في الثالث عشر من فبراير عام 1835، الموافق للرابع عشر من شوال سنة 1250 للهجرة، وتحديداً في بلدة قاديان الواقعة بإقليم البنجاب الهندي، على بُعد نحو سبعين كيلومتراً شمال شرقي لاهور، وُلد ميرزا غلام أحمد بن غلام مرتضى في كنف أسرة إقطاعية تنحدر أصولها التاريخية الموثقة من قبيلة «برلاس» المغولية ذات الثقافة الفارسية، وهي القبيلة ذاتها التي انتمى إليها تيمورلنك، وإن زعم غلام أحمد لاحقاً، استناداً إلى كشوفاته، أن أصله فارسي خالص. وكان جده الأعلى ميرزا هادي بك قد هاجر من مدينة «كش» القريبة من سمرقند في القرن السادس عشر الميلادي، إبان عهد السلطان المغولي ظهير الدين بابر، واستقر في البنجاب، حيث أقطعه البلاط المغولي عشرات القرى. ومن التفاصيل النادرة التي تغيب عن كثير من التراجم أن غلام أحمد لم يُولد منفرداً، بل وُلد توأماً مع شقيقة سبقته إلى الدنيا بساعات قليلة، سُمّيت «جنت»، غير أنها فارقت الحياة بعد أيام معدودة من ولادتها، لينشأ الطفل في بيئة أرستقراطية مأزومة؛ إذ كانت أسرته قد فقدت معظم أملاكها الإقطاعية على يد اتحاد «الرامغرهية» السيخي، قبل أن يستعيد والده ميرزا غلام مرتضى قاديان وأربع قرى مجاورة فقط من المهراجا السيخي رانجيت سينغ، مقابل خدماته العسكرية والطبية. ثم أظهر الوالد ولاءً مطلقاً للتاج البريطاني خلال ثورة الهند الكبرى عام 1857، حين جهّز، على نفقته الخاصة، خمسين فارساً بخيولهم لدعم القوات الإنجليزية، وهو الموقف الذي شكّل لاحقاً أحد مرتكزات موقف ابنه السياسي والعقدي الرافض للجهاد المسلح، والداعي إلى طاعة الحكومة البريطانية.
نشأ غلام أحمد في صباه منطوياً على ذاته، عازفاً عن اللهو، ومولعاً بالعزلة في المسجد والمطالعة لساعات طوال. وتلقى تعليمه الأولي في قاديان على يد معلمين خصوصيين، فدرس القرآن الكريم ومبادئ الفارسية على يد المعلم «فضل إلهي» في سن السابعة، ثم تلقى قواعد العربية والمنطق على يد فضل أحمد، وبعده على يد غل علي شاه، في مرحلة لاحقة من شبابه، كما درس أصول الطب اليوناني التقليدي على يد والده الذي كان طبيباً حاذقاً، وهو ما يفسر ولعه اللاحق بتركيب العقاقير والمعاجين الطبية. وفي نحو عام 1852، زوّجه والده من ابنة خاله «حرمة بيبي»، وكان غلام أحمد آنذاك في نحو السابعة عشرة من عمره، غير أن هذا الزواج الأول ظل متوتراً وبارداً منذ سنواته الأولى، بسبب اختلاف الطباع وعدم تقبّل زوجته ميوله الانعزالية. ورغم إنجابه منها ولدين، هما ميرزا سلطان أحمد وميرزا فضل أحمد، فقد انتهى الأمر بينهما إلى هجران طويل دام عقوداً، قبل أن يطلقها رسمياً في أواخر حياته. والمفارقة التاريخية أن ابنه الأكبر سلطان أحمد ظل رافضاً دعوى والده النبوية طوال حياة أبيه، ولم ينضم إلى جماعته إلا بعد وفاة والده بسنوات طويلة.
