في ربيع عام 1881، وفي منزل خشبي مطلي باللون الوردي من ثلاثة طوابق يقع في حي «كوجا قاسم باشا» بمدينة سالونيك المقدونية التابعة آنذاك للدولة العثمانية، وُلد طفل سُمي «مصطفى» دون أن يُسجل تاريخ ميلاده الدقيق باليوم والشهر لغياب التوثيق المدني الصارم يومئذ، وإن كان قد اختار لنفسه لاحقاً يوم التاسع عشر من مايو تاريخاً رمزياً لميلاده تيمناً بيوم نزوله في ميناء سامسون لإطلاق حرب الاستقلال عام 1919. كان والده علي رضا أفندي موظفاً صغيراً في إدارة الجمارك والملح وملازماً سابقاً في كتيبة متطوعة قبل أن يتحول إلى تجارة الأخشاب، وتعود جذور أسرته الأبوية إلى عشائر «اليوروك» التركمانية التي استوطنت قرية «كوجاجيك» في منطقة دبره على التخوم الألبانية المقدونية، بينما كانت والدته «زبيدة هانم»، التي تصغر زوجها بنحو عشرين عاماً، تنحدر من أسرة فلاحية تركمانية استقرت في منطقة «لنغظة» قرب سالونيك. ومن الوقائع المؤلمة الخفية في طفولته أنه نشأ محاطاً بالموت؛ إذ أنجبت والدته ستة أطفال مات أربعة منهم في طفولتهم المبكرة هم فاطمة أحمد وعمر وناجية بسبب تفشي وباء الخناق «الدفتيريا» والحمى، ولم يبقَ على قيد الحياة سوى مصطفى وشقيقته الصغرى «مقبولة» التي عاشت حتى عام 1956.
منذ دخوله سن الدراسة برز الصراع الثقافي داخل بيته بين والدته المتدينة التي أصرت على إلحاقه بمدرسة الحي الدينية التقليدية باحتفال الأناشيد الدينية، ووالده ذي النزعة الحداثية الذي نقله بعد أيام قليلة إلى مدرسة «شمس أفندي» العصرية، ومن التفاصيل التاريخية اللافتة أن مؤسس هذه المدرسة، شمس أفندي، كان ينتمي إلى طائفة «الدونمة» السالونيكية الشهيرة واعتمد مناهج تربوية أوروبية حديثة تركت بصمتها الأولى في ذهن الصبي. غير أن وفاة والده المبكرة عام 1888 حين كان مصطفى في السابعة من عمره قلبت حياة الأسرة رأساً على عقب؛ فاضطرت والدته لاصطحاب طفليها واللجوء إلى مزرعة شقيقها «حسين آغا» في قرية «رابلا»، حيث انقطع الصبي عن الدراسة مؤقتاً وعمل أشهراً في حراسة حقول الفول ومطاردة الغربان مع أخته مقبولة، قبل أن يُعاد إلى سالونيك ويدخل المدرسة الإعدادية المدنية، التي غادرها بعد أن ضربه أستاذه «قره معلم» ضرباً مبرحاً أسال دمه إثر شجار طلابي، ليقرر الصبي التقدم سراً ودون علم والدته لامتحان المدرسة العسكرية الإعدادية في سالونيك عام 1893، وهناك أطلق عليه أستاذ الرياضيات النقيب مصطفى أفندي الأوسكوبي لقب «كمال» تمييزاً له عن اسمه وتقديراً لنبوغه الحسابي.
