تشكل الرقم الطينية المسمارية المكتشفة في مدينة آشور القديمة، والمصنفة ضمن سجلات العصرين البابلي والآشوري الوسيط حوالي عام 1200 ق.م.، أقدم وثيقة مكتوبة في تاريخ الكيمياء والتي تخلد اسم أول امرأة كيميائية وصانعة عطور في تاريخ البشرية: السيدة البابلية "تابتوتي-بيلاتيكاليم"، التي شغلت منصب مشرفة على القصر الملكي وخبيرته الأولى في تقطير واستخلاص العطور. تكشف هذه الرقم عن وصفة تقنية دقيقة لتحضير زيت السرو الملكي، وهو مركب زيتي عطر ذو طابع طقوسي كان يُستخدم لدهن أجساد الملوك وتطهير مقادس الآلهة في بابل وآشور، مما يعكس معرفة بابلية مبكرة بأساليب التسامي والترشيح والتكثيف الحراري قبل قرون من اختراع الإنبيق.
تتكون هذه الوصفة من عناصر نباتية محددة تتضمن خشب السرو وأوراقه الإبرية الطرية، والقصب العطري المعروف بالخطوط المسمارية بعشب القصب البري، وجذور نبات السعد العطري (الضافور)، وقطرات صمغ المر المستورد عبر طرق القوافل، وكل ذلك يضاف إلى قاعدة سائلة مركبة من زيت السمسم النقي المعصور وماء البئر المغلي والخالي من المعادن الجيرية. تتميز هذه المكونات باحتوائها على مركبات تربينية وزيوت طيار قوية تتسم بقدرتها على الثبات والاستقرار لساعات طوال، فضلاً عن خصائصها الفعالة في طرد الحشرات ومحاربة جراثيم الجلد وروائح العرق في مناخ بلاد ما بين النهرين القاسي.
يصف النص المسماري الآلية المعقدة للتحضير التي كانت تتطلب عدة أيام متتالية داخل أفران طينية مزدوجة الجدران؛ حيث يبدأ العمل بسحق خشب السرو والقصب العطري بشكل خشن، ونقعهما في الماء النقي داخل وعاء فخاري محكم الإغلاق يتم تسخينه بحرارة الرماد الضعيفة طوال اليوم لاستخراج العصارى الأولية. بعد ذلك، تشرح "تابتوتي" مرحلة التقطير المائي البدائي عبر تغطية الوعاء بقطع قماش صوفية مشدودة تلتقط الأبخرة الصاعدة وتكثفها، ثم تعصر هذه الأقمشة دورياً داخل إوعاء مستقل لفصل الزيوت الطيارة عن الماء الثقيل، مع تكرار هذه الدورة الحرارية عدة مرات لزيادة نقاوة وتركيز المركب.
في المرحلة اللاحقة، كان يُصب زيت السمسم النقي فوق السائل المكثف ويُعاد تسخينه إلى جانب مسحوق صمغ المر وجذور السعد حتى يمتص الزيت الروائح بالكامل يفقد رطوبته المائية تماماً لتجنب تزنخه. ثم يُفرغ المحلول وهو لا يزال دافئاً عبر مرشحات قماش كتانية كثيفة النسج لتخليصه من الرواسب النباتية الدقيقة. وكان المستحضر يترك داخل جرار فخارية مطلية بالقار من الداخل ومختومة بالطين الرطب في غرف مظلمة وباردة حتى يستقر تماماً، ليتحول أخيراً إلى زيت عسلي اللون ذي أريج طيب، يفيض بعبق غابات الصنوبر والنفحات التوابلية الدافئة التي ميزت نخبة البلاط الملكي البابلي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!