تُقدم الألواح المسمارية المكتشفة في أرشيف القصر الملكي في ماري وفي مجموعة الألواح البابلية في جامعة ييل، التي تعود تاريخها إلى حوالي 1750 قبل الميلاد.، سجلاً مفصلاً لواحدة من أعقدم وأفخم الحلويات الملكية المعروفة في حضارة بلاد الرافدين تحت اسم "ميرسو". كانت هذه الحلوى الفاخرة تُحضر خصيصاً لتُقدّم قرباناً مقدساً وفاخراً على موائد الآلهة داخل المعابد الكبرى، مثل معبد الإله مردوخ في بابل ومعبد الإله شمش في سيبار. كما كانت تتصدر ولائم التتويج والاحتفالات الدورية في القصور الأكدية والبابلية، محاكاةً للتعابير القصوى عن الوفرة والثرى الزراعي الذي تميزت به سهول دجلة والفرات الخصبة.
كانت حلوى "ميرسو" البابلية تتكون من مزيج غذائي كثيف وعالي الطاقة يجمع بين لب التمور العراقية الطازجة شديدة الحلاوة، ودقيق القمح الحنطة المحمص أو دقيق الشعير الناعم، والسمن النباتي أو الحيواني النقي المعروف في النصوص المسمارية باسم "هيميتو"، فضلاً عن مختارات من المكسرات البرية مثل الفستق المقشر واللوز المطحون، وبذور الكزبرة الجافة ومسحوق بذور الهيل أو الكمون العطري لموازنة حدة السكر وإضفاء نكهة متجانسة تمزج بين الحلاوة والتوابل الدافئة.
كانت طريقة التحضير البابلية تبدأ باختيار أجود أصناف التمور الطازجة، وإزالة نوَاها وأليافها الصلبة يدوياً داخل أهازيج ومهايس خشبية واسعة، ثم هرسها بقوة حتى تتحول إلى عجينة ناعمة ومتجانسة وخالية من القشور. بالتوازي مع ذلك، كان يتم تذويب السمن النقي في قدر طيني سميك الجمر وموضوع على فحم هادئ، ويُسكب فوقه دقيق القمح لتحميسه ببطء مع التحريك المستمر حتى يكتسب لوناً ذهبياً وينبعث منه العطر الدافئ للحبوب المحمصة، مما يضمن نضج النشا وتغلغل الدهون داخل جزيئات الدقيق.
كانت القدر ترفع عن النار وتُضاف عجينة التمر المهروسة إلى خليط الدقيق والسمن الدافئ، ويتم عجن المكونات باليد حتى تمتص عجينة التمر الدهون والدقيق بالكامل، لتشكل عجيناً متماسكاً، مرناً وداكن اللون. وبعد ذلك، كانت بذور الكزبرة الجافة تُطحن مع الفستق واللوز، وتُدمج بالعجن على امتداد الخليط بأكمله لتوزع القوام المقرمش واللمسة المتبلة. وأخيراً، كانت العجينة تُمد باليد على ألواح خشبية مدهونة بطبقة رقيقة من السمن وتُقطع إلى كرات صغيرة أو قرص دائرية مسطحة، وتُزين بالفستق الصحيح وأوراق النعناع البري المجفف، لتُقدم باردة كمصدر متكامل للطاقة يجمع بين القيمة الغذائية العالية والبراعة الطهوية في المطابخ الملكية القديمة لبابل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!