في عام 1896 انتقل مصطفى كمال إلى المدرسة الثانوية العسكرية في مدينة «مناستر»، وهناك تشكّل وعيه القومي والأدبي على يد رفيق دراسته الخطيب الشاعر عمر ناجي الذي عرّفه على أشعار نامق كمال وتوفيق فكرت، كما انكبّ على تعلم اللغة الفرنسية في مدرسة للرهبان الفرير بمدينة سالونيك خلال إجازاته الصيفية ليتمكن من قراءة مؤلفات فولتير وروسو ومونتسكيو في أصولها، بل إنه حاول في ربيع عام 1897 الهرب ليلاً من المدرسة العسكرية مع صديقه للتطوع في الحرب العثمانية اليونانية لولا أن كشفته امرأة في الطريق وأعادته إلى ثكنته. وفي مارس عام 1899 التحق بالكلية الحربية في الأستانة حاملاً الرقم العسكري الشهير «1283»، وتخرج منها عام 1902 برتبة ملازم لينتقل إلى كلية أركان الحرب التي تخرج فيها يوم الحادي عشر من يناير عام 1905 برتبة نقيب ركن، غير أن المحطة السرية التي نادراً ما تُروى بالتفصيل هي أنه لم يكد يتسلم رتبته حتى استأجر شقة في حي «بيوغلو» مع رفاقه لإصدار صحيفة سرية خطية مناوئة لحكم السلطان عبد الحميد الثاني، فوشى بهم جاسوس اخترق مجموعتهم يُدعى «فتحي»، ليُلقى القبض على مصطفى كمال ويُودع في الحبس الانفرادي بسجن قصر يلدز لعدة أشهر خضع خلالها لتحقيقات قاسية كادت تنهي مستقبله العسكري، قبل أن يتدخل مدير الكلية رضا باشا لتخفيف العقوبة إلى النفي المقنّع تحت مسمى التدريب الميداني في الجيش الخامس بدمشق.
في دمشق، وبين أزقة سوق الحميدية في خريف عام 1906، وتحديداً داخل متجر صغير لتاجر منفي يُدعى مصطفى جانتكين، أسس مصطفى كمال جمعية سرية حملت اسم «الوطن والحرية»، وتسلل متخفياً عبر يافا والإسكندرية وأثينا عائداً إلى مسقط رأسه سالونيك بوثائق مزورة ليفتتح فرعاً لجمعيته هناك، قبل أن يكتشف أن جمعية «الاتحاد والترقي» قد سبقته في التغلغل داخل الجيش الثالث، فانضم إليها في أكتوبر عام 1907 لكنه ظل على خلاف حاد ومبكر مع ثلاثي القيادة، ولا سيما أنور باشا، بسبب رفضه تدخل الضباط المباشر في السياسة اليومية. ومع ذلك شارك عام 1909 كرئيس أركان في «جيش الحركة» الذي زحف من سالونيك إلى إسطنبول لإخماد تمرد الحادي والثلاثين من مارس وعزل السلطان عبد الحميد الثاني، ثم أوفد إلى فرنسا عام 1910 لحضور مناورات «بيكاردي» العسكرية، وفي أواخر عام 1911 تسلل إلى ليبيا عبر مصر بجواز سفر مزور تحت اسم صحفي مستعار هو «مصطفى شريف» لمحاربة الغزو الإيطالي في طبرق ودرنة، وهناك أُصيبت عينه اليسرى في يناير عام 1912 بشظية كلسية جراء قصف إيطالي، فقضى شهراً في مستشفى الهلال الأحمر وأورثته الإصابة حولاً خفيفاً دائماً في عينه اليسرى ظل يحاول إخفاءه في صوره الفوتوغرافية طوال حياته.
بين عامي 1913 و1914 عُيّن ملحقاً عسكرياً في صوفيا عاصمة بلغاريا لإبعاده عن مركز القرار في إسطنبول، وفي صوفيا عاش قصة حب عاصفة وغير مكتملة تُعد من أكثر أسراره العاطفية شغفاً، إذ وقع في غرام «ديميترينا كوفاتشيفا» الشهيرة بـ«ميتي»، ابنة وزير الحربية البلغاري الجنرال ستيليان كوفاتشيف، وطلب يدها مرتين من والدها الذي رفض تزويج ابنته الأرثوذكسية لضابط مسلم، فظلت صورتها وطيفها يلازمانه حتى أواخر عمره. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، برز نجمه العسكري في معركة «جناق قلعة» عام 1915 حين قاد الفرقة التاسعة عشرة في «أري بورنو» و«جونك بايري»، حيث أصابت شظية قذيفة صدره في العاشر من أغسطس لكنها ارتطمت بساعة جيبه المعدنية فأنقذت حياته، وهي الساعة التي أهداها لاحقاً للجنرال الألماني ليمان فون ساندرز، ثم رُقي إلى رتبة لواء «باشا» عام 1916 بعد استعادته مدينتي موش وبتليس من القوات الروسية، وفي صيف عام 1918 سافر إلى منتجع «كارلسباد» في النمسا والمجر للعلاج من التهاب الكلى المزمن الذي لازمه منذ شبابه، وعندما وقعت هدنة مودروس في أكتوبر عام 1918 كان يقود المجموعة الصاعقة على الجبهة السورية، فانسحب بقواته شمال حلب رافضاً تسليم سلاحه للبريطانيين.
