على مائدة العشاء، وبين لقمة وأخرى، فاجأتني ابنتي البالغة أربعة عشر عامًا بقولها إن الجميع في المدرسة ينعتونها بالملحدة. لم تكن، بحسب ما روت، قد أنكرت وجود الله، ولا سخرت من دين، ولا تطاولت على مقدّس؛ كل ما فعلته أنها سألت زملاءها: ماذا لو أن الدين الذي ندين به لم يكن هو الدين الحق؟ وكيف نعرف أن الله موجود؟
سؤالان لم تجد لهما جوابًا يطمئنها. وبحسب روايتها، قوبلت حيرتها بالحديث عن الشرك وضرورة معرفة العبادات والطاعات، حتى شعرت بأن السؤال نفسه تهمة. ولم يكن أكثر ما آلمني أنها سألت، بل أنها عادت بانطباع أن عليها أن تخفي سؤالها كي لا يُساء الظن بها.
وأنا والدها، الذي درس في التعليم الأصيل وتخرّج في الشريعة، وجدت نفسي أمام تقصير لا يصح أن ألقيه كله على المدرسة. فقد افترضت طويلًا أن ما استقر في نفسي من الإيمان سيستقر في نفسها تلقائيًا، وأن ما تسمعه عن الدين يكفي لبناء فهمها له. لكن تلك الليلة كشفت لي أن أبناءنا قد يحفظون أجوبة كثيرة، ثم يبقون وحدهم أمام الأسئلة التي تعنيهم حقًا.
لم أجد بداية أصدق من الإصغاء: أن أفهم ما تسأل عنه قبل أن أستعجل الرد، وأن أميّز بين رغبتها في المعرفة وبين الأحكام التي أُلصقت بها. فالسؤال عن دليل الاعتقاد ليس في ذاته إنكارًا له، وطلب الفهم لا يساوي السخرية أو العناد. وقد يكون السؤال أول علامة على أن الابن بدأ يتعامل مع ما تعلّمه بوعي ومسؤولية.
في قراءتي للإسلام، لا يقوم الإيمان على تعطيل العقل، ولا تُغني كثرة المحفوظات عن فهم معانيها. فالقرآن يدعو إلى النظر في الكون، والتفكر في النفس، والتدبر في الوحي، ويطالب أصحاب الدعاوى ببرهانهم. والعبادة في هذا السياق صلة بالله تتغذّى من المعرفة والمحبة، وتعود بدورها فتقوّي الإيمان وتربّي القلب. وقد أُثر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله:
«تفكّر ساعة خير من قيام ليلة»
، وهو أثر موقوف عليه صحيح الإسناد، رواه ابن أبي شيبة والبيهقي، لا حديث مرفوع كما يشيع على الألسنة.
ومن أبلغ ما يعبّر عن مكانة التفكر حديث عائشة رضي الله عنها في قيام النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً يبكي حتى بلّ الأرض، فلمّا رآه بلال سأله: لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم وما تأخّر؟ فأخبر بنزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190)، وقال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ … ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكّر فيها»
. رواه ابن حبّان في صحيحه، وصحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة. فالمشهد يجمع العبادة والشكر والتأمل، ويذكّر بأن قراءة الآيات لا تستوفي غايتها إذا غاب النظر في معانيها.
وتصف الآيات التالية أولي الألباب بأنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191). إنها تجمع الذكر والفكر والدعاء والعمل في حياة إيمانية واحدة. ولا يلزم أن نستخرج منها ترتيبًا زمنيًا واحدًا يسلكه جميع الناس؛ فقد يقود النظر إلى الإيمان، وقد يزيد المؤمن إيمانًا، وقد تفتح العبادة لقلبه بابًا من الفهم لم يكن قد انتبه إليه.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف نمنع أبناءنا من التفكير؟ بل: كيف نعينهم على أن يفكروا بصدق، ويميّزوا بين الدليل والانطباع، ويعرفوا أن الاعتراف بعدم المعرفة بداية للتعلم؟
وفي قصة إبراهيم عليه السلام ما يضيء هذا المعنى. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: 260). فقد أثبت إيمانه بقوله «بلى»، وطلب أن يشاهد كيفية الإحياء لتزداد طمأنينته. لا يصح أن نجعل هذا دليلًا على أنه شك في قدرة الله، كما لا يصح أن نغفل ما في القصة من تعليم: طلب المزيد من البيان لا يناقض أصل الإيمان.
