في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديدا داخل مزرعة ريفية هادئة في بلدة فرا، الواقعة بشمال إقليم يوتلاند في الدنمارك، لم يكن الإخوة الخمسة من عائلة مولبيرغ يتوقعون أن شغفهم المبكر بسلالات الدجاج الأصيلة سيتحول بعد عقود إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات البيولوجية والغذائية في القارة الأوروبية والعالم. جمع الفتيان الخمسة مدخراتهم المتواضعة لشراء أربعة عشر بيضة تفقيس فقط وضعوها تحت دجاجة قزم تولت حضانتها بطريقة طبيعية، لينبثق من تلك التجربة الريفية المتواضعة النواة الأولى لشركة تأسست رسميا عام 1939 على يد الرائد كنود مولبيرغ تحت اسم حاضنة مولبيرغ. ظل المقر الرئيسي للشركة ثابتا في نفس الموقع التاريخي بشارع روجريفاج في بلدة فرا لمدة خمس وثمانين سنة، قبل أن تنتقل الإدارة في عام 2024 إلى مقر حديث وأوسع يتناسب مع ضخامة عملياتها القارية.
تُظهر وثائق الأرشيف والسجلات التجارية للشركة مساراً دقيقاً من التحولات في رأس المال والعمليات الاستراتيجية، حيث انتقلت ملكية الحاضنة في عام 1973 إلى شركة الأعلاف والحبوب كيه إف كيه، التي دبرت شؤونها حتى عام 2002، وهو العام الحاسم الذي شهد الاستحواذ عليها من قبل ائتلاف يضم أبرز شركات وتