الأربعاء 21 أكتوبر 2026
عاجل
إعلان
SPONSORInvestissez dans l'énergie solaire au Maroc avec les solutions GreenPower
Découvrir
وطنية

وثائق حرب الرمال: شرارة الحدود والذاكرة

وثائق تاريخية وأرشيفية تسلط الضوء على جذور حرب الرمال بين المغرب和الجزائر في خريف عام 1963، فضلاً عن تفاصيل المواجهات العسكرية والوساطات الدبلوماسية.

WhatsApp Image 2026-10-21 at 19.47.28

تعود الجذور التاريخية لحرب الرمال، التي اندلعت بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في خريف عام 1963، إلى الموروث الاستعماري المعقد الذي تركته الإدارة الفرنسية في شمال إفريقيا منذ القرن التاسع عشر. لم تكن تلك المواجهة العسكرية الخاطفة وليدة لحظة عابرة، بل كانت نتيجة لأكثر من 100 عام من الاقتطاعات الجغرافية والخطوط العسكرية المتحركة التي رسمها الضباط الفرنسيون في أعماق الصحراء الشرقية. فبعد هزيمة الجيش المغربي في معركة إيسلي سنة 1844، فرضت فرنسا على السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام توقيع معاهدة للا مغنية في 18 مارس 1845. وفي هذه المعاهدة، حرصت باريس على ترسيم الحدود بدقة على مسافة لم تتجاوز 160 كيلومتراً من ساحل البحر الأبيض المتوسط وحتى منطقة تثنية الساسي، تاركة المجال الصحراوي الممتد نحو الجنوب دون ترسيم جغرافي. وتحت ذريعة المادة 4 من المعاهدة القائلة بأن «الأرض الصحراوية لا مَاءَ لها ولا تُزرع فلا حاجة لتعيينها»، اكتفت بالإشارة إلى تبعية القبائل ومخيماتها للسلطتين المغربية والفرنسية. غير أن التوغل العسكري الفرنسي مع مطلع القرن العشرين نحو واحات توات، وجورارة، وتيديكلت، تلاه السيطرة على كولومب بشار وخناقسة، وصولاً إلى دخول القوات الفرنسية مدينة تندوف سنة 1934، أدى إلى تغيير الخريطة على الأرض عبر خطوط إدارية وعسكرية أحادية الجانب، عرفت في الأرشيف العسكري الفرنسي بـ«خط فارنييه» سنة 1934 نسبة إلى المفوّض السامي موريس فارنييه، ثم «خط ترينكواند» سنة 1938 نسبة إلى العقيد ترينكواند. وقد اكتسبت هذه المنطقة أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة خلال خمسينيات القرن العشرين إثر اكتشاف احتياطات ضخمة من الحديد في غارا جبيلات جنوب تندوف، بقدرات تقدر بنحو 3.5 مليار طن، إلى جانب مناجم الفحم والمنغنيز ومؤشرات البترول والغاز في حوض بشار.