تحت ضغط والده، الذي كان يطمح إلى استعادة أملاك الأسرة المصادرة عبر المحاكم الإنجليزية، أُجبر غلام أحمد عام 1864 على مغادرة عزلته في قاديان والانتقال إلى مدينة سيالكوت للعمل كاتباً صغيراً ومساعداً إدارياً براتب ضئيل في مكتب نائب المفوض البريطاني. ومكث هناك أربع سنوات، حتى عام 1868، وهي الحقبة التي صقلت شخصيته الجدلية؛ ففي سيالكوت تقدّم لامتحان المحاماة وفشل في اجتيازه، لكنه، في المقابل، احتكّ بالمنصرين البروتستانت التابعين لبعثة كنيسة إسكتلندا، وعلى رأسهم القس «جون تايلور» والقس «توماس بتلر»، فكان يجالسهم بعد ساعات العمل ويناقشهم في نصوص العهدين القديم والجديد. وهناك أيضاً نسج صلات وثيقة مع أعيان المدينة، وفي مقدمتهم الشيخ نور محمد، والد الفيلسوف الشاعر السير محمد إقبال، وهي الصلة العائلية التي ربطته بأسرة إقبال، قبل أن يتخذ إقبال لاحقاً موقفاً فكرياً معارضاً لحركته في العقود التالية.
عاد غلام أحمد إلى قاديان عام 1868، إثر وفاة والدته «جراغ بيبي»، ليدخل في دوامة من النزاعات القضائية المرهقة نيابة عن والده، سعياً إلى استرداد الأراضي العائلية. وقد خسر معظم تلك القضايا، مما أورث الأسرة ديوناً ثقيلة وحسرة بالغة لدى الأب غلام مرتضى، الذي توفي في يونيو عام 1876، وأعقبته، بعد سنوات، وفاة الشقيق الأكبر ميرزا غلام قادر عام 1883، الذي كان يتولى إدارة شؤون الأسرة. وقد مثّلت وفاة الوالد، ثم الشقيق، المنعطف النفسي الأخطر في حياة غلام أحمد؛ إذ كان يعتمد عليهما مالياً بالكامل، فانتابه خوف شديد من الفقر والضياع، وزعم حينها أنه تلقى إلهاماً يطمئنه بقوله تعالى:
«أليس الله بكافٍ عبده»
وهي العبارة التي نقشها لاحقاً على فصّ خاتمه الخاص. بل إنه حاول بيع فصّ حجر ثمين ورثه عن أبيه لتاجر في أمريتسار، لسد رمقه، وعاش سنوات من التقشف الحاد، وأخضع نفسه لرياضات قاسية، مكتفياً ببضع لقيمات يومياً على مدى ثمانية أو تسعة أشهر متتالية. وهي الممارسات التي يرى بعض الباحثين أنها ربما أسهمت في تفاقم ما كان يعانيه من نوبات الصداع والدوار والخيالات البصرية والسمعية، وهي أعراض ربطتها بعض الروايات بإصابته المبكرة بمرض السكري المزمن وما يصاحبه من إدرار البول والأرق.
في عام 1880، بدأ ظهوره العلني المؤثر حين أصدر الأجزاء الأولى من كتابه الشهير «براهين أحمدية»، متصدياً للرد على حركة «آريا سماج» الهندوسية بقيادة دياناندا ساراسواتي، وعلى البعثات التنصيرية المسيحية. فوعد القراء والمساهمين الماليين بإصدار خمسين مجلداً تضم ثلاثمائة حجة عقلية ونقلية لنصرة الإسلام، وحظي حينها بثناء واسع من علماء الهند التقليديين الذين رأوا فيه مدافعاً صلباً عن العقيدة. غير أنه توقف عند المجلد الرابع عام 1884، ولم يُصدر المجلد الخامس إلا عام 1905، مفسراً توقفه الطويل بتعليل غريب مفاده أن الفرق بين الخمسين والخمسة ليس سوى نقطة صفرية واحدة، وأن الله أوفى بوعده في خمسة مجلدات بدلاً من خمسين. وفي هذه الفترة، وتحديداً في السابع عشر من نوفمبر عام 1884، تزوج في دلهي زوجته الثانية «نصرت جهان بيغم»، التي كانت تصغره بنحو ثلاثين عاماً، فأنجب منها عشرة أبناء، مات خمسة منهم في الصغر وعاش خمسة، بينهم خليفته الثاني لاحقاً ميرزا بشير الدين محمود أحمد، ومؤرخ سيرته ميرزا بشير أحمد.
