توثق برديات الطب والتجميل في مصر القديمة —وتحديداً بردية إيبرس وبردية كاهون، اللتان تعودان تقريباً إلى عام 1550 ق.م.— إلى جانب التحليلات الكيميائية الدقيقة التي أجرها باحثو متحف اللوفر والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) على عينات مأخوذة من أدوات التطبيق وأوعية مستحضرات التجميل المحفوظة في المقابر الفرعونية، أن كحل العيون المعروف قديمًا باسم "مسْمِت" لم يكن مجرد صبغة جمالية لتزيين العيون، بل كان عقاراً طبياً ووقائياً شديد التعقيد تم تحضيره بنسب موزونة بدقة لحماية الرؤية من شمس الصحراء الحارقة، وموجات الغبار والرمال، وآفات الذباب الناقل للعدوى البكتيرية على طول ضفاف نهر النيل.
تستند هذه الوصفة الفرعونية إلى الجمع بين مكونين رئيسيين من المعادن الطبيعية المستخرجة من أعماق الأرض: الأول هو معدن الغالينا، وهو كبريتيد الرصاص ذو اللون الرمادي الفضي الداكن المستخرج من مناجم جبل الرصاص بالقرب من البحر الأحمر ومناجم أسوان؛ والثاني هو الملكيت الأخضر، وهو كربونات النحاس الأساسية المستخرجة من شبه جزيرة سيناء، بالإضافة إلى مسحوق صمغ اللبان، وقشور اللوز المحروقة، ونواة الزيتون المفحمة. ومع ذلك، فإن الاكتشاف العلمي الأبرز في هذه الوصفة يكمن في أن الكيميائيين الفراعنة قاموا بتصنيع مركبين كيميائيين لا يتواجدان بشكل طبيعي في المعادن الخام، وهما اللوريونيت والفوسجينيت، وذلك من خلال عملية تصنيع رطبة تضمنت إذابة أكسيد الرصاص في الماء المالح وتفلترته بشكل متكرر لأسابيع، بهدف تقليل سمية الرصاص وزيادة قدرته على تحفيز جهاز المناعة المحلي.
تبدأ المراحل العملية للتحضير بسحق بلورات صخور الغالينا بدقة متناهية على ألواح حجرية صلبة من الشست أو البازلت، باستخدام هاون حجري مصقول حتى تتحول الحبيبات الخشنة إلى مسحوق ناعم للغاية لا يسبب أدنى خدش في قرنية العين. يُخلط مسحوق الرصاص هذا مع قشور اللوز المحروقة التي تمنح لوناً أسود كربونياً عميقاً، ويضاف إليه مسحوق صمغ اللبان الذي يعمل كمادة معقمة ومثبتة للمستحضر. وللحصول على قوام مناسب للرسم والتطبيق، يُعجن المزيج الجاف تدريجياً بإضافة شحوم الماشية المُنقاة، أو شحم الإوز الدافئ، أو زيت الخروع المعصور على البارد، مع الخفق المستمر حتى يتكون معجون ناعم ومتجانس يشبه مرهماً سميكاً.
أثبتت التحليلات المجهرية الحديثة أن هذا المركب يطلق أيونات الرصاص بتركيزات ضئيلة للغاية بمجرد ملامسته لغشاء الدموع الرقيق، مما يحفز خلايا الكيراتينوسايت في الجفن على إنتاج أكسيد النيتريك بكميات تتجاوز المعدل الطبيعي بنسبة 240%، وهو الغاز الحيوي المسؤول عن تنشيط جهاز المناعة وتدمير البكتيريا المسببة لالتحام العين (التهاب الملتحمة) والرمد الحبيبي (التراكوما) قبل تسللها إلى العين. وكان هذا الكحل يُحفظ داخل أوعية أسطوانية منقوشة من الألباستر الأبيض أو الخشب المزخرف، ويُوضع باستخدام مرود رفيع من العاج أو البرونز يتم تمريره بين الجفنين كل صباح ومساء لحماية بصر الفلاحين والملوك على حد سواء.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!