وعندما استعاد المغرب استقلاله في 2 مارس 1956، حاولت الحكومة الفرنسية استمالة العاهل المغربي الراحل الملك محمد الخامس لترسيم الحدود الصحراوية واسترجاع أجزاء من تلك الأراضي عبر مفاوضات ثنائية مع باريس، مقابل وقف الدعم اللوجستي والعسكري المغربي لجبهة التحرير الوطني الجزائرية وإغلاق قواعد الإسناد لجيش التحرير في وجدة والجهة الشرقية. إلا أن الأرشيف المغربي يوثق الرفض القاطع للملك محمد الخامس لما أُطلق عليه انذاك «الاتفاق المشبوه»، مفضلاً إرجاء الملف الحدودي إلى ما بعد استقلال الجزائر كي لا ينسج التاريخ أن الرباط تفاوضت مع المستعمر على دماء الثوار الجزائريين. وقد أكد هذا الموقف أيضاً زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي، الذي قاد حملة تطالب بالحدود التاريخية للمملكة من تندوف وبشار إلى نهر السنغال. وكرد على الرفض المغربي، أقر البرلمان الفرنسي في 10 يناير 1957 قانوناً لإنشاء المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (OCRS) لفصل الصحراء إدارياً وعسكرياً عن كل من المغرب والجزائر، في رغبة فرنسية للاحتفاظ بالثروات المعدنية والنفطية، وكذا قاعدة التجارب النووية الفرنسية في ريجان وقاعدة التجارب الكيميائية في B2 ناموس جنوب بشار. وإدراكاً منه لخطورة المناورات الفرنسية، بادر الملك الشباب الحسن الثاني، بعد أشهر قليلة من اعتلاء العرش، إلى توقيع وثيقة أرشيفية بالغة الأهمية في 6 يوليو 1961 بالرباط مع فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. ونص النص صراحة على أن «المشكلة الإقليمية التي فرضها الاستعمار الفرنسي تعسفاً بين البلدين ستجد حلها في إطار مفاوضات ثنائية مباشرة بين الحكومة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة»، مع الاتفاق على تشكيل لجنة مختلطة مغربية-جزائرية تجتمع في أقرب وقت بعد استقلال الجزائر، والتأكيد على أن أي اتفاق قد توقعه الحكومة المؤقتة الجزائرية مع فرنسا لن يكون ملزماً للمغرب فيما يخص أراضيه التاريخية.

لكن الرياح السياسية التي هبت في الجزائر منذ توقيع «اتفاقيات إيفيان» في 18 مارس 1962 وإعلان الاستقلال في 5 يوليو 1962 غيرت الوضع رأساً على عقب. فقد تنازل الرئيس الفرنسي شارل ديغول عن السيادة الإدارية للصحراء للدولة الجزائرية مقابل احتفاظ فرنسا بامتيازات بترولية وقواعدها العسكرية والنووية في الصحراء لمدة 5 سنوات. وبعد ذلك، أطاح تحالف «مجموعة تلمسان»، بقيادة أحمد بن بلة وأركان حرب «جيش الحدود» المرابط في وجدة بقيادة العقيد هواري بومدين، بالحكومة المؤقتة برئاسة فرحات عباس ثم بن يوسف بن خدة. وهكذا، صعدت إلى السلطة نخبة ثورية ذات توجه اشتراكي راديكالي كانت تنظر بريبة إلى الملكية المغربية وتعتبر اتفاق 6 يوليو 1961 غير ملزم للدولة الجزائرية الفتية. وقد اندلعت الشرارات الأولى على الأرض في صيف وخريف عام 1962 في مدينة تندوف، حيث كشفت وثائق الأرشيف أن شيوخ قبائل الرقيبات وتاكنة رفعوا الأعلام المغربية ولافتات تحمل شعار «نعم لاستقلال فرنسا، لكننا مغاربة» أثناء استفتاء تقرير المصير. وقد قاط العديد من السكان المحليين الانتخابات المجلس التأسيسي الجزائري في 20 ستمبر 1962، مما دفع قوات جيش التحرير الوطني الجزائري إلى التدخل بقوة السلاح لإخماد التمرد القبلي في تندوف، وسط سقوط عشرات القتلى وفرار وفود قبلية نحو الرباط لمبايعة الملك الحسن الثاني والمطالبة بالحماية العسكرية.