شهد العقد الممتد بين عامي 1882 و1891 تدرجاً في دعاوى غلام أحمد الروحية؛ فقد بدأ بإعلان نفسه «مجدداً» للقرن الرابع عشر الهجري، وملهَماً يتلقى المكالمات والمخاطبات الإلهية، كما دوّن في أجزاء «براهين أحمدية».
ثم انتقل، في الثالث والعشرين من مارس عام 1889، بمدينة لودهيانا، وفي منزل الصوفي أحمد جان تحديداً، إلى تأسيس جماعته رسمياً، عبر أخذ «البيعة» الأولى من أربعين رجلاً، كان أولهم رفيق دربه الطبيب حكيم نور الدين بهيروي. غير أن الزلزال العقدي الأكبر وقع عام 1891، حين أصدر كتبه الثلاثة المتتابعة «فتح إسلام» و«توضيح مرام» و«إزالة أوهام»، معلناً فيها وفاة المسيح عيسى بن مريم وفاةً طبيعية، وزاعماً أن المسيح لم يمت على الصليب ولم يُرفع بجسد، بل أُغمي عليه وعُولج بدهان طبي عُرف في مدوناته باسم «مرهم عيسى». ثم هاجر، وفق الرواية التي تبناها غلام أحمد، سراً نحو الشرق، بحثاً عن الأسباط العشرة الضائعة من بني إسرائيل، عبر بلاد فارس وأفغانستان، حتى استقر في كشمير وتوفي فيها عن مائة وعشرين عاماً، محدداً قبره في ضريح «روزا بال» بمحلة خانيار في مدينة سريناغار الكشميرية، وهو الضريح المعروف محلياً باسم «يوز آسف». وخلص غلام أحمد من ذلك إلى أنه هو نفسه «المسيح الموعود» و«المهدي المنتظر»، الذي بُعث بروح عيسى ومثيله، لا بشخصه.
ومن الخفايا المثيرة في سيرته الشخصية والنبوئية، التي قلما تُفصّل في الكتابات العامة، قضية «محمدي بيغم»؛ وهي فتاة من قريباته في مدينة هوشياربور، ابنة ميرزا أحمد بك. فقد طلب غلام أحمد يدها عام 1886، وربط زواجه منها بنبوءة سماوية قاطعة أعلنها في منشورات مطبوعة، مؤكداً أن الله زوّجه إياها في السماء، وأن لا رادّ لهذا القدر. كما حذّر والدها من أنه سيموت في غضون ثلاث سنوات إن زوّجها لغيره، وأن أي رجل يتزوجها سيموت في غضون سنتين ونصف، وأنها ستؤول في النهاية إلى عصمته حتماً. غير أن الأسرة رفضت طلبه، وزوّجتها في أبريل عام 1892 لشاب يُدعى سلطان محمد. ولم يمت الزوج في المدة المحددة، بل عمّر طويلاً، وشارك في الحرب العالمية الأولى، وعاش حتى عام 1948، أي بعد وفاة غلام أحمد نفسه بأربعين عاماً كاملة. وظلت هذه الواقعة من أكثر الإشكالات إحراجاً في تاريخه، إذ حاول تأويل النبوءة لاحقاً بالقول إن الوعيد كان مشروطاً بالتوبة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى تحققها وتأويلها.
