لا يمكن لقارئ حصيف في خبايا العلاقات الدولية أن يبتلع الطعم الإعلامي الذي يصور التجاذبات الأخيرة داخل مجلس الأمن الدولي حول ملف الصحراء المغربية باعتبارها صحوة أيديولوجية روسية لنصرة الجزائر أو جبهة البوليساريو؛ فالحقائق الصلبة في علم الجيوسياسة لا تعترف بالعواطف، بل تُبنى على مقايضات المصالح الكبرى. والدليل الدامغ الذي ينسف رواية الانحياز الروسي المبدئي للطرح الانفصالي يكمن في القرار الأممي رقم 2797، وهو القرار الأشد خطورة وحسماً في تكريس السيادة المغربية ومرجعية الحكم الذاتي، والذي مرّ عبر قاعة مجلس الأمن دون أن ترفع موسكو يدها بالفيتو لإجهاضه، قبل أن تصوت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 أكتوبر 2026 بأغلبية ساحقة بلغت 152 دولة لصالح تكريس هذا القرار، مما يؤكد أن التحرك الروسي الأخير لم يكن سوى خطوة تكتيكية مدبرة بعناية فائقة ضمن رقعة شطرنج أوسع بكثير من حدود شمال أفريقيا.
ويكفي للوقوف على حجم التنسيق المسبق استحضار سر توقيت اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الروسي سيرغي لافروف في العاصمة موسكو يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أي قبل جلسة مجلس الأمن بـ 48 ساعة فقط، على هامش المؤتمر الوزاري للقمة الروسية الأفريقية الثالثة؛ فهذا اللقاء المباشر يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الرباط كانت على علم مسبق ودقيق بسيناريو الجلسة وتفاصيلها، وأن التحرك الروسي لم يكن مفاجأة غادرة للمغرب، بدليل الجاهزية الفورية والحاسمة للرد المؤسساتي المغربي المتمثل في بلاغ الديوان الملكي الصادر فور انتهاء الجلسة.
إن فك شيفرة المشهد يقتضي النظر إلى ما وراء الستار، حيث تبلور في الأيام القليلة الماضية تقارب استراتيجي صامت ومتسارع بين إدارة دونالد ترامب والكرملين بقيادة فلاديمير بوتين، وهو تقارب يقوم على منطق الصفقات الكبرى وتقاطع المصالح الحيوية في ملفات الطاقة، وترتيبات الأمن في شرق أوروبا لإنهاء حرب أوكرانيا، ومقترح القمة الثلاثية الكبرى لتقاسم مناطق النفوذ العالمي في ما يشبه اتفاقية يالطا جديدة تشمل منطقة الساحل الأفريقي والبحر الأبيض المتوسط. وفي ظل هذا التفاهم الضمني بين واشنطن وموسكو، تغدو مسألة تلويح طرف بالفيتو في وجه فيتو مضاد مسرحية دبلوماسية متفقاً على سقفها مسبقاً لتوزيع الأدوار وإعدام بعثة المينورسو دون أن يتحمل طرف واحد التبعة القانونية والدبلوماسية لإغلاقها؛ فواشنطن بصفتها صاحبة القلم وتتعامل بمنطق الفعالية المالية لإنهاء البعثات الأممية المكلفة التي تستنزف نحو 69 مليون دولار سنوياً بلا طائل، تدرك كيف تصيغ مخرجات تحفظ للمغرب مكتسباته الاستراتيجية، بينما تُمنح موسكو هامشاً للمناورة الشكلية يتيح لها ابتزاز النظام الجزائري سياسياً وعسكرياً، وإبقاءه رهينة لعقود التسليح بالمليارات والارتهان الدبلوماسي، دون أن يتغير مليمتر واحد في المعادلة الميدانية أو القانونية لصالح البوليساريو.