وفي محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد، قام الملك الحسن الثاني بأول زيارة رسمية له إلى الجزائر المستقلة بين 13 و15 مارس من عام 1963، وهي زيارة يروي تفاصيلها العاهل المغربي في مذكراته «التحدي» و«ذاكرة ملك»، مؤكداً أنه ناقش الأمر على انفراد مع الرئيس أحمد بن بلة حول تطبيق اتفاق فرحات عباس. وطلب منه بن بلة التمهل بالقول: «أرجوك أن تمنحني الوقت ريثما أستقيم مؤسساتي الدستورية وأتولى مقاليد الحكم كرئيس منتخَب للجمهورية، وحينها سنحل مشكلتنا الحدودية». بيد أن اغتيال وزير الخارجية الجزائري محمد خميستي في 11 أبريل 1963 وتعيين الشاب عبد العزيز بوتفليقة (البالغ من العمر 26 عاماً آنذاك) خلفاً له تزامن مع هوة سياسية وإيدلوجية عميقة بين العاصمتين. وبعد إقرار الدستور الجزائري وانتخاب بن بلة رئيساً في 15 سبتمبر 1963، تراجع الزعيم الجزائري عن وعوده وصرح في خطاباته بأن «التراب الجزائري لا يقبل التجزئة، والأرض التي أُحرّرت بدماء 1.5 مليون شهيد لا يمكن التفاوض بشأنها ولا حتى على سنتيمتر واحد». وتزامن ذلك مع إيواء الجزائر لمعارضين مغربيين بارزين من «الاتحاد الوطني للفقرات الشعبية» إثر إعلان الرباط في 16 يوليو 1963 عن اكتشاف مؤامرة لاغتيال الملك والإطاحة بالنظام. ومن جهة أخرى، اندلع في الجزائر في 29 سبتمبر 1963 تمرد مسلح في منطقة القبائل بقيادة جبهة القوى الاشتراكي للحسين آيت أحمد والعقيد محند أولحاج. وسارع الرئيس بن بلة ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة في 30 سبتمبر 1963 إلى اتهام المغرب رسمياً بدعم متمردي القبائل وتحريك قواته على الحدود، وهو ما تلاه طرد آلاف العمال والتجار المغاربة من غرب الجزائر ومصادرة ممتلكاتهم، لترد السلطات المغربية بطرد تجار جزائريين من مدينة وجدة.

«أرجوك أن تمنحني الوقت ريثما أستقيم مؤسساتي الدستورية وأتولى مقاليد الحكم كرئيس منتخَب للجمهورية، وحينها سنحل مشكلتنا الحدودية»

مع إطلالة الأيام الأخيرة من سبتمبر وبداية أكتوبر من عام 1963، انتقل الصراع من الخطابات الإعلامية إلى الرمال الملتهبة. فقد أمر الملك الحسن الثاني والجنرال محمد أفقير وحدات من القوات المساعدة المغربية المرابطة في تكنوت بالتقدم نحو مركزي حاسي بيضاء وتنجوب للتموضع فيهما، وهما نقطتان استراتيجيتان تقعان في المنطقة الصحراوية غير المترسّمة وتتحكمان في الطريق الحيوي الذي يربط بين كولومب بشار وتندوف والصحراء الخاضعة حينها للاستعمار الإسباني. ورغم عقد اجتماع طارئ في مدينة وجدة في 5 أكتوبر 1963، اتفق فيه وزير الخارجية المغربي بالنيابة أحمد رضا كديرا ونظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة على هدنة مؤقتة والتحضير لقمة ثنائية بين الحسن الثاني وبن بلة، إلا أن فجر 8 أكتوبر 1963 حمل شرارة الحرب الفعلية. فقد شنت وحدات من جيش التحرير الوطني الجزائري هجوماً مباغتاً وعنيفاً على حاميتي حاسي بيضاء وتنجوب، أسفر عن مقتل 10 جنود مغاربة وأسر آخرين والسيطرة على المركزين من طرف القوات الجزائرية.

