لم يكن يتصور أن اللحظة التي يفقد فيها حريته ستصبح بداية أعظم تحول في حياته، ولا أن الرجل الذي كان يبغضه أشد البغض سيغدو أحب الناس إلى قلبه. فقد دخل المدينة المنورة أسيرًا، يحمل في صدره عداوة للإسلام ورسوله، ثم غادرها مؤمنًا بالله، معلنًا شهادة التوحيد، بعدما اكتشف أن القوة الحقيقية لا تتجلى دائمًا في القدرة على العقاب، وإنما قد تظهر في العفو عمن أصبح تحت سلطان المنتصر.
إنها القصة الحقيقية لثمامة بن أُثال الحنفي، أحد سادة بني حنيفة وأهل اليمامة، كما رواها الصحابي أبو هريرة رضي الله عنه، وأخرجها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما. وهي من الوقائع الثابتة في السيرة النبوية التي تكشف كيف استطاعت المعاملة الكريمة أن تفتح قلب رجل لم يكن قبلها يرى في الإسلام إلا دينًا يعاديه، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خصمًا يبغضه.
بدأت الأحداث حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية من الفرسان باتجاه نجد، فعادت ومعها رجل من بني حنيفة يُدعى ثمامة بن أُثال، دون أن تورد الرواية الصحيحة تفصيلًا عن الظروف التي وقع فيها أسيرًا. وكان ثمامة صاحب مكانة بين قومه، حتى وصفه الإمام مسلم في روايته بأنه سيد أهل اليمامة، وهي منزلة جعلت أسره حدثًا ذا أهمية، لما كان يتمتع به من نفوذ ومكانة اجتماعية.
وصل ثمامة إلى المدينة، فربطه المسلمون بسارية من سواري المسجد النبوي، وهناك وجد نفسه في موقف لم يألفه؛ فقد أصبح أسيرًا لدى الرجل الذي كان يعاديه، ينتظر قرارًا قد يحدد مصيره. ولم يكن يعلم أن الأيام القليلة المقبلة ستقلب نظرته إلى الإسلام رأسًا على عقب.
خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عن حاله وما عنده، فأجابه ثمامة بكلام يعكس اعتزازه بنفسه ومكانته؛ إذ أوضح أنه إن قُتل فقد قُتل رجل له شأن، وإن أُحسن إليه فسيكون شاكرًا للمعروف، وإن كان المطلوب مالًا فإنه مستعد لبذله.
كانت إجابة رجل يدرك خطورة موقفه، لكنه لم يلجأ إلى التذلل أو التوسل، وإنما عرض الاحتمالات التي رآها أمامه. ومع ذلك، لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، ولم يطلب منه فدية، بل تركه دون أن يحسم أمره.
ومضى اليوم الأول، ثم عاد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي، وسأله عن موقفه، فلم يغير ثمامة جوابه. وتركه النبي مرة أخرى، حتى جاء الثالث، فعاد السؤال وعاد معه الجواب نفسه، وكأن الرجل ما زال ينظر إلى ما يجري من زاوية الأسير الذي ينتظر قرار المنتصر.
غير أن المفاجأة جاءت حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه قائلًا: «أطلقوا ثمامة».
لم يكن في الأمر مساومة على مال، ولا اشتراط لإعلان الإسلام، ولا طلب لتعهد يضمن ولاء الرجل بعد إطلاق سراحه. فقد صدر الأمر بإطلاقه، وأصبح ثمامة حرًا في أن يمضي حيث يشاء.
وهنا أخذت القصة مسارًا مختلفًا تمامًا؛ فبدل أن يغادر المدينة عائدًا إلى قومه، توجه ثمامة إلى ماء قريب من المسجد، فاغتسل، ثم عاد إلى المسجد النبوي، لا باعتباره أسيرًا ينتظر مصيره، وإنما رجلًا اختار بإرادته أن يعلن إسلامه.
وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونطق بالشهادتين، معلنًا إيمانه بالله ورسوله، ثم كشف بكلمات صادقة عن التحول العميق الذي وقع في نفسه.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن على وجه الأرض أحد أبغض إليه منه، فإذا به يصبح أحب الناس إليه، وأن الدين الذي كان أشد الأديان بغضًا إليه صار أحب الأديان إلى قلبه، وأن المدينة التي كان يكرهها أصبحت أحب البلاد إليه.
لم تكن تلك الكلمات مجرد إعلان لتغيير الانتماء الديني، بل شهادة صريحة على انقلاب المشاعر والمواقف. فقد تحول البغض إلى محبة، والعداء إلى إيمان، والنفور إلى ارتباط عميق بالدين الذي كان يرفضه.
وما يلفت الانتباه في هذه الحادثة أن ثمامة لم يعلن إسلامه وهو مقيد بسارية المسجد، بل بعدما أُطلق سراحه وأصبحت له حرية الاختيار. وهو تفصيل بالغ الدلالة، إذ يظهر أن إسلامه جاء بعد العفو عنه، لا في مقابل تحريره.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أخبر ثمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفرسان الذين أسروه أخذوه وهو في طريقه لأداء العمرة، وسأله عما ينبغي أن يفعل بعدما أسلم. فبشره النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يتم عمرته.
وهكذا خرج ثمامة من المدينة متجهًا إلى مكة، لكن الرجل الذي وصل إليها لم يعد يحمل العقيدة نفسها التي كان عليها قبل أسره. لقد تغير موقفه من الإسلام ورسوله، وأصبح مستعدًا لإعلان ذلك أمام من كانوا يعرفونه على غير هذا الدين.
وحين وصل مكة، استغرب أحدهم ما طرأ عليه، وسأله عما إذا كان قد ترك دين قومه، فأجابه بأنه أسلم مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أعلن موقفًا جديدًا تجاه قريش، فأقسم ألا تصل إليهم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان لهذا التصريح وزن خاص، لأن اليمامة كانت من المناطق المعروفة بإنتاج الحبوب، وكان ثمامة من أصحاب النفوذ فيها.
غير أن المعنى الأبرز في القصة لا يكمن في هذا الموقف الاقتصادي، وإنما في التحول الذي سبقه. فقد كان ثمامة قادرًا على أن يعود إلى قومه بعد إطلاق سراحه دون أن يغير معتقده، لكنه اختار الإسلام، ثم أعلن انتماءه الجديد في مكة دون أن يخفيه عن الناس.
وتنسجم هذه الحادثة مع المعنى العظيم الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [سورة البقرة: 256]، كما تذكر بقوله سبحانه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فصلت: 34].
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!