أفرزت صناديق الاقتراع في إسرائيل مشهداً برلمانياً معقداً يُنذر بدخول البلاد في نفق جديد من الشلل المؤسسي؛ حيث عجزت المعسكرات السياسية المتنافسة عن تأمين عتبة الحسم البالغة 61 مقعداً لتشكيل الحكومة، وذلك وسط نسبة مشاركة قياسية بلغت نحو 77.7%، هي الأعلى منذ عام 1999، مما حوّل العملية الانتخابية برمتها إلى استفتاء مفتوح لم يُنهِ أزمة الشرعية ولا صراع البقاء السياسي.
وقد كرّست النتائج النهائية لفرز الأصوات تراجعاً لافتاً لمعسكر اليمين واليمين المتطرف بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي هبط رصيده من 64 مقعداً في كنيست 2022 إلى 53 مقعداً؛ توزعت بين حزب "الليكود" (27 مقعداً)، وحركتَي "شاس" و"الصهيونية الدينية" (6 مقاعد لكل منهما)، إلى جانب "يهودوت هتوراه" و"عوتسما يهوديت" (7 مقاعد لكل طرف). في المقابل، استقر معسكر المعارضة بقيادة رئيس أركان الجيش السابق جادي آيزنكوت عند 48 مقعداً، تصدرها حزبه الصاعد "يشار" بـ21 مقعداً، يليه تحالف "معاً" بزعامة نفتالي بينيت ويائير لبيد بـ12 مقعداً، ثم حزب "الديمقراطيون" بـ8 مقاعد، و"إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيجدور ليبرمان بـ7 مقاعد.
وتجلّى التحول الأهم في الصعود التاريخي لتمثيل فلسطينيي الداخل بحصول القائمتين العربيتين على 19 مقعداً (11 مقعداً لـ"القائمة المشتركة"، و8 مقاعد لـ"القائمة العربية الموحدة"), وهو الحضور النيابي الأوسع لهما في تاريخ الكنيست، مما وضعهما في قلب الحسابات التكتيكية رغم محاولات الإقصاء السياسي الممنهج. وتزامن هذا المشهد مع سقوط قوائم حزبية واحتجاجية عديدة تحت نسبة الحسم الانتخابية (3.25%), من بينها حركات تمثل جنود الاحتياط وتيارات اقتصادية ناشئة؛ حيث أدى تبدد مئات الآلاف من هذه الأصوات خارج أسوار الكنيست إلى تعميق العجز الحسابي لدى المعسكرين، وحرمان أي منهما من الاستفادة من فائض المقاعد لكسر حاجز التعادل السلبي.
وفي خطوة استباقية عكست حدة الاستقطاب، لم ينتظر معسكر المعارضة بدء المشاورات الرئاسية الرسمية لدى الرئيس يتسحاق هرتسوج؛ بل سارع إلى تفعيل قوته العددية المشتركة مع النواب العرب، والبالغة 67 مقعداً، للتحرك نحو الإطاحة برئيس الكنيست أمير أوحانا المنتمي لحزب الليكود، وفرض رئيس جديد للمجلس التشريعي لضمان السيطرة على جدول الأعمال البرلماني. وقد قوبلت هذه الخطوة بمقاومة شرسة من حزب الليكود، الذي طالب بالوقف الفوري لإجراءات التصويت معتبراً أن الاعتماد على أصوات الكتل العربية يفتقر إلى التفويض السياسي المشروع.
وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد نتنياهو وحلفائه لنبرة التشكيك في نزاهة النتائج، عبر توجيه اتهامات بوقوع "تزوير ممنهج" و"تدخلات خارجية" موّلت صعود القوائم العربية، سعياً لامتصاص صدمة خسارة الأغلبية. غير أن هذه الرواية سرعان ما اصطدمت بمواقف حاسمة من المؤسسات الرسمية؛ إذ نفت لجنة الانتخابات المركزية وجود أي تزوير واسع النطاق مؤكدة استقرار توزيع المقاعد حتى بعد فرز مئات الآلاف من "المظاريف المزدوجة"، في حين أكدت الشرطة الإسرائيلية انعدام أي مؤشرات أو أدلة استخباراتية تدعم فرضية سرقة الأصوات، وحصر جهاز الأمن العام (الشاباك) تحقيقاته في محاولات تأثير سيبراني أجنبي لم تمس جوهر عملية الفرز الميدانية. وعلى الصعيد الدبلوماسي، نفت وزارة الخارجية القطرية بصورة قاطعة الادعاءات الإسرائيلية بشأن دعم أي طرف، معتبرة إياها توظيفاً لأجندات حزبية ضيقة، وهو ما شددت عليه قيادات القوائم العربية التي نددت بحملات التحريض والتشويه.
واليوم، تنتظر أي شخصية تُكلف بتشكيل الحكومة شبكة معقدة من الألغام السياسية؛ تبدأ من إصرار أحزاب "الحريديم" على سن تشريع يعفي طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية وهو خط أحمر بالنسبة لحزبي "يشار" و"إسرائيل بيتنا"، مروراً بفيتو التحالف مع الأحزاب العربية الذي يرفضه أقطاب في المعارضة كليبرمان وبينيت بالتوازي مع الشروط الصارمة التي وضعها آيزنكوت حول الهوية الصهيونية، وصولاً إلى عقدة نتنياهو المتمثلة في رفض المعارضة القاطع للجلوس تحت رئاسته مقابل تمسك الليكود به بصفته الزعيم الأوحد للمرحلة. وأمام هذا الانسداد المركّب، تبدو الساحة الإسرائيلية محكومة بسيناريوهات بالغة الضيق؛ فإما مسار شاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية هشة، أو بقاء نتنياهو على رأس حكومة تصريف أعمال لفترة طويلة، مما قد يعيد متوالية الذهاب إلى صناديق الاقتراع وتكريس الشلل السياسي الداخلي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!