تداولت منصات إخبارية وتطبيقات تجميع الأخبار، وعلى رأسها تطبيق "نبض" نقلاً عن قنوات إعلامية من بينها "يورونيوز", أنباء تفيد باستعدادات أمريكية وإسرائيلية متقدمة لتوجيه ضربة عسكرية حاسمة ضد إيران، متحدثةً عن خطة عسكرية كشفها دونالد ترامب تُنفّذ في غضون عشر دقائق بانتظار ساعة الصفر. وبالتقصي في أصل هذه الرواية ومقارنتها بما تبثه المصادر الرسمية ووكالات الأنباء الدولية، يتبين أن الخبر يندرج ضمن ظاهرة العناوين المثيرة واجتزاء السياقات لأغراض الجذب الإعلامي؛ إذ لم يصدر عن البنتاغون أو القيادة الإسرائيلية أو حتى تصريحات ترامب المباشرة أي إعلان حديث عن "خطة عسكرية لعشر دقائق" موجهة ضد طهران. وتكشف المتابعة التاريخية لمصدر هذا التعبير أنه إعادة تدوير وتحوير لواقعة شهيرة تعود إلى يونيو عام 2019، عندما صرح ترامب إبان رئاسته بأنه أوقف ضربة عسكرية وشيكة ضد أهداف إيرانية قبل موعد تنفيذها بـعشر دقائق لتفادي سقوط خسائر بشرية غير متناسبة بعد إسقاط طهران طائرة مسيرة أمريكية، وهو التصريح الذي أعيد مزجه لاحقاً بتصريحاته الانتخابية التي انتقد فيها إدارة جو بايدن وزعم فيها قدرته على إنهاء الصراعات بسرعة وحسم، مما دفع بعض المنصات إلى صياغة هذا المشهد على أنه مخطط سري متفق عليه مع تل أبيب.
أما على الصعيد الميداني والسياسي، فتخفي هذه التسريبات خلفيات أعمق تتجاوز السطحية الترويجية، حيث تخوض واشنطن وتل أبيب وطهران حرباً نفسية واستخباراتية بالغة التعقيد تشكل التسريبات المضللة إحدى أدواتها الرئيسية. وتتركز خفايا هذه التهديدات في الضغط المستمر على إيران لردعها عن تطوير قدراتها النووية أو توسيع دائرة المواجهة الإقليمية، فضلاً عن توظيف تل أبيب لورقة التلويح بالحرب كورقة تفاوض وضغط على صانع القرار في البيت الأبيض لانتزاع دعم تسليحي نوعي وضمانات أمنية شاملة، لا سيما في المراحل الحساسة التي تلي الانتخابات الأمريكية وفترات انتقال السلطة. وتؤكد الدراسات العسكرية الصادرة عن مراكز أبحاث دولية أن ضرب المنشآت الحصينة في العمق الإيراني لا يمكن اختزاله في عمليات خاطفة ذات أثر حاسم خلال دقائق معدودة، بل يتطلب غطاءً لوجستياً معقداً، وطائرات للتزود بالوقود جواً، وقنابل خارقة للتحصينات لا تملكها سوى الترسانة الأمريكية، وهو ما يفرض قيوداً صارمة تمنع إسرائيل من اتخاذ قرارات منفردة من دون تنسيق وثيق مع القيادة المركزية الأمريكية. وعليه، فإن المشهد الحالي، بعيداً عن صخب التهويل الرقمي، يبقى محكوماً بحسابات الردع المتبادل ومخاوف تفجر حرب إقليمية شاملة لا يفضلها أي طرف، مع بقاء خيار الضربات المدروسة والمحدودة قائماً ومحكوماً بتوازنات ما بعد المعارك الانتخابية ونتائج القنوات الدبلوماسية الخلفية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!