تعيش مدينة تعز اليمنية واحدة من أخطر مراحل أزمتها الإنسانية، بعدما أدت المواجهات العسكرية المتجددة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين إلى تشديد الحصار على المدينة وتعطيل طرق الإمداد، في تطور يهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين الذين يجدون أنفسهم أمام نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية والوقود، وسط تحذيرات أممية من انهيار الخدمات الصحية واتساع موجات النزوح والمعاناة الإنسانية.
وكشفت تقارير دولية نشرت اليوم الأربعاء الرابع من نوفمبر 2026 عن تدهور متسارع للأوضاع داخل تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بعدما تسببت المعارك في قطع طرق رئيسية كانت تستخدم لنقل المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وصعوبة حصول السكان على احتياجاتهم اليومية، في وقت تتراجع فيه قدرة المؤسسات الصحية على استقبال المرضى والمصابين.
ووفقاً للمعطيات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة، فقد تجاوز عدد النازحين جراء التصعيد العسكري الأخير في اليمن 300 ألف شخص، بينهم نحو 134 ألف نازح في محافظة تعز، التي تستقبل واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي، بينما تواجه آلاف الأسر صعوبات متزايدة في توفير المأوى والغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية.
وتشير تقارير إنسانية إلى أن تجدد العمليات العسكرية تسبب في سقوط عشرات الضحايا المدنيين، بينهم أطفال ونساء، فضلاً عن إصابة آخرين وتضرر منشآت خدمية ومناطق سكنية، وسط مخاوف من استمرار ارتفاع الخسائر البشرية مع تعذر وصول فرق الإغاثة والإسعاف إلى بعض المناطق المتأثرة بالمواجهات.
وتكتسي الأزمة الصحية طابعاً بالغ الخطورة، بعدما حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 13 ألف امرأة حامل في تعز يواجهن صعوبات خطيرة في الحصول على الرعاية الطبية الأساسية، في ظل توقف معظم المرافق المتخصصة في خدمات الأمومة والولادة، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود الضروري لتشغيل المستشفيات.
وبحسب المنظمة الأممية، فإن خمسة مرافق فقط من أصل 27 مستشفى مخصصاً لرعاية حالات الولادة الطارئة وحديثي الولادة ما زالت تعمل بصورة جزئية، فيما تحتاج مئات النساء إلى تدخلات طبية عاجلة لإنقاذ حياتهن وحياة أطفالهن، وسط تحذيرات من ارتفاع مخاطر الولادات غير الآمنة والمضاعفات التي يمكن تجنبها بتوفير الخدمات الصحية المناسبة.
وتزداد معاناة المرضى المصابين بأمراض مزمنة، خصوصاً الفشل الكلوي والسرطان وأمراض القلب، نتيجة صعوبة التنقل بين المناطق ونقص الأدوية وتعطل الخدمات العلاجية، بينما تهدد أزمة الوقود بتوقف المولدات الكهربائية وأجهزة الأكسجين والتجهيزات الطبية الحيوية داخل المؤسسات الاستشفائية.
وفي ظل هذا الوضع، حذر مسؤولون محليون ومنظمات إنسانية من أن استمرار إغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات قد يدفع المدينة نحو مزيد من التدهور، بعدما سجلت الأسواق ارتفاعات كبيرة في أسعار المواد الغذائية والغاز المنزلي، بالتزامن مع تراجع خدمات المياه وتراكم النفايات في عدد من الأحياء.
واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش جماعة الحوثيين بتشديد القيود المفروضة على الطرق الرئيسية المؤدية إلى تعز، معتبرة أن حرمان المدنيين من المواد الأساسية قد يثير مسؤوليات قانونية خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني، خصوصاً ما يتعلق بحظر تجويع السكان المدنيين بوصفه وسيلة من وسائل الحرب.
في المقابل، تنفي جماعة الحوثيين مسؤوليتها عن منع وصول الإمدادات الإنسانية، وتحمّل القوات الحكومية جانباً من المسؤولية عن استمرار المواجهات والقيود المفروضة على حركة النقل، في وقت تؤكد فيه المنظمات الإنسانية ضرورة ضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق، بصرف النظر عن الجهة المسيطرة على الطرق والمناطق المحيطة بالمدينة.
ودعت الأمم المتحدة أطراف النزاع إلى فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور الغذاء والأدوية والوقود، محذرة من أن استمرار الحصار وتفاقم الاحتياجات الإنسانية يهددان حياة سكان المدينة، الذين يعانون أصلاً من تداعيات سنوات طويلة من الحرب والانهيار الاقتصادي وتدهور الخدمات الأساسية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تراجع التمويل الدولي المخصص للعمليات الإنسانية في اليمن، الأمر الذي يحد من قدرة المنظمات الإغاثية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للنازحين والمرضى والأسر الفقيرة، خصوصاً مع استمرار الصراع وتوسع رقعة المناطق المتضررة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!