تُعد "ترنيمة نينكاسي"، المكتوبة بالخط المسماري على ألواح طينية تعود إلى حوالي عام ألف وثمانمائة قبل الميلاد والتي تم اكتشافها في مدينة نيبور السومرية القديمة، أقدم وثيقة تشغيلية شعرية تصف طريقة تحضير وتخمير البيرة في تاريخ الحضارات القديمة. وقد خُصصت هذه الترنيمة للإلهة نينكاسي، راعية التخمير وصناعة المشروبات في الأساطير السومرية والبابلية. لم تكن القصيدة مجرد صلاة دينية فارغة، بل كُتبت عمداً كدليل للحفظ الشفهي ونظام تعليمي تسلسلي يضمن نقل وصفة تخمير البيرة السومرية والبابلية، والمعروفة باسم "سيكارو"، من جيل إلى جيل بدقة متناهية ودون تغيير نسب المكونات أو مراحل الإنتاج.
تستند هذه الوصفة التاريخية العريقة والجذور إلى تحويل حبوب الشعير الخام إلى مشروب مغذٍ ومعقم يحمي سكان المناطق من مخاطر شرب مياه الأنهار الملوثة بالبكتيريا الطفيلية. وتعتمد على مكونين أساسيين: الشعير المبتل أو الشعير المستنبت، المعروف في الخط المسماري باسم "بولوج" - وهو شعير مرطب حتى تنبت براعمه لتنشيط إنزيمات تحليل النشا ثم يتم تحميصه لوقف النمو - وخبز "بابير"، وهو خبز قاسٍ مصنوع من دقيق الشعير المعجون بالتوابل العطرية وعسل التمر، ومخبوز مرتين في أفران طينية حتى يفقد رطوبته تماماً ويتحول إلى كتلة صلبة صالحة للتخزين لأشهر طويلة دون تلف، ليكون بمثابة مستودع حافظ للخمائر والسكريات القابلة للذوبان.
تتحول كلمات الترنيمة المسمارية إلى خطوات عملية دقيقة تبدأ بترطيب حبوب الشعير النامية داخل حفر في الأرض مغطاة بحصير، وتقليبها باستمرار في الظلام حتى تفرز إنزيمات الأميليز، ثم تجفيفها في الهواء الطلق وطحنها طحناً خشناً. بعد ذلك، يتم تفتيت الخبز الجاف "بابير" إلى قطع صغيرة ومزجها مع الشعير المطحون داخل وعاء خزفي ضخم يُعرف باسم "تيتاب"، ويُسكب فوقه ماء نقي مغلي بدرجات حرارة محسوبة، مستخرج من آبار عميقة. يُترك هذا الهريس الدافئ ليرتاح عدة ساعات ليحدث التحويل الإنزيمي الذي يحول النشا المعقد إلى سكريات مالتوز بسيطة، مع تقليب المزيج بمجاذيف خشبية عريضة حتى يتكون هريس كثيف غني بالعطور السكرية والجزيئات المتخمرة.
تصف الألواح بعد ذلك مرحلة التصفية والتخمير الفعلية؛ حيث يُفريغ محتوى وعاء "تيتاب" على حصير رقيق من القصب موضوع فوق حوض تجميع سفلي واسع يُسمى "جاكول". تعمل ألياف القصب كمرشح طبيعي يحتفظ بقشور الحب والشوائب الخشنة، بينما يتدفق السائل الصافي، المسمى بنقيع الشعير الحلو، نحو قعر الوعاء الخزفي المبطن بالقار الطبيعي. وفي هذا الوعاء الواسع، تهاجم الخمائر البرية المعلقة في الهواء وعلى جدران الخزف المسامية السائل الدافئ، ليبدأ proceso تخمير بيولوجي فوري تتصاعد منه فقاعات غاز ثنائي أكسيد الكربون. وأثناء هذه العملية، تضاف قطرات من شراب التمر المركز وعصير الأعشاب البرية لإضفاء نكهة متبلة وموازنة المذاق. وفي غضون أيام قليلة، تتحول هذه السوائل إلى بيرة ذهبية، ضبابية قليلاً، كثيفة القوام، مغذية للغاية ومليئة بفيتامينات مجموعة ب والبروتينات. وكان السومريون والبابليون يتناولونها طازجة ويشربونها جماعياً من جرات طينية كبيرة عبر أنابيب طويلة وقش مصنوع من القصب المجوف أو الفضة المثقوبة لتجنب ابتلاع الشوائب أو الخمائر الحية التي قد تطفو على السطح.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!