الملك الحسن الثاني، الذي اتخذ من مراكش مقراً لقيادته السياسية والعسكرية، أرسل على وجه السرعة في 9 أكتوبر وزير الإعلام والشبيبة والرياضة عبد الهادي باطالب إلى الجزائر لتقديم احتجاج شديد اللهجة وتفادي الانزلاق نحو حرب شاملة. ويروي باطالب في مذكراته «نصف قرن في السياسة» أن لقاءه بأحمد بن بلة ووهواري بومدين اصطدم بجدار مسدود، إذ أبلغه بن بلة بنبرة حاسمة أن حاسي بيضاء وتنجوب أرض جزائرية، رافضاً أي انسحاب أو تفاوض بشأن سيادتها. وحين عاد المبعوث المغربي خاوي الوفاض في 10 أكتوبر، ترأس الملك الحسن الثاني مجلساً وزارياً وعسكرياً أمر فيه القوات المسلحة الملكية، تحت قيادة الجنرال دريس بن عمر العلمي، باسترجاع المركزين بالقوة. وعند فجر 14 أكتوبر 1963، نجحت رتل من الجيش النظامي المغربي، مدعومة بالمدفعية الثقيلة ودبابات «إي.إم.إكس-13» فرنسية الصنع وغطاء جوي من مقاتلات «فوغا ماجيستر» و«تي-6»، في دحر القوات الجزائرية واستعادة السيطرة التامة على حاسي بيضاء وتنجوب بعد معارك ضارية. بل واصلت تقدمها جنوباً لتتمركز على مشارف مدينة تندوف على بعد 12 كيلومتراً فقط، في مفارقة تاريخية غريبة تابعت خلالها الحاميات الفرنسية التي لا تزال مرابطة في قواعد بشار ورجان تفاصيل المعارك عن كثب ودون تدخل مباشر.

أحدث السقوط السريع لحاسي بيضاء وتنجوب رجة قوية في الجزائر. فالجيش الجزائري الذي كان يقود أركانه العقيد الطاهر زبيري وتشرف على لوجستياته في الجبر الغربي الملازم الشاذلي بن جديد ومحمد صلاح يحياوي، رغم توفره على نحو 48 ألف جندي وخبرة طويلة في حرب العصابات أثناء ثورة الاستقلال، كان لا يزال في طور التحول إلى جيش نظامي ويفتقر إلى الطيران الحربي والدروع الثقيلة واللوجستيات الصحراوية، مقارنة بالجيش المغربي الأقل عدداً (نحو 35 ألف جندي) والأكثر حرفية وتجهيزاً وتسليحاً. وفي 15 أكتوبر 1963، أعلن الرئيس أحمد بن بلة التعبئة العامة وظهر في اليوم التالي 16 أكتوبر أمام المجلس التأسيسي وفي مهرجان حاشد بساحة الشهداء بالجزائر العاصمة مرتدياً لباسه العسكري الكاكي إلى جوار وزير دفاعه هواري بومدين. وهناك ألقى خطابه الشهير الذي مزج فيه بين الفصحى والعامية لرفع المعنويات، مترنماً بعبارته التي خلّدتها الأرشيفات السمعية والبصرية: «لقد حُقرنا! لقد حُقرنا من طرف المغاربة!»، داعياً محاربي حرب التحرير إلى حمل السلاح والزحف نحو الحدود تحت شعار «السلاح السلاح إلى الحدود!»، ومتعهداً بعدم خلع لباسه العسكري حتى يهزم ما سمّاه «العدوان الإمبريالي الإقطاعي». وقد نجح هذا الخطاب التعبوي في توحيد الجبهة الداخلية الجزائرية فوراً؛ فأعلن الحسين آيت أحمد والعقيد محند أولحاج من تيزي وزو تعليق تمردهما المسلح في منطقة القبائل للانضمام إلى صفوف الدفاع عن الوطن، بينما فتحت القيادة العسكرية الجزائرية جبهة شمالية جديدة بين 15 و18 أكتوبر بمهاجمة مركز العش المغربي وقصف واحة فكيك بالمدفعية لتخفيف الضغط العسكري الخانق على جبهة تندوف جنوباً.

«لقد حُقرنا! لقد حُقرنا من طرف المغاربة!»

