لم يسبق في تاريخ إسرائيل البرلماني والسياسي منذ تأسيس الكنيست أن تمكن أي حزب بمفرده من حصد أغلبية الواحد والستين مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة، إذ فرض نظام التمثيل النسبي المطلق دائماً حتمية الائتلافات الحزبية المعقدة لتأمين النصاب. وتتجسد هذه القاعدة التاريخية بوضوح في أحدث معطيات فرز أصوات انتخابات الكنيست السادسة والعشرين، التي شهدت نسبة مشاركة شعبية مرتفعة بلغت 77.7%، حيث أسفر تقدم فرز الأصوات العادية إلى ما يقارب 77% عن ترسيخ حالة انقسام عميقة تعجز فيها المعسكرات الكبرى عن بلوغ عتبة الـ61 مقعداً. فقد تصدر حزب "الليكود" بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو النتائج بحصوله على 20.6% من الأصوات، وهو ما يمنحه 27 مقعداً برلمانياً كأكبر قوة سياسية، مستنداً إلى تحالف يميني وديني يضم حزب "يهدوت هتوراة" للحريديم الغربيين (7 مقاعد)، وحزب "شاس" للحريديم الشرقيين (7 مقاعد)، وقائمة "عوتسما يهوديت" القومية المتطرفة بقيادة إيتمار بن غفير (7 مقاعد)، وحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش (6 مقاعد)، ليصل مجموع معسكر نتنياهو إلى 54 مقعداً. وفي المقابل، برز حزب «يشار!» برئاسة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت كقوة رئيسية ثانية في الكنيست وكقائدٍ لمعسكر المعارضة بحصده 20 مقعداً برلمانياً بنسبة 15.9% من الأصوات (نحو 640 ألف صوت)، متقدماً على شركائه في معسكر التغيير: قائمة "بياحد" المشتركة بين نفتالي بينيت ويائير لبيد (11 مقعداً)، وحزب "الديمقراطيون" بقيادة يائير غولان (8 مقاعد)، وحزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان (8 مقاعد)، ليستقر إجمالي معسكر المعارضة الصهيوني عند 47 مقعداً. وتكتمل الخريطة بوزن نوعي للأحزاب العربية بلغ 19 مقعداً، متمثلاً في 13 مقعداً لـ"القائمة المشتركة" و6 مقاعد لـ"القائمة الموحدة" برئاسة منصور عباس، في وقت تترقب فيه الساحة فرز "المغلفات المزدوجة" الخاصة بجنود الجيش والدبلوماسيين، والتي قد تُحدث إزاحات طفيفة بين الفوائض الانتخابية دون كسر المعادلة الصفرية القائمة.
يدفع هذا العجز الحسابي المشهد مباشرة نحو القيود الدستورية المنصوص عليها في "قانون أساس: _الحكومة_"، والتي تبدأ بإجراء رئيس الدولة مشاورات ملزمة مع الكتل لتكليف المرشح الأوفر حظاً بمهلة أولى مدتها 28 يوماً قابلة للتمديد لمدة 14 يوماً إضافية، تنتقل بعدها في حال الفشل إلى مرشح ثانٍ بمهلة 28 يوماً غير قابلة للتمديد، ثم إلى مهلة الكنيست الجماعية المحددة بـ21 يوماً التي يحق فيها لأي نائب يجمع 61 توقيعاً تأليف الحكومة، قبل اللجوء القسري إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة. وطوال هذه المسارات المعقدة، تظل السلطة التنفيذية في عهدة حكومة تصريف أعمال مؤقتة لضمان استمرارية الدولة ومواجهة الطوارئ الأمنية، إلا أنها تخضع لتقييدات قضائية صارمة أرستها المحكمة العليا والمستشارة القضائية بموجب "مبدأ ضبط النفس"؛ إذ يُحظر عليها إجراء أي تعيينات استراتيجية أو دائمة لكبار قادة الجيش والأجهزة الاستخباراتية والشرطة أو القضاة، كما تُجرد من صلاحية إبرام معاهدات دولية سيادية أو تمرير ميزانيات عامة طويلة الأجل أو تقديم مخصصات مالية قطاعية قد تُستغل سياسياً في التأثير على الناخبين.
أما بخصوص مآل هذا السباق ومن سيفوز أو ما الذي سيقع واقعياً، فإن الفوز العددي والرمزي يؤول إلى بنيامين نتنياهو باعتباره زعيماً للحزب الأكبر (27 مقعداً) والكتلة البرلمانية الأكثر تماسكاً وقرباً من الأغلبية (54 مقعداً)، مما يجعله صاحب الأولوية السياسية لنيل كتاب التكليف الرئاسي أولاً، في حين تجد المعارضة بزعامة آيزنكوت نفسها عاجزة عن ترجمة حضورها إلى ائتلاف حاكم بسبب الفيتو اليميني الصارم داخل صفوفها (من ليبرمان وبينيت) ضد أي شراكة حكومية مع القوائم العربية. وبناءً على هذه الوقائع، ينحصر ما سيقع عملياً في ثلاثة مسارات حتمية: المسار الأول هو رضوخ الأطراف تحت ضغط العزلة والمؤسسة الأمنية لتشكيل "حكومة وحدة وطنية موسعة" تقوم على التناوب في رئاسة الوزراء وتقاسم الحقائب بين الليكود وكتلتي آيزنكوت وبينيت مع إقصاء الأجنحة اليمينية الراديكالية كشرط للتسوية، والمسار الثاني هو نجاح نتنياهو عبر المفاوضات الخلفية في استمالة منشقين من أحزاب الوسط أو اليمين المعارض لتأمين المقاعد السبعة الناقصة لصالحه، بينما يتمثل المسار الثالث والأكثر ترجيحاً في حال استعصاء التنازلات المتبادلة في استنفاد المهل الدستورية كاملة، مما يقود تلقائياً إلى حل الكنيست والذهاب إلى جولة انتخابات مبكرة جديدة، مع بقاء نتنياهو على رأس حكومة تصريف الأعمال ممسكاً بزمام السلطة التنفيذية إلى حين إشعار آخر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!