وتتجلى براعة هذا الفخ الاستراتيجي في التفاصيل الحرفية لمسودة القرار الأمريكي التي أرعبت الجزائر؛ فالمسودة لم تكتفِ في فقراتها التنفيذية 5 و7 و8 بجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للتفاوض، بل تضمنت في فقرتها الأولى تغيير اسم البعثة رسمياً ابتداءً من 1 نوفمبر 2026 من "مينورسو" (MINURSO) إلى "مينوسو" (MINUSO)، أي الحذف الرسمي والنهائي لحرف (R) الذي يرمز لكلمة الاستفتاء، مع إلزام الأمين العام بتقديم خطة بحلول 30 يناير 2027 لتقليص عدد المراقبين العسكريين وإغلاق ودمج مقرات المراقبة. وحين حصدت هذه المسودة 11 صوتاً مؤيداً من أصل 15 عضواً مع امتناع الصين وباكستان والدنمارك وفيتو روسي وحيد، انكشفت حقيقة المناورة الروسية حين طرح السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا مسودة بديلة من صفحة واحدة لتمديد تقني للبعثة بصيغتها القديمة؛ إذ كانت الفضيحة الرقمية أن المشروع الروسي لم يسقط فقط بسبب المعارضة الأمريكية، بل فشل أصلاً في جمع النصاب القانوني المحدد في 9 أصوات، بعدما لم يحصل سوى على 3 أصوات يتيمة فقط هي روسيا والصين وباكستان مقابل 11 امتناعاً وصوت أمريكي رافض، وهو ما كانت موسكو تعلمه مسبقاً حين قدمته كذر للرماد في العيون لرفع الحرج أمام الجزائر دون نية حقيقية لإنقاذ البعثة.
وفي قلب هذه الهندسة الدبلوماسية المعقدة، يبرز الدور الإسرائيلي كفاعل محوري ووازن في المفاوضات الخفية مع القوى العظمى؛ فتل أبيب التي ترتبط بالرباط بتحالف استراتيجي وأمني وعسكري وثيق، تملك قنوات اتصال نافذة ومباشرة مع كل من دوائر صنع القرار في إدارة ترامب ومراكز القوى في موسكو. وقد لعبت الدبلوماسية الإسرائيلية وأذرعها الاستخباراتية دور الوسيط الضامن لتمرير الرسائل وضبط إيقاع التفاوض بين العواصم الكبرى، بما يضمن ألا تتحول المقايضات الأمريكية الروسية في مجلس الأمن إلى مساس جوهري بمصالح المغرب، بل جرى توجيه البوصلة بحيث تخرج الرباط هي الرابح الاستراتيجي الفعلي من وراء الكواليس مهما بدا المشهد العلني صاخباً.
وعند تشريح المخرجات الفعلية لجلسة الأمس في مجلس الأمن بعيداً عن الضجيج الخطابي، يتضح بجلاء أنها تصب بالكامل في مصلحة المملكة المغربية؛ فوضع بعثة المينورسو عملياً خارج اللعبة السياسية وانتهاء ولايتها رسمياً ليلة 31 أكتوبر 2026 بعد 35 عاماً من وجودها منذ عام 1991، يعني دفن آخر أثر لآليات الاستفتاء المتجاوزة وترك الميدان لسلطة الأمر الواقع المغربي المكتمل الأركان. وقد أكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز هذا التوجه عقب التصويت مباشرة بدعوته الرسمية إلى انسحاب منظم لبعثة المينورسو، كاشفاً أن البعثة تستهلك 80% من وقتها ومواردها في الإمداد الذاتي واللوجستيك الخاص بها، ومذكراً بأن الأمين العام الأسبق كوفي عنان أقر منذ عام 2002 بعدم جدوى بقائها. فالمغرب الذي يسيطر سيطرة تامة على أقاليمه الجنوبية ويحولها إلى قطب اقتصادي أطلسي قاري، والذي انتزع اعتراف القوى العظمى والفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد، لم يعد بحاجة إلى بعثة أممية كانت البوليساريو والجزائر تستخدمان تمديد ولايتها السنوي كمنصة للابتزاز السياسي وإطالة أمد النزاع المفتعل، وهو ما توجته الرباط ببلاغ الديوان الملكي الذي أعلن أن عدم التمديد يمهد للطي النهائي للملف داخل الأمم المتحدة وسحبه من مجلس الأمن واللجنة الرابعة.
