء المعيشة باينانس تستعيد 90% وتطمئن المستثمرين سفير مصر بالمغرب يلتقي بالرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك استراتيجية حكومية متكاملة لتعزيز الحماية الاجتماعية
البورصة والعملات
مؤشر 🇲🇦 MASI بورصة الدار البيضاء 14 168.42 نقطة +0.38% ↗ صاعد
عملات 🇪🇺 EUR/MAD يورو / درهم مغربي 10.99 درهم +0.12% → مستقر
عملات 🇺🇸 USD/MAD دولار / درهم مغربي 9.84 درهم -0.32% ↘ هابط
معادن 🟡 OR أونصة الذهب (دولار) $ 3 898.90 -3.29% ↘ هابط
معادن ⚪ ARGENT أونصة الفضة (دولار) $ 49.28 -5.93% ↘ هابط
معادن 🇲🇦 OR / MAD غرام الذهب عيار 24 1 233.93 درهم -3.29% ↘ هابط
معادن 🇲🇦 ARGENT / MAD غرام الفضة 15.59 درهم -5.93% ↘ هابط
سلعة 🛢️ BRENT نفط برنت (برميل) $ 113.43 +2.37% ↗ صاعد
مؤشر 🇫🇷 CAC 40 بورصة باريس 7 969.42 نقطة -0.01% → مستقر
مؤشر 🇺🇸 S&P 500 وول ستريت S&P 500 7 580.07 نقطة -1.82% ↘ هابط
مؤشر 🇺🇸 NASDAQ ناسداك التكنولوجي 25 437.00 نقطة -2.86% ↘ هابط
مؤشر 🇺🇸 DOW JONES داو جونز الصناعي 51 770.31 نقطة -1.09% ↘ هابط
مؤشر 🇩🇪 DAX 40 بورصة فرانكفورت 25 818.21 نقطة -0.85% ↘ هابط
مؤشر 🇯🇵 NIKKEI 225 بورصة طوكيو 63 290.11 نقطة -2.12% ↘ هابط
عملات 🇪🇺 EUR/USD يورو / دولار $ 1.1166 +0.32% ↗ صاعد
عملات 🇬🇧 GBP/USD جنيه إسترليني / دولار $ 1.3388 +0.34% ↗ صاعد
عملات 🇬🇧 GBP/MAD جنيه إسترليني / درهم 13.18 درهم +0.28% ↗ صاعد
عملات 🇸🇦 USD/SAR دولار / ريال سعودي 3.7500 +0.30% ↗ صاعد
عملات 🇦🇪 USD/AED دولار / درهم إماراتي 3.6725 +0.32% ↗ صاعد
عملات 🇨🇭 USD/CHF دولار / فرنك سويسري 0.8246 -0.08% → مستقر
عملات 🇯🇵 USD/JPY دولار / ين ياباني 157.4953 -0.29% ↘ هابط
عملات 🇨🇦 CAD/MAD دولار كندي / درهم 7.05 درهم +0.01% → مستقر
مشفرة 🪙 BITCOIN بيتكوين / دولار $ 77 580.80 +0.44% ↗ صاعد
سهم 🇺🇸 NVIDIA إنفيديا $ 204.64 -4.22% ↘ هابط
سهم 🇺🇸 APPLE آبل $ 344.63 -1.23% ↘ هابط
سهم 🇺🇸 MICROSOFT مايكروسوفت $ 521.91 -1.55% ↘ هابط
سهم 🇺🇸 TESLA تسلا $ 399.81 -0.87% ↘ هابط
سهم 🇲🇦 IAM اتصالات المغرب 96.50 درهم +0.28% ↗ صاعد
سهم 🇸🇦 ARAMCO أرامكو السعودية 27.45 ر.س +0.18% → مستقر
إعلان
SPONSORInvestissez dans l'énergie solaire au Maroc avec les solutions GreenPower
Découvrir
شخصيات

عبد العزيز آل سعود.. رحلة توحيد وبناء المملكة

في التاسع عشر من ذي الحجة سنة 1292 للهجرة الموافق للخامس عشر من يناير عام 1876 للميلاد، وُلد عبد العزيز بن عبد الرحمن في قصر البليدة في الرياض.