في التاسع عشر من مايو عام 1919، وصل مصطفى كمال إلى ميناء سامسون على متن الباخرة القديمة «بانديرما» بصفته مفتشاً للجيش التاسع بفرمان رسمي من السلطان محمد السادس وحيد الدين، لكنه سرعان ما حوّل مهمته من نزع سلاح المقاومة إلى تنظيمها، فأصدر تعميم أماسيا، وفي ليلة الثامن من يوليو عام 1919 بمدينة أرضروم خلع بزته العسكرية واستقال من الجيش العثماني هرباً من أمر عزله واعتقاله، معلناً أنه سيكافح كفرد من أبناء الشعب، وحكمت عليه المحكمة العرفية في إسطنبول بالإعدام غيابياً في مايو عام 1920. ورغم ذلك، أسس المجلس الوطني الكبير في أنقرة في الثالث والعشرين من أبريل عام 1920، وقاد حرب الاستقلال التركية، ومن التفاصيل النادرة أنه قبل معركة سقاريا الفاصلة في أغسطس عام 1921 سقط عن جواده وكُسرت ثلاثة من أضلاعه، فقفل عائداً من أنقرة ليدير المعركة التاريخية التي استمرت اثنين وعشرين يوماً وهو مضمّد الصدر على كرسي خشبي، ليُمنح بعدها رتبة «مشير» ولقب «الغازي»، ثم حسم الحرب بالهجوم الكبير في أغسطس عام 1922 ودخول إزمير.
بالتوازي مع إلغائه السلطنة العثمانية في الأول من نوفمبر عام 1922، وإعلانه قيام الجمهورية التركية في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1923، ثم إلغاء الخلافة الإسلامية في الثالث من مارس عام 1924، كانت حياته الخاصة في قصر «جانقايا» بأنقرة تشهد دراما تراجيدية مكتومة؛ ففي التاسع والعشرين من يناير عام 1923 تزوج من الشابة الإزميرية المثقفة خريجة السوربون «لطيفة عشاقي»، في عقد زواج غير مسبوق جلست فيه العروس بنفسها على طاولة القاضي خلافاً للتقاليد السائدة، مما دفعه إلى إبعاد قريبته المخلصة «فكرية هانم» التي كانت قد رافقته وأدارت شؤون منزله طوال سنوات الحرب في الأناضول وأحبته بجنون، فأرسلها إلى مصحة في ميونخ بألمانيا بحجة علاجها من السل، لكن فكرية قطعت علاجها وعادت إلى أنقرة في مايو عام 1924، وعندما مُنعت من مقابلته على بوابة قصر جانقايا، أطلقت النار على صدرها من مسدس صغير كانت تحمله في حقيبتها وتوفيت في المستشفى بعد أيام في واقعة لُفّت بتكتم رسمي شديد ودارت حولها شكوك تاريخية طويلة، بينما لم يصمد زواجه من لطيفة هانم أمام صدام شخصيتيهما القويتين سوى عامين ونصف، فطلقها في الخامس من أغسطس عام 1925 ولم يتزوج بعدها قط، وظلت مذكرات لطيفة هانم ورسائله إليها حبيسة الخزائن السرية للدولة التركية حتى بعد وفاتها عام 1975.