وفي المقابل، ألقى الملك الحسن الثاني خطاباً تاريخياً من مراكش وجه فيه رسائل حاسمة داخلياً وخارجياً. وفي خطابه ورسالة الاحتجاج الموجهة للرئيس بن بلة، أشار قائلاً: «لم يكن المغرب قط بلداً عدوانياً، وأثبتنا قبل قليل وفاءنا لأخوة الكفاح، إلا أن كرامة المغرب ووحدة ترابه تعلو فوق كل اعتبار، ولن نقبل أن يكافئ صبرنا ووفاؤنا بالاعتداء على مراكزنا وقتل جنودنا. ومن طرق بابنا بالسلاح، سيجدنا مستعدين». وشهد المغرب بدوره التفافاً شعبياً وسياسياً واسعاً حول المؤسسة الملكية بقيادة حزب الاستقلال والحركة الشعبية، باستثناء المهدي بن بركة زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المنفى، الذي أصدر بياناً من القاهرة في 16 أكتوبر ندد فيه بالحرب ووصفها بـ«الحرب الرجعية الهادفة إلى ضرب الثورة الجزائرية وإلهاء الشعب المغربي عن أزمته الداخلية»، وهو موقف كلفه حكماً بالإعدام غيابياً بتهمة الخيانة صدر عن المحكمة العسكرية بالرباط في نوفمبر 1963. ومن التفاصيل العسكرية الدقيقة التي كشف عنها الأرشيف المغربي ومذكرات الحسن الثاني أن العقيد دريس بن عمر العلمي برقية إلى الملك يطلب فيها الإذن باقتحام مدينة تندوف بعد أن أصبحت مكشوفة عسكرياً أمام القوات الملكية. إلا أن الحسن الثاني رفض إعطاء الأمر بدخول المدينة، ناطقاً بمقولته الشهيرة: «لا تدخلوا تندوف؛ فالنيل منها عسكرياً سهل، أما الخروج من تبعاتها السياسية والدبلوماسية فسيكون صعباً»، واضعاً في حسبانه بحنكته الاستراتيجية أن احتلال تندوف سيحول المغرب أمام المنتظم الدولي ومنظمة الوحدة الإفريقية الناشئة من «مدافع عن حدوده» إلى «دولة غازية»، وسيمنح حلفاء الجزائر ذريعة لتدويل النزاع عسكرياً.

«لا تدخلوا تندوف؛ فالنيل منها عسكرياً سهل، أما الخروج من تبعاتها السياسية والدبلوماسية فسيكون صعباً»