1000283312

في التاسع عشر من ذي الحجة سنة 1292 للهجرة الموافق للخامس عشر من يناير عام 1876 للميلاد، وداخل قصر «البليدة» أو «البديعة» الطيني في قلب مدينة الرياض، وُلد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود في لحظة تاريخية حرجة كانت تتهاوى فيها أركان الدولة السعودية الثانية بفعل الصراع الدامي بين أعمامه أبناء الإمام فيصل بن تركي. كانت والدته سارة بنت أحمد الكبير السديري امرأة فارعة الطول قوية الشكيمة ورث عنها عبد العزيز قامته المهيبة التي تجاوزت لاحقاً مائة وثمانية وتسعين سنتيمتراً، وقد دفعه والده في سن السابعة إلى حلقات العلم في الرياض، فحفظ القرآن الكريم على يد القاضي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ محمد بن مصيبيح، وتدرّب في صباه المبكر على ركوب الخيل والرماية والمبارزة بالسيف في بطن وادي حنيفة. ومن الوقائع المفصلية المبكرة التي حفرت أثرها في ذاكرته أنه شهد في سن الرابعة عشرة عام 1890 دخول أمير حائل القوي محمد بن عبد الله بن رشيد إلى الرياض، وعُيّن الصبي عبد العزيز ضمن وفد التفاوض الذي خرج لمقابلة ابن رشيد، ففطن الأمير الشمري لحدة نظرات الفتى اليافع وقال لمرافقيه عبارته الشهيرة بأن هذا الغلام سيكون له شأن عظيم.

بعد هزيمة المليداء في يناير عام 1891 وسقوط الدولة السعودية الثانية، اضطر الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلى مغادرة الرياض ليلاً مع أسرته هرباً من بطش ابن رشيد، ومن التفاصيل الخفية القاسية لتلك الرحلة أن الصبي عبد العزيز حُمل مع شقيقته الصغرى نورة في عدليْ خرجٍ على ظهر جمل واحد في ظلام الليل، وتاهت الأسرة الحاكمة السابقة في مجاهيل صحراء «الربع الخالي» القاحلة قرابة عامين كاملين في جوار قبيلة آل مرة، حيث عاش الفتى حياة البداوة الخشنة بحذافيرها، يفترش الرمل ويشرب لبن الإبل ويطوي البطن على الجوع، بل إنه أُصيب في واحة «يبرين» الصحراوية النائية بحمى شديدة كادت تودي بحياته لولا رعاية والدته وأخته نورة اللتين عالجتاه بالكيّ والأعشاب البرية، قبل أن ينتقل مع والده إلى البحرين وقطر، ثم يستقر بهم المقام في الكويت أواخر عام 1892 بموافقة الدولة العثمانية التي خصصت للإمام عبد الرحمن راتباً شهرياً متواضعاً قدره ستون ليرة عثمانية.

في الكويت، سكنت الأسرة السعودية منزلاً طينياً متواضعاً يُعرف بـ«بيت العامر» في حي الوسط، لا تتجاوز غرفه ثلاث حجرات ضيقة مع فناء مكشوف، وهناك عاش الشاب عبد العزيز تسع سنوات من الفقر المادي والثراء السياسي؛ إذ لازم مجالس حاكم الكويت الداهية الشيخ مبارك الصباح الملقب بـ«مبارك الكبير»، وكان يجلس في زاوية المجلس يستمع بصمت عميق إلى المفاوضات السرية المعقدة التي كان يديرها مبارك مع القناصل الإنجليز والروس والألمان والولاة العثمانيين حول خط سكة حديد برلين بغداد والنفوذ في الخليج، فخرج من مدرسة الكويت بوعي دبلوماسي مبكر يدرك توازنات القوى العظمى. وفي مطلع عام 1901، حين زحف الشيخ مبارك الصباح بجيشه لمحاربة عبد العزيز بن متعب الرشيد في القصيم، انطلق الشاب عبد العزيز بن سعود على رأس قوة صغيرة نحو الرياض وحاصر قصر المصمك، وشرع رجاله في حفر نفق سري تحت أسواره لتفجيره بالبارود، غير أن الهزيمة الكارثية التي لحقت بجيش مبارك الصباح في «معركة الصريف» في مارس عام 1901 أجبرت عبد العزيز على فكّ الحصار فوراً والانسحاب السريع إلى الكويت.