والاستفادة من هذا المعنى في تربية أبنائنا لا تعني مساواة تجاربهم بمقامات الأنبياء؛ وإنما تعني أن زيادة الطمأنينة مقصد معتبر، وأن الجواب أهدى من التوبيخ حين يكون السؤال صادقًا.
أما سؤال ابنتي عن الدين الموروث، فيلامس قضية عرضها القرآن مرارًا، حين انتقد اتخاذ تقليد الآباء حجة كافية لرفض الحق. فالانتماء الذي نتلقاه من الأسرة يمنحنا بداية، لكنه لا يعفينا من الفهم. ولا يكفي أن نقول لابن يسأل عن صحة اعتقاده: هذا ما وجدنا عليه أهلنا؛ إذ يستطيع ابن كل دين أن يسمع الجواب نفسه.
وقد عبّر أبو حامد الغزالي في «المنقذ من الضلال» عن انشغاله بأثر النشأة في اعتقادات الناس، وعن رغبته في تمييز المعرفة التي يطمئن إليها من التقليد الذي تلقّاه في صغره. وتبقى تجربته تجربة فكرية وروحية لها سياقها، لا وصفة يجب أن يمر بها كل مؤمن. فليس مطلوبًا من الإنسان أن يصطنع الشك حتى يصح إيمانه، لكن من عرضت له حيرة يحتاج إلى من يعينه على فهمها، لا إلى من يدفعه إلى إخفائها.
وقد اختلف العلماء في طرائق تقرير معرفة الله، وفي منزلة الفطرة والنظر والاستدلال، وتنوّعت عباراتهم في أول واجب على المكلّف. ولا حاجة إلى تحميل حوار مع فتاة في الرابعة عشرة تفاصيل هذا الخلاف كله؛ يكفينا هنا إدراك أن الناس تختلف أسئلتهم ومداخل فهمهم، وأن جوابًا يطمئن شخصًا قد يترك لدى آخر أسئلة تحتاج إلى مزيد من البيان.
لكن الدفاع عن حق ابنتي في السؤال لا يكفي وحده. فقد سألت: كيف نعرف أن الله موجود؟ وهذا سؤال يستحق جوابًا يتجاوز القول إن السؤال مسموح.
ومن المداخل القرآنية إلى هذا الجواب قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: 35). توجه الآية النظر إلى أصل وجود الإنسان: هل أوجد نفسه، أم وُجد بلا مُوجِد؟ فالإنسان لم يكن موجودًا ثم وُجد، ولا يستطيع أن يمنح نفسه الوجود قبل أن يوجد. ومن هنا يبدأ الاستدلال بافتقار الموجود الحادث إلى مُوجِد.
ولا يقوم هذا الاستدلال على عبارة «كل موجود له خالق»، وإلا عاد السؤال إلى الخالق نفسه؛ بل على أن ما يحدث بعد أن لم يكن يحتاج إلى تفسير لوجوده. وفي التصور الإيماني، الله ليس حلقة أخرى من المخلوقات، وإنما هو الخالق الذي لا يستمد وجوده من غيره. وهذه حجة تحتاج إلى شرح مقدماتها ومناقشة الاعتراضات عليها، لا إلى إلقائها في عبارة سريعة ثم مطالبة السائل بأن يصمت.
وهناك أيضًا التأمل في انتظام الكون وقابليته للفهم، وفي الحياة والوعي، وفي أسئلة الغاية والمعنى. وهذه أبواب للتفكر والاستدلال، وليست بديلًا عن البحث العلمي في كيفية عمل الطبيعة. ولا ينبغي أن نربط الإيمان بفراغ في معرفتنا، فنقول إن كل ما عجزنا اليوم عن تفسيره دليل مستقل على وجود الله؛ إذ قد يتقدم العلم في تفسير الظاهرة، بينما يبقى السؤال عن أصل الوجود وأساسه مطروحًا على مستوى آخر.
أما السؤال الثاني، عن صحة الدين الذي ندين به، فلا يُحسم تلقائيًا بمجرد الاستدلال على وجود خالق. إنه يحتاج إلى بحث في الوحي والنبوة، وفي دلائل صدق الرسالة ومضمونها ومصادرها. ومن الأمانة مع أبنائنا أن نفصل بين السؤالين، وأن نعطي كلًا منهما حقه، بدلًا من أن نقدّم جوابًا عن أحدهما كأنه يغني عن الآخر.