اكتست حرب الرمال في الواقع أبعاداً دولية ساخنة جعلتها إحدى بؤر الحرب الباردة في العالم العربي وإفريقيا. فقد انحاز الرئيس المصري جمال عبد الناصر كلياً إلى نظام بن بلة الاشتراكي، وأطلقت إذاعة «صوت العرب» من القاهرة حملة إعلامية شرسة ضد الملكية المغربية. بل وصل الأمر بالرئيس المصري إلى إرسال جسر جوي وبحري من الأسلحة السوفيتية وقوات عسكرية مصرية لدعم الجيش الجزائري، بينما أطلق الزعيم الكوب فيدل كاسترو عملية سرية سُميت في أرشيف هافانا بـ«عملية بونياتو»، حيث أبحرت السفينتان الكوبيتان «أراسيليو إغليسياس» و«غونزاليس لاينز» والسفينة السوفيتية «أرالسك» باتجاه ميناء وهران في أواخر أكتوبر 1963، وهي تحمل وحدة عسكرية كوبية خاصة تضم 686 جندياً، و22 دبابة تي-34، و18 مدفع هاون عيار 122 ملم و18 مدفعاً مضاداً للدبابات عيار 57 ملم تحت قيادة القائد إيفيجينيو أميخيراس، لترابط في معسكر سيدي الشامي بضواحي وهران جاهزة للقتال إلى جانب الجزائر. ومن جهة أخرى، تكشف وثائق سرية مرفوعة عنها السرية من وكالة المخابرات المركزية (CIA) والخارجية الأمريكية أن إدارة الرئيس جون كينيدي، قبل أسابيع قليلة من اغتياله، امتنعت عن تلبية طلب مغربي بإمدادات عسكرية جوية عاجلة، خشية أن يدفع التدخل الأمريكي المباشر نظام بن بلة إلى التحول لقاعدة سوفيتية وكوبية دائمة في حوض المتوسط. وفي خضم هذا التورط الإقليمي، سُجل في 20 أكتوبر 1963 أحد أطراف حكايات أرشيف الحرب طرافة، حين اضطرت مروحية عسكرية جزائرية للهبوط خطأً في التراب المغربي بمنطقة عين الصغير بضواحي بوعرفة وفكيك، وعلى متنها 4 ضباط جزائريين و5 كبار مسؤولي القوات الجوية والاستخبارات المصرية كانوا في مهمة استطلاعية لدراسة مسرح العمليات. وكان بين هؤلاء الضباط المصريين العقيد الطيار محمد حسني مبارك، الذي سيصبح لاحقاً رئيساً لجمهورية مصر العربية. وقد عرض الوزير عبد الهادي باطالب الضباط المصريين الأسرى وجوازات سفرهم الرسمية أمام الصحافة الدولية بمراكش بعد محاولتهم الأولى التنكر في زي صحفيين، وهو الحدث الذي دفع المغرب لقطع علاقاته الدبلوماسية مع كوبا واستدعاء سفيره للتشاور من القاهرة وسوريا. بيد أن الملك الحسن الثاني أحسن توظيف ورقة الأسرى المصريين لاحقاً ببراعة سياسية استثنائية عبر اصطحاب حسني مبارك ورفاقه معه إلى قمة جامعة الدول العربية بالقاهرة في يناير 1964 وتسليمهم للرئيس عبد الناصر دون شروط مسبقة كبادرة لطي صفحة الخلافات.

ومع احتدام المعارك على جبهتي حاسي بيضاء وفكيك، وتصاعد المخاوف الإفريقية والغربية من انزلاق النزاع إلى حرب إقليمية مدمرة مع اقتراب الدبابات الكوبية من الجبهة، تدخلت الدبلوماسية الإفريقية بقيادة إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي الذي كان في زيارة رسمية للمغرب منتصف أكتوبر، والرئيس المالي موديبو كيتا. وبعد اتصالات مكوكية مضنية وفشل اجتماع تمهيدي في مراكش يوم 20 أكتوبر، نجح الزعيمان الإفريقيان في إقناع الملك الحسن الثاني والزئيس أحمد بن بلة بالجلوس إلى طاولة مفاوضات مباشرة في العاصمة المالية باماكو يومي 29 و30 أكتوبر 1963. توثق محاضر «مؤتمر باماكو» أجواء التوتر الشديد التي طبعت الجلسات الأولى حين فُرشت الخرائط العسكرية على الطاولة؛ إذ جادل الملك الحسن الثاني بأن الوثائق الرسمية الفرنسية نفسها لم تطلق قط على خطي «فارنييه» و«ترينكواند» مصطلح «حدود دولية»، بل وصفتها حرفياً بـ«خطوط العمليات والمراقبة البوليسية». وأثمر الضغط الإفريقي أخيراً عن توقيع القادة الأربعة (الحسن الثاني، أحمد بن بلة، هيلا سيلاسي، وموديبو كيتا) في 30 أكتوبر 1963 «اتفاق باماكو» التاريخي، القاضي بوقف إطلاق النار فوراً ابتداءً من ليلة 1 إلى 2 نوفمبر 1963، وتشكيل لجنة عسكرية رباعية تضم ضباطاً مغاربة (تحت إمرة العقيد محمد المدبوح)، وجزائريين، وإثيوبيين، وماليين لتحديد منطقة منزوعة السلاح، ونشر مراقبين عسكريين من إثيوبيا ومالي للسهر على احترام الهدنة داخلها. كما دُعي مجلس وزراء خارجية منظمة الوحدة الإفريقية لاجتماع استثنائي طارئ في أديس أبابا لتشكيل لجنة تحكيم خاصة تتولى تحديد المسؤوليات في اندلاع القتال، ودراسة جوهر النزاع الحدودي، وتقديم مقترحات لحله.