لم ييأس الشاب ذو الخمسة والعشرين ربيعاً، فخرج من الكويت مجدداً في خريف عام 1901 على رأس أربعين رجلاً فقط يركبون ركائب هزيلة ويحملون بنادق «مارتيني» قديمة، ارتفع عددهم في الطريق إلى ثلاثة وستين رجلاً، ومن أندر الأسرار العسكرية لتلك المغامرة أنه حين ضغط ابن رشيد على الدولة العثمانية لقطع مخصصات والده المالية وتفرّقت عنه القبائل خوفاً من بطش أمير حائل، اتخذ عبد العزيز قراراً عسكرياً جريئاً بالاختفاء التام عن الأنظار؛ فدخل برجاله في مجاهل رمال «الجافورة» المهلكة على أطراف الربع الخالي، ومكثوا مختبئين هناك خمسين يوماً كاملة صاموا خلالها شهر رمضان عام 1319 للهجرة يقتاتون على التمر ولحم الصيد البرّي، حتى ظنّت عيون ابن رشيد وجواسيسه أنهم هلكوا عطشاً أو قفلوا راجعين إلى الكويت. وفي ليلة الخامس من شوال سنة 1319 للهجرة الموافق للخامس عشر من يناير عام 1902، وصل عبد العزيز إلى مشارف الرياض ليلاً، فترك عشرين رجلاً عند الإبل في «ضلع الشقيب» بوصية صارمة أن ينجوا بأنفسهم إن لم يأتهم رسوله بحلول فجر اليوم التالي، وتقدم بثلاثة وأربعين رجلاً إلى بساتين النخيل في «الشندغة» حيث أبقى شقيقه محمداً مع ثلاثة وثلاثين رجلاً، وتسلل هو مع سبعة رجال فقط إلى قلب الرياض، فتسوروا بجذع نخلة جدار بيت امرأة تُدعى «جويزة» ملاصق لبيت حاكم الرياض عجلان بن محمد، واقتحموا منزل عجلان فوجدوا زوجته في فراشه وأخبرتهم أنه يبيت داخل حصن «المصمك» الحصين ولا يخرج منه إلا بعد شروق الشمس، فاستدعى عبد العزيز شقيقه محمداً وبقية الرجال إلى داخل البيت، وجلسوا في الظلام يشربون القهوة ويأكلون التمر ويقرأون القرآن لتهدئة الأعصاب حتى انبلج صبح الخامس من شوال وفُتحت البوابة الصغيرة للحصن المسماة «الخوخة» وخَرَج منها عجلان مع حرسه لتفقد خيله، فانقضّ عليه عبد العزيز ورجاله، وأطلق عليه بندقيته فأصابه في رجله، وتبعه ابن عمه عبد الله بن جلوي فقتله داخل بوابة الحصن في معركة خاطفة استردت حكم آل سعود.

