يتجاوز استحقاق الأعوام الثلاثة على منعطف السابع من أكتوبر طابع الذكرى السنوية ليمثل محطة تشريحية بالغة الدقة لتتبع مخاضات التحول البنيوي في الأمن القومي الإسرائيلي، بعيداً عن صخب التفاعلات الآنية والأحكام الانفعالية. وفي هذا السياق التحليلي الرصين، تأتي ورقة "المركز الفلسطيني للدراسات السياسية" لتضع يدها على العصب الحقيقي للمأزق الاستراتيجي، متجاوزة فخ الثنائيات المبسطة بين انهيار كلي أو استمرارية مصمتة؛ فما تشهده المنظومة الأمنية ليس سقوطاً مباغتاً يزلزل أركان الكيان دفعة واحدة، بقدر ما هو تآكل متسارع في كفاءة ركائزها التاريخية من ردع وإنذار مبكر وحسم خاطف. وهو تآكل رافقه عجز بنيوي لدى النخب الحاكمة والعسكرية عن ابتكار نموذج نظري بديل، مما دفعها للهروب إلى الأمام عبر تدوير الأدوات القديمة ذاتها ولكن بجرعات مضاعفة تتسم بالتطرف والضراوة، متجلية ميدانياً في تبني سياسة الاستباق الهجومي المطلق التي تسقط أي هامش للاحتواء، واللجوء المحموم لإعادة هندسة الجغرافيا عبر فرض أحزمة أمنية وعازلة لترميم الفشل الذريع لمنظومة الإنذار المبكر. ولم يعد هذا التحول مقتصراً على الصدام العسكري التكتيكي، بل جرى تأطيره ليدشن عصراً جديداً من الحروب الطويلة ومتعددة الجبهات، حيث تحولت الدولة بمجتمعها وبنيتها إلى ثكنة كبرى معبأة بالكامل لاستدامة المجهود الحربي، مضحية بأوهام الحروب القصيرة لصالح استنزاف طويل الأمد. غير أن هذه المكابرة العسكرية تصطدم مباشرة بجدار الحقيقة الرقمية والميدانية؛ إذ يكشف قياس الكلفة الشاملة عن حجم الإجهاد العميق الذي ينخر كيان الدولة في مفاصلها الحيوية، فالضغط الهائل الملقى على قوات الاحتياط يولد نزيفاً مالياً وعجزاً متزايداً في الموازنة، بينما تتسارع مؤشرات الهجرة العكسية لتقوض الشعور الجمعي بالأمان الذي يقوم عليه المشروع الاستيطاني بأسره. وتتوج هذه الأزمات بأزمة ثقة حادة وعميقة بين الشارع والمؤسستين العسكرية والسياسية، ما يجعل العقيدة الأمنية المعدلة أسيرة حلقة مفرغة؛ فهي تحاول الهروب من مأزقها عبر توسيع دائرة النيران، بينما تتآكل من الداخل تحت وطأة أثقال بشرية واقتصادية ونفسية تجعل المشهد المفتوح محكوماً بمآلات بالغة التعقيد تفوق قدرة المنظومة على الاحتمال.
العقيدة الأمنية الإسرائيلية بين التآكل والتشكل
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!