خلال سنوات حكمه المنفرد، وبعد إحباطه مؤامرة اغتياله في إزمير عام 1926 التي استغلها لتصفية خصومه السياسيين ورفاق السلاح القدامى عبر محاكم الاستقلال، فرض أتاتورك سلسلة من التحولات الجذرية الصادمة؛ فألغى المحاكم الشرعية والتكايا الصوفية، وفرض قانون القبعة الغربية عام 1925، وتبنى القانون المدني السويسري عام 1926، واستبدل الأبجدية اللاتينية بالحروف العربية عام 1928، وأمر في يناير عام 1932 برفع الأذان باللغة التركية بدلاً من العربية، ومنح نفسه لقب «أتاتورك» أي «أبو الأتراك» بقانون برلماني عام 1934 حرم على أي مواطن آخر حمل هذا الاسم. ومن الخفايا الفكرية اللافتة في عقد الثلاثينيات تبنّيه نظريتين أنثروبولوجيتين ولغويتين طويتا لاحقاً؛ أولاهما «أطروحة التاريخ التركي» التي زعمت أن الأتراك هم أصل الحضارات القديمة كالسومرية والحيثية، وثانيتهما «نظرية لغة الشمس» التي استقاها عام 1935 من كتيب غامض لعالم لغة نمساوي مغمور يُدعى هيرمان كفرتش، ومفادها أن جميع لغات البشر اشتقت من لغة تركية بدائية نشأت في آسيا الوسطى حين نظر الإنسان الأول إلى الشمس، وقد استعان أتاتورك بهذه النظرية تحديداً لتبرير إبقاء الكلمات العربية والفارسية المستعصية في التركية باعتبارها تركية الأصل منذ البداية.
كانت الليالي في قصره تدور حول ما عُرف تاريخياً بـ«مائدة أتاتورك»، وهي جلسات سمر فكرية وسياسية كانت تمتد من المساء حتى مطلع الفجر، يستهلك خلالها كميات كبيرة من مشروب «الراكي» الكحولي ونحو و الكثير من السجائر والقهوة التركية يومياً، بينما عوض حرمانه من الإنجاب بتبني ثمانية أطفال، أشهرهم «صبيحة كوكجن» التي أصبحت أول طيارة حربية مقاتلة في العالم، والمؤرخة «آفت إينان»، والطفلة الصغيرة «أولكو». ومنذ أواخر عام 1937 بدأت أعراض التدهور الصحي تظهر عليه على هيئة هزال وحكة جلدية شديدة ونزيف في الأنف وانتفاخ في البطن، وفي يناير عام 1938 شخّص الطبيب نهاد رشاد بلغر حالته لأول مرة في منتجع يالوفا بأنها تشمع متقدم في الكبد مصحوب باستسقاء بطني، وهو التشخيص الذي أكده البروفيسور الفرنسي «نويل فيسينجر» الذي استُدعي سراً من باريس.
ورغم وطأة المرض في ربيع وصيف عام 1938، تحامل أتاتورك على نفسه والسافر إلى مرسين وأضنة في مايو من ذلك العام واقفاً ساعات تحت الشمس لاستعراض الجيش في رسالة ردع لفرنسا لحسم قضية ضم «لواء إسكندرون» لتركيا، مما أدى إلى انتكاسة خطيرة في كبده، فنُقل إلى اليخت الرئاسي «سافارونا» الراسي في بحر مرمرة لقضاء أسابيعه الهادئة على متنه، غير أن الرطوبة والحر فاقما حالته، فحُمل سراً في ليلة الخامس والعشرين من يوليو إلى الغرفة رقم «71» المطلة على مضيق البوسفور في قصر «دولمة بهجة» بإسطنبول. وفي تلك الغرفة خضع لثلاث عمليات بزل بطني مؤلمة لسحب عشرات اللترات من السوائل المتجمعة في تجويفه البطني، وأملى وصيته القانونية في الخامس من سبتمبر، ودخل في غيبوبة كبدية أولى في أكتوبر أفاق منها لأيام، قبل أن يدخل في غيبوبته الأخيرة في الثامن من نوفمبر بعد أن نطق بآخر كلماته المسجلة سائلاً عن الوقت ثم مردداً «وعليكم السلام»، حتى توقف قلبه عن الخفقان في تمام الساعة التاسعة وخمس دقائق من صباح يوم الخميس العاشر من نوفمبر عام 1938 عن عمر ناهز سبعة وخمسين عاماً، فحُنّط جثمانه على يد البروفيسور لطفي أقسو ووُضع في تابوت من خشب الورد المبطن بالرصاص داخل متحف الإثنوغرافيا في أنقرة لمدة خمسة عشر عاماً كاملة، إلى أن نُقل في العاشر من نوفمبر عام 1953 ليُوارى الثرى في ضريحه الضخم «آنيت كابير» وسط تراب جُلب من جميع ولايات الجمهورية التي صنعها بيده.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!