تتمتع الفجيرة بموقع جغرافي واسترابتيجي استثنائي يمتد على طول الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، بإطلالة مباشرة على خليج عمان والمحيط الهندي. وهي محمية غرباً بسلاسل جبال الحجر الوعرة، التي عزلتها في الماضي عن رمال الصحراء ومنحتها مناخاً وطبيعة غنية بالعيون المائية والأودية النهرية. تعود جذور الاستيطان فيها إلى عصور ما قبل التاريخ وحضارة وادي سوق، وارتباطها بموانئ دلمون ومجان، فضلاً عن التجارة في اللبان والمر عبر بحر العرب. وقد سكن المنطقة قبائل العرب الأصيلة من الشرقيين، الذين اتخذوا من وديان الجبال المحصنة ملاذاً وقاوموا بحزم محاولات الهيمنة البرتغالية في القرن السادس الميلادي والسيطرة الأجنبية على موانئ الساحل الشرقي. حافظت الفجيرة على سيادتها واستقلالها الجبلي والبحري تحت راية حكامها من أسرة الشرقي العريقة، حتى قاد الشيخ محمد بن حمد الشرقي ترسيخ أركان الإمارة والاعتراف الدولي بحكمها. وهكذا انضمت الفجيرة إلى الاتحاد المبارك عند تأسيسه عام 1971، لتسير بخطى حثيثة نحو نهضة شاملة جعلت من مينائها اليوم أحد أهم وأكبر مراكز تزود السفن بالوقود وتخزين النفط في العالم بأسره، خارج مضيق هرمز.
تزخر الفجيرة بالعديد من الآثار المعمارية التاريخية العميقة، يتصدرها مسجد البدية الأيقوني، أقدم مسجد تاريخي لا يزال قائماً وتقام فيه الصلوات في دولة الإمارات العربية المتحدة. يعود تاريخ بنائه تقريباً إلى عام 1446 ميلادية ويتميز بطرازه المعماري الفريد القائم على الطين والحجر المحروق والجص، وتتويجه بأربع قباب لولبية متراكبة تستند إلى عمود مركزي واحد في تناغم معماري متناسق يخلو من استخدام الخشب والحديد. وفي قلب المدينة يقام بشموخ قلعة الفجيرة التي بنيت في القرن السادس عشر الميلادي على تلة صخرية يبلغ ارتفاعها عشرين متراً لحماية الواحة والمدينة، وتضم ثلاثة أبراج دائرية وبرجاً مربعاً وسوراً دفاعياً يطل على بساتين النخيل ومتحف الفجيرة الوطني الذي يضم لقى أثرية نادرة من العصر البرونزي. وتتوزع في مختلف أنحاء الإمارة الحصون الدفاعية مثل حصن البثنة حامي مداخل وادي حم الجبلية والمبني عام 1735، وقلعة الحيل التي كانت مقراً صيفياً للعائلة الحاكمة، فضلاً عن الطبيعة الخلابة لمحمية وادي الوريعة بشلالاتها وينابيعها العذبة، وشواطئ العقة المرجانية المحيطة بجزيرة سنوبي الشهيرة والمثالية لممارسة الغوص واستكشاف السلاحف والشعاب المرجانية النادرة.
كتب الرحالة والمؤرخون بإعجاب شديد عن طبيعة الساحل الشرقي وموانئ الفجيرة المحصنة. فقد وثق الجغرافيون والرحالة المسلمون في العصور الوسطى موانئ شميلة والبدية وخورفكان ودبا باعتبارها محطات تجارية رئيسية كانت تبحر في مياهها السفن المتجهة إلى كجرات وسيلان وهرمز. وفي أوائل القرن العشرين، خصص جون غوردون لوريمر في موسوعته دليل الخليج فصولاً مفصلة عن منطقة الشامليّة وإمارة الفجيرة، واصفاً شجاعة قبائل الشرقيين وتشبثهم بحرية أرضهم الجبلية، ومشيراً إلى خصوبة وديانها ووفرة عيونها وبساتين التمور والحمضيات التي تمتد بين سفوح الجبال وأمواج البحر. كما انعكست السجلات والوثائق العسكرية للتاج البريطاني على صعوبة ترويض فرسان الفجيرة ومهارتهم في الحرب الجبلية الدفاعية خلف القلاع والحصون الشاهقة التي كانت تسد المداخل الطبيعية للأودية. من جهتهم، تحدث الباحثون الأثرجون الأجانب في بعثات التنقيب الحديثة عن القيمة الاستثنائية لاكتشافات مقابر دبا الفجيرة التي ربطت حضارات البحر الأبيض المتوسط بالشرق الأقصى.
تتجسد البيئة الفريدة والمتنوعة للفجيرة في أطباقها التقليدية التي تجمع بين محاصيل الأودية الزراعية الجبلية وخيرات الخليج العربي البحرية الغنية. وتُعد مكبوس السمك الطازج والصالونة البحرية درتي مائدتها الساحلية، حيث يُطبخ سمك الكينج فيش (الكنعد) أو العمه أو الهامور مع البصل الذهبي الوفير والثوم المهروس وقطع الطماطم والكزبرة الطازجة، وتُتبل بخلطة بهارات الفجيرة المعطرة بحبوب الهيل والقرنفل والقرفة والفلفل الأسود والليمون الأسود الجاف (اللومي) المثقوب بعناية لتتغلغل حموضته في المرق حتى يثخن الصدر ويكتسب لورناً أحمر مائلاً للبنّي. بعد ذلك، يُضاف الأرز البسمتي ليطهى ببطء على البخار، ممتصاً دهن السمك وبهاراته العطرة. وتشتهر القرى الجبلية بتحضير خبز الرقاق المحشو بالبيض والجبن والمدهون بالسمن البلدي، وخبز الخمير المزين ببذور السمسم والزعفران، فضلاً عن أطباق الهريس والثريد بلحم الضأن الجبلي الطري والمعطر بالأعشاب البرية المجففة. وتُختتم الوجبات بـالجبيسة التقليدية المنكهة بشحم الغنم وماء ورد الجبال والهيل المطحون حديثاً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!