ورغم أن المدفعية عادت للقرع بقوة حول واحة فكيك ومرتفعات بني ونيف في 1 نوفمبر 1963 في محاولة أخيرة من كل طرف لتحسين مواقعه التفاوضية قبل دخول الهدنة حيز التنفيذ، فإن وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ بين 2 و5 نوفمبر 1963. وبهذا وضعت الحرب أوزارها بعد شهر تقريبا من المعارك التي خلفت، حسب تقديرات أرشيفية متقاطعة، مئات القتلى والجرحى في صفوف الجانبين (تحدثت المصادر الجزائرية عن بين 300 و850 قتيلاً، بينما قدرت الخسائر المغربية بين 39 و200 قتيلاً)، فضلاً عن نحو 379 أسيراً جزائرياً ونحو 50 أسيراً مغربياً. وفي الفترة بين 15 و18 نوفمبر 1963، اجتمع وزراء خارجية منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا حيث قدم أحمد رضا كديرا وعبد العزيز بوتفليقة مرافعات مطولة؛ استند فيها المغرب إلى الحجج التاريخية والاتفاقيات الثنائية الموقعة قبل الاستقلال، بينما تحصنت الجزائر بمبدأ «عدم انتهاك الحدود الموروثة عن الاستعمار». وانتهى الاجتماع بإنشاء لجنة التحكيم الخاصة المشكلة من 7 دول هي: إثيوبيا، مالي، السنغال، ساحل العاج، السودان، تنجانيقا، ونيجيريا. وتوجت المساعي العسكرية والدبلوماسية بتوقيع اتفاق نهائي لفض الاشتباك في 20 فبراير 1964، بموجبه انسحبت القوات المغربية من حاسي بيضاء وتنجوب إلى مواقعها ما قبل 1 أكتوبر، مقابل انسحاب القوات الجزائرية من المرتفعات المطلة على فكيك ومركز العش، وإنشاء منطقة التهدئة منزوعة السلاح وتبادل الأسرى بين البلدين منتصف أبريل 1964.

هكذا انتهت حرب الرمال عسكرياً بالعودة إلى الوضع على الأرض لما قبل اندلاعها، ودون أي تغيير في الخريطة الحدودية. لقد انتصرت الجزائر دبلوماسياً بتكريس مبدأ «عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار» خلال قمة منظمة الوحدة الإفريقية بالقاهرة في يوليو 1964، بينما حاز النظام الملكي المغربي تفوقاً تكتيكياً-عسكرياً وتماسكاً داخلياً قوياً. ورغم أن البلدين طويا لاحقاً صفحة التوترات بتوقيع «معاهدة إفران» لحسن الجوار والأخوة في 15 يناير 1969 بين الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين (الذي أطاح ببن بلة في انقلاب 19 يونيو 1965)، ثم التوقيع اللاحق على «اتفاقية الرباط» لترسيم الحدود والاستغلال المشترك لمنجم غارا جبيلات في 15 يونيو 1972، فإن جراح خريف 1963 ظلت حاضرة في العقيدة العسكرية والسياسية للبلدين. وظلت حرب الرمال بذلك في الأرشيف المغاربي نقطة التحول الجوهرية التي شكلت معادلات التنافس الإقليمي وألقت بظلالها الثقيلة على مسار العلاقات المغربية-الجزائرية لعقود طويلة.

اقرأ هذا المقال بـ : EnglishEspañolFrançais

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

أضف تعليقا