مع مطلع القرن العشرين، وتحديداً في نوفمبر عام 1901، خطا غلام أحمد خطوته الأبعد بإصدار رسالته «إيك غلطي كا إزالة»، أي «تصحيح خطأ»، التي أعلن فيها صراحةً أنه نبي ورسول، مستحدثاً مصطلح «النبوة الظلية والبروزية»، أي النبوة المكتسبة عبر الفناء الكامل في اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، دون تشريع مستقل، وفق تعبيره. وهو التحول الذي مهّد لاحقاً لانقسام أتباعه بعد وفاته إلى فرقتين: القاديانية التي قالت بنبوته الحقيقية، واللاهورية التي حصرته في مقام التجديد. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أعلن، في محاضرة ألقاها بمدينة سيالكوت في نوفمبر عام 1904، أنه يمثل أيضاً التجلي الروحي لـ«كرشنا» المنتظر لدى الهندوس. وقد خاض خلال السنوات مناظرات ومباهلات شهيرة، منها مناظرته عام 1893 في أمريتسار مع المنصر المسيحي عبد الله آتهم، ونبوءته بموت الزعيم الهندوسي المتطرف «بندت ليكرام»، الذي اغتيل طعناً عام 1897، ومراسلته العابرة للقارات عام 1902 مع الأمريكي «جون ألكسندر داوي»، الذي ادعى النبوة في ولاية إلينوي الأمريكية وأسس مدينة صهيون. وصولاً إلى إعلانه التاريخي الأخير، في الخامس عشر من أبريل عام 1907، الموجّه إلى العالم السني البارز أبي الوفاء ثناء الله الأمرتسري، حيث دعا غلام أحمد، في بيان مطبوع، إلى أن يهلك الله الكاذب والمفتري منهما في حياة الصادق، بداء قاتل ليس من فعل البشر، كالطاعون أو الهيضة.
كانت الحالة الصحية والبدنية لميرزا غلام أحمد في سنواته الأخيرة مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي سجلها ابنه ميرزا بشير أحمد في موسوعة «سيرة المهدي». فقد كان يعاني من ضعف شديد في بصر عينه اليمنى، التي كادت تنطبق تماماً، ومن برودة دائمة في الأطراف، كان يدفعها بارتداء الجوارب الصوفية حتى في صيف الهند القائظ. كما اعتمد على منشطات ومقويات طبية تقليدية كان يركبها بنفسه، مثل «الترياق الإلهي» ومعاجين المسك والعنبر ومستخلصات الأفيون الطبي الدارج في الطب اليوناني آنذاك، لتخفيف آلام السكري والإسهال العصبي. وفي أواخر أبريل عام 1908، سافر مع أسرته وعدد من كبار أتباعه إلى مدينة لاهور، ونزل في دار «خواجه كمال الدين»، ثم انتقل إلى منزل في شارع «براندريث»، وهناك عكف على تأليف آخر كتبه المسمى «بيغام صلح»، أي «رسالة السلام»، الداعي إلى الصلح الديني بين الهندوس والمسلمين تحت المظلة البريطانية.
في مساء الخامس والعشرين من مايو عام 1908، وبعد ساعات من تسليمه مسودة كتابه الأخير،
«أُصيب بنوبة حادة من الإسهال المتواصل الذي اقترن في ساعاته الأخيرة بقيء شديد، حتى شخّص حالته بنفسه لصهره مير ناصر نواب قائلاً إنه أُصيب بالهيضة الوبائية»، وتدهورت قواه البدنية بسرعة مذهلة خلال الليل، رغم محاولات الأطباء، ومنهم الدكتور محمد إسماعيل والدكتور مير محمد حسين، إسعافه بالحقن المنبهة. وفي فجر السادس والعشرين من مايو، فقد القدرة على النطق تماماً، ولم تصدر عنه سوى همهمات خافتة، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في ضحى ذلك اليوم، بين الساعة العاشرة والربع والعاشرة والنصف صباحاً، وفق روايات المعاصرين، عن عمر ناهز ثلاثة وسبعين عاماً، وذلك بعد نحو ثلاثة عشر شهراً فقط من إعلانه مباهلته للشيخ ثناء الله الأمر تسري، الذي عاش بعده أربعين سنة. وُضع جثمانه في تابوت خشبي، ونُقل في اليوم ذاته عبر القطار من لاهور إلى محطة «بتالا»، ومنها حُمل على الأكتاف لمسافة أحد عشر ميلاً إلى قاديان، ليُدفن في السابع والعشرين من مايو داخل «المقبرة البهشتية»، التي كان قد أسسها عام 1905، ووضع للدفن فيها شروطاً صارمة تتعلق بالالتزام الديني والسلوكي، في مقدمتها أن يوصي العضو بعُشر أمواله وممتلكاته لصالح الجماعة، لتنطوي بذلك صفحة شخصية أثارت واحداً من أعنف الزلازل العقدية والفكرية في شبه القارة الهندية والعالم الإسلامي الحديث.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!