خاض عبد العزيز بعد استرداد الرياض حرباً متواصلة دامت ثلاثين عاماً كاملة لتوحيد أقاليم الجزيرة العربية المتناحرة؛ فاصطدم عام 1904 بثمانية طوابير نظامية عثمانية مدعومة بمدفعية «كروب» الألمانية أرسلها السلطان عبد الحميد لنجدة ابن رشيد في معركتي «البكيرية» و«الشنانة» بالقصيم، حيث أُصيب عبد العزيز بشظية مدفع في كفه اليسرى وأخرى في ركبته، لكنه صمد حتى هزم القوات المشتركة، ثم قضى على خصمه اللدود عبد العزيز بن متعب الرشيد في معركة «روضة مهنا» في أبريل عام 1906، وفي مايو عام 1913 نفّذ عملية ليلية مباغتة طرد بها الحامية العثمانية من إقليم الأحساء الساحلي دون إراقة دماء تذكر. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أدار لعبة توازن دقيقة؛ ففي معركة «جراب» في يناير عام 1915 ضد ابن رشيد، قُتل الكابتن الإنجليزي «ويليام شكسبير» وهو يدير مدفعاً في صفوف قوات عبد العزيز، وفي يونيو من العام ذاته، خلال معركة «كنزان» الليلية ضد قبيلة العجمان في الأحساء، قُتل شقيقه المحبوب سعد بن عبد الرحمن إلى جواره، وأُصيب عبد العزيز نفسه برصاصة خطيرة اخترقت بطنه وأسفل صدره، ومن الخفايا المدهشة لدهائه السياسي أنه حين أشاع خصومه خبر وفاته متأثراً بجراحه لخلخلة ولاء القبائل، أمر بإحضار فتاة من أعيان الأحساء وعقد قرانه عليها ودخل بها في الأسبوع ذاته وهو ينزف تحت ضماداته الطبية ليقطع دابر الشائعات ويثبت للبدو أنه بكامل عافيته، ثم وقّع في ديسمبر عام 1915 «معاهدة دارين» مع المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، مؤمّناً اعتراف بريطانيا بحكمه ومساعدتها المالية دون أن يورط جيشه في جبهات الحرب الكبرى.

بعد إسقاطه إمارة آل رشيد في حائل نهائياً في نوفمبر عام 1921، سجّل عبد العزيز سابقة غير مألوفة في الحروب القبلية حين امتنع عن الانتقام من أسرة خصومه التاريخيين، فنقل أمراء آل رشيد وأبناءهم إلى الرياض وأسكنهم في قصوره معززين مكرمين وزوّج أبناءه من بناتهم، ثم التفت غرباً نحو الحجاز ففتح الطائف ومكة والمدينة وجدة بين عامي 1924 و1925 منهياً حكم الأشراف الهاشميين. غير أن الأزمة الأخطر التي كادت تعصف بملكه من الداخل اندلعت بين عامي 1927 و1929 حين تمرّد عليه قادة حركة «الإخوان» المتشددون، وعلى رأسهم فيصل الدويش وسلطان بن بجاد وذيذان بن حثلين، الذين عارضوا ترسيم الحدود مع العراق والأردن المحكومين إنجليزياً، وحرّموا إدخال البرق والهاتف اللاسلكي والسيارات والدراجات الهوائية باعتبارها من عمل الشيطان والسحر؛ ومن الطرائف التاريخية الموثقة انه لإقناع العلماء وقادة الإخوان بأن جهاز اللاسلكي لا تسكنه الشياطين، أمر الملك عبد العزيز المهندسين بقراءة آيات من القرآن الكريم عبر الميكروفون في مكة وإسماعها للمشايخ عبر جهاز الاستقبال في الرياض، محتجاً عليهم بالآية القرآنية التي تنفي أن تنزل الشياطين بالقرآن، ولما أصرّ قادة التمرد على العصيان المسلح، زحف إليهم بنفسه وحسم الأمر عسكرياً في «معركة السبلة» الفاصلة في مارس عام 1929، ليمهد الطريق لإعلان توحيد البلاد رسمياً تحت اسم «المملكة العربية السعودية» في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1932.