غير أن حجر الزاوية الأخطر الذي لم تكشفه التغطيات السطحية يكمن في التبعات السيادية والمالية الفورية لموت بعثة المينورسو على مستوى المنطقة العازلة وشرايين التجارة العالمية؛ فطيلة 35 عاماً، ظل وجود البعثة بموجب الاتفاق العسكري رقم 1 لعام 1991 يشكل قيداً قانونياً دولياً على المنطقة العازلة شرق الجدار الرملي، كما كان يمنح شركات التأمين والمؤسسات المالية الدولية ذريعة لتصنيف الإقليم كمنطقة متنازع عليها تحت الرقابة الأممية. وبسقوط ولاية المينورسو رسمياً في 31 أكتوبر 2026، سقط الغطاء القانوني الأممي عن المنطقة العازلة للأبد، مما يمنح القوات المسلحة الملكية المغربية المشروعية القانونية والسيادية الكاملة لبسط سيطرتها المباشرة حتى الحدود الموريتانية والجزائرية وإغلاق أي منفذ بري لتسلل عناصر البوليساريو دون وجود مراقبين أمميين يحصون التحركات العسكرية، فضلاً عن تحرير الأقاليم الجنوبية وميناء الداخلة الأطلسي الضخم من أي قيد قانوني أممي يعيق تدفق الاستثمارات السيادية العابرة للقارات.
أمام هذه الحقائق الدامغة، انقلب السحر على الساحر في الجزائر؛ فبينما كانت الصفحات والمنابر الإعلامية الجزائرية تطبل ليلة 30 أكتوبر 2026 للفيتو الروسي باعتباره انتصاراً دبلوماسياً تاريخياً في محاولة يائسة لتسويق وهم داخلي يمتص غضب الشارع ويبرر نزيف المليارات المهدرة على مشروع خاسر، استيقظت الدبلوماسية الجزائرية يوم السبت 31 أكتوبر 2026 على الكارثة القانونية المتمثلة في الموت السريري والقانوني للبعثة، لتصدر وزارة الخارجية الجزائرية بياناً رسمياً تغيرت فيه اللهجة من الاحتفال إلى البكاء، معربة عن بالغ أسفها إزاء عدم تجديد ولاية المينورسو. فصناع القرار في قصر المرادية وفي ثكنات الجيش الجزائري يدركون في قرارة أنفسهم أن العالم قد طوى صفحة الانفصال، وأن أي مواجهة عسكرية تلوح بها جبهة البوليساريو هي حرب محسومة النتائج قبل أن تبدأ، بعدما أحكمت القوات المسلحة الملكية المغربية قبضتها الميدانية عبر الجدار الأمني الذكي، ومنظومات الرصد الفضائي، والتفوق الساحق للطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية التي جعلت المنطقة العازلة مقبرة لأي تحرك معادٍ.
أما خيار التدخل العسكري الجزائري المباشر، فهو خط أحمر تعجز الجزائر عن تجاوزه لأنها تعلم يقيناً أنه سيكون بمثابة انتحار جيوسياسي يفتح عليها أبواب الجحيم من كل حدب وصوب، بل سيجلب لها الشر والانتقام حتى من الدب الروسي نفسه الذي تتوهم أنه حليفها الحامي؛ فموسكو التي ترتبط مع المغرب بشراكات اقتصادية واسعة في مجالات الصيد البحري والطاقة والزراعة، والتي تتمركز عسكرياً واقتصادياً في دول الساحل كالنيجر ومالي وبوركينا فاسو عبر الفيلق الأفريقي وتستخرج منها الذهب واليورانيوم والليثيوم بعد قطيعة شبه تامة بين هذه الدول الحبيسة والجزائر، تدرك أن المخرج البحري الوحيد والآمن لتصدير هذه الثروات المعدنية الاستراتيجية نحو الأسواق العالمية يمر حتماً عبر المبادرة الأطلسية المغربية وميناء الداخلة الأطلسي، وأن استقرار الصحراء تحت السيادة المغربية الكاملة وإنهاء وجود المينورسو والمنطقة العازلة يخدم المصالح اللوجستية والاقتصادية الروسية والأمريكية معاً في القارة الأفريقية، ولذلك لن تسمح موسكو للجزائر بإشعال حرب إقليمية تهدد هذا الممر التجاري الحيوي وتزعزع استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط وتستدعي تدخلاً أطلسياً مباشراً، وستكون روسيا أول من يتخلى عن الجزائر ويقايضها على طاولة الكبار، ليبقى الضجيج الإعلامي الجزائري مجرد صدى فارغ لترتيبات دولية حسمت ملف الصحراء المغربية بلا رجعة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!