وهنا تأتي منزلة تدبر القرآن: أن نقرأه لفهم معانيه وسياقاته وحججه، لا لمجرد جمع آيات نضعها في مواجهة السؤال. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29). والتدبر يقتضي التمهّل والتعلّم، والتمييز بين النص وفهمنا له، وبين ما نعرفه وما نحتاج فيه إلى سؤال أهل الاختصاص.
كذلك ينبغي التمييز بين سؤال معرفي يريد صاحبه جوابًا، وخاطر عابر يكرهه، ووسواس يتكرر ويؤذيه. فهذه أحوال مختلفة، ولا يصح أن نعاملها جميعًا بوصفها موقفًا عقديًا واحدًا. وفي صحيح مسلم أن بعض الصحابة ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم خواطر يستعظمون النطق بها، فقال:
«ذاك صريح الإيمان»
. وقد فُهم ذلك في ضوء نفورهم من تلك الخواطر واستعظامهم لها، لا على أن مضمونها نفسه إيمان. وفي هذا ما يمنع التسرع في الحكم على الإنسان بسبب ما يعرض في نفسه.
ولست أقول إن تعليم الأبناء الصلاة والطاعات خطأ، أو إنه يجب تأجيله حتى تنتهي أسئلتهم؛ فالتربية على العبادة، وبناء الخلق، وتعميق المعرفة، أمور تتكامل. وإنما الخطأ أن نجعل الأمر بالعبادة جوابًا وحيدًا عن سؤال يطلب دليلًا، أو أن نفترض أن كثرة التوجيه تغني عن حسن الإصغاء.
وأعرف أيضًا أن المعلم قد يفاجَأ بسؤال لا يحضر جوابه، كما قد يفاجَأ الأب. وليس في قوله «لا أعلم، وسأبحث معك» ما ينتقص من مكانته؛ بل فيه درس عملي في الصدق. أما الجواب المتعجل، أو التهديد، أو إطلاق الأوصاف، فقد يترك أثرًا أبعد من السؤال نفسه، ويدفع الابن إلى الصمت أمامنا من غير أن تزول حيرته.
ومسؤولية المدرسة لا تقف عند تقديم الإجابة؛ بل تشمل حماية التلميذ من السخرية والوصم بسبب أسئلته. فإذا تحوّل وصف «الملحدة» إلى وسيلة لإحراج فتاة أمام زملائها، وجبت معالجة هذا السلوك، وتعليم الجميع أن مناقشة الأفكار لا تبيح إهانة أصحابها، وأن السؤال يُقابَل بالحوار، لا بمحاكمة النيات.
ابنتي لم تقل لي إنها أنكرت الله؛ قالت إنها تريد أن تعرف. وواجبي أن آخذ كلامها بجدية، وأن أطمئنها إلى أن محبتها ومكانتها عندي لا تتوقفان على إخفاء أسئلتها. كما أن دوري لا يقتصر على ردّ تهمة عنها، بل يشمل أن أتعلم كيف أحاورها، وأن أعترف بأن ما أقنعني قد يحتاج إلى شرح مختلف كي تفهمه هي.
لا أخشى أن تسأل ابنتي، وإنما أخشى أن تتعلم أن السؤال لا يجد عندنا إلا الاتهام. ولا أريدها أن تحفظ يقيني بلسانها، بينما تبقى حيرتها وحيدة في قلبها. أريد أن تكون علاقتنا مساحة تستطيع فيها أن تفكر وتتكلم، وأن تجد من يسمعها حتى حين لا يملك جوابًا حاضرًا.
فإذا سألك ابنك أو ابنتك: كيف نعرف أن الله موجود؟ فلا تبدأ بالحكم عليه، ولا تستعجل إغلاق الحديث. اسأله عما يقصده، وأصغِ إلى ما يشغله، ثم شاركه ما تعرفه بوضوح ورفق. وإذا انتهى علمك عند سؤال، فقل: لا أعلم، ولكننا نستطيع أن نبحث ونتعلم. فالثقة التي تحفظها في تلك اللحظة قد تكون بداية حوار يمتد سنوات، ويثمر فهمًا أعمق وإيمانًا أكثر وعيًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!