من الوقائع الخفية النادرة التي قلّما تُذكر بتفاصيلها الدقيقة محاولة الاغتيال المروعة التي تعرّض لها الملك عبد العزيز داخل المسجد الحرام بمكة المكرمة في يوم النحر، العاشر من ذي الحجة سنة 1353 للهجرة الموافق للخامس عشر من مارس عام 1935، والتي عُرفت بـ«حادثة الحرم»؛ فبينما كان الملك يطوف بالكعبة المشرفة في الشوط الخامس مرتدياً ثوبي الإحرام الأبيضين الأعزلين وبجواره ولي عهده الأمير سعود، اندفع ثلاثة رجال يمنيين مسلحين بالخناجر الحادة من خلف حجر إسماعيل والحجر الأسود، وانقضّ أولهم «علي بن حزام» نحو صدر الملك مباشرة، فقفز الأمير سعود كالصاعقة وألقى بجسده أمام والده ليتلقى طعنة الخنجر الغائرة في كتفه اليسرى، بينما اشتبك الحرس الشخصي للملك، بقيادة عبد الله بن خنيزان، مع المهاجمين الثلاثة وأردوهم قتلى بالرصاص في صحن المطاف خلال ثوانٍ معدودة، ليواصل الملك طوافه برباطة جأش بعد غسل الدماء عن المطاف.

على الصعيد الاقتصادي، واجهت الدولة الوليدة مطلع الثلاثينيات شبح الإفلاس التام جراء الكساد العالمي الكبير وتراجع أعداد الحجاج من مائة ألف حاج إلى أقل من عشرين ألفاً، حتى عجزت الخزينة عن دفع رواتب الموظفين واستدانت من التجار المحليين، وهنا لعب المستشار البريطاني السابق الذي أشهر إسلامه تحت اسم «عبد الله فيلبي» دوراً سرياً حاسماً؛ إذ نصح الملك عبد العزيز بفتح الباب للشركات الأمريكية لكسر الاحتكار الإنجليزي، فوقّع وزير المالية عبد الله السليمان في التاسع والعشرين من مايو عام 1933 بقصر خزام في جدة اتفاقية امتياز التنقيب عن النفط مع شركة «ستاندارد أويل أوف كاليفورنيا» الأمريكية مقابل خمسة وثلاثين ألف جنيه ذهبي إنجليزي وُردت نقداً في صناديق خشبية إلى ميناء جدة. وبعد خمس سنوات عجاف من الحفر الفاشل في صحراء الظهران كادت الشركة الأمريكية معها أن تطوي معداتها وترحل يائسة، تدفّق النفط بكميات تجارية هائلة في الرابع من مارس عام 1938 من «بئر الدمام رقم سبعة» عند عمق ألف وأربعمائة وواحد وأربعين متراً، وهو البئر الذي أطلق عليه الملك لاحقاً اسم «بئر الخير»، لينقل البلاد من اقتصاد الكفاف الصحراوي إلى قلب المعادلة الطاقوية العالمية.

في فبراير عام 1945، وفي خطوة تاريخية غير مسبوقة، غادر الملك عبد العزيز أراضي الجزيرة العربية على متن المدمرة الحربية الأمريكية «مورفي» التي فُرشت أرضيتها الفولاذية بالسجاد الشرقي ونُصبت فوق ظهرها الخيام البدوية وحُملت عليها ثمانون رأساً من الأغنام لذبحها طازجة لطعام الملك ومرافقيه، متجهاً إلى «البحيرات المرة» في قناة السويس للقاء الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد «كوينسي» في الرابع عشر من فبراير عام 1945. ومن التفاصيل الخفية الموثقة لذلك اللقاء أن روزفلت، الذي كان مقعداً، أهدى الملك عبد العزيز كرسيه المتحرك الاحتياطي الخاص لعلمه بأن الملك يعاني من تصلب مؤلم في مفصل الركبة جراء إصاباته الحربية القديمة، وخلال المباحثات رفض عبد العزيز بصلابة قاطعة إغراءات روزفلت المالية مقابل القبول بتوطين اليهود الأوربيين في فلسطين، قائلاً عبارته الشهيرة بأن على ألمانيا المعتدية أن تدفع من أراضيها تعويضاً لليهود لا أن يدفع العرب ثمن جريمة لم يرتكبوها، وانتزع من روزفلت وعداً خطياً وُقّع في الخامس من أبريل عام 1945، قبل وفاة الرئيس الأمريكي بأسبوع واحد فقط، بألا تتخذ واشنطن أي إجراء في فلسطين دون التشاور مع العرب. وبعد ثلاثة أيام فقط من قمة البحيرات المرة، التقى الملك رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في فندق «أوبرج الفيوم» بمصر، واضطر تشرشل خلال الساعات الطويلة للاجتماع إلى الامتناع عن تدخين سيجاره الكوبي واحتساء الكحول احتراماً للتقاليد الصارمة التي فرضها الملك في مجلسه، وإن كان تشرشل قد انتزع منه قبلها الموافقة الرمزية على إعلان الحرب على ألمانيا واليابان لضمان مقعد للمملكة العربية السعودية كدولة مؤسسة في هيئة الأمم المتحدة.

في حياته الخاصة، نسج الملك عبد العزيز شبكة مصاهرات قبلية واسعة النطاق شملت معظم القبائل والأسر الكبرى في الجزيرة العربية لتثبيت الوحدة الوطنية برباط الدم، فأنجب ستة وثلاثين ولداً ذكراً بقوا على قيد الحياة وسبعاً وعشرين ابنة، غير أن الجرح العاطفي الأعمق الذي لم يندمل في قلبه طوال عمره وقع عام 1919، في العام الذي سماه النجديون «سنة الرحمة» بسبب تفشي وباء الإنفلونزا الإسبانية القاتل، حين خطف الموت في أسبوع واحد ابنه البكر وذراعه العسكرية اليمنى الأمير «تركي الأول» وزوجته الأحب إلى قلبه الأميرة «الجوهرة بنت مساعد بن جلوي»، فأمر الملك بإغلاق حجرة الجوهرة في قصر الديرة بالرياض على مقتنياتها وعطورها كما تركتها دون أن يمسّها أحد لعقود طويلة، وكان يدخلها وحده ليلاً ليبكي فيها سراً، كما كان شديد التعلق بشقيقته الأميرة «نورة بنت عبد الرحمن» التي كان يعتز بها هاتفاً في المواقف الحاسمة: «أنا أخو نورة!». وكان نظامه اليومي صارماً لا يتغير؛ إذ لم يكن ينام أكثر من أربع ساعات متقطعة في الليل والنهار، ويقضي ساعات الفجر الأولى في قراءة القرآن والأوراد، ويهوى العطور الفرنسية الممزوجة بدهن العود الهندي وماء الورد الطائفي.

منذ مطلع عام 1953 تدهورت صحة الملك عبد العزيز بشكل متسارع جراء إصابته بتصلب الشرايين التاجية والذبحة الصدرية، فانتقل في صيف ذلك العام إلى مدينة الطائف أملاً في أن يخفف هواء الجبال المعتدل من ضيق تنفسه، ونزل في قصر متواضع يعود لابنه الأمير منصور بن عبد العزيز في حي «الحوية»، ورفض نصائح أطبائه الأمريكيين والعرب بالسفر للعلاج في الخارج مفضلاً أن يموت فوق تراب بلاده. وفي 9 أكتوبر عام 1953 أصدر آخر مرسوم ملكي في حياته يقضي بتأسيس «مجلس الوزراء» برئاسة ولي عهده الأمير سعود لترسيخ العمل المؤسسي قبل رحيله، وفي فجر يوم الاثنين الثاني من ربيع الأول سنة 1373 للهجرة الموافق للتاسع من نوفمبر عام 1953، وبعد أن صلّى الفجر واستمع إلى تلاوة سورة يس، داهمته نوبة قلبية حادة لفظ على إثرها أنفاسه الأخيرة في تمام الساعة الرابعة والنصف صباحاً عن عمر ناهز سبعة وسبعين عاماً، فنُقل جثمانه بعد صلاة الظهر على متن طائرة «داكوتا» خاصة من مطار الحوية بالطائف إلى الرياض، ووُوري الثرى قبل غروب شمس اليوم ذاته في قبر بسيط غير معلم داخل «مقبرة العود» بالرياض، طاوياً بذلك سيرة رجل أعاد رسم الخريطة الجيوسياسية للجزيرة العربية في القرن العشرين.

اقرأ هذا المقال بـ : EnglishEspañolFrançaisעברית

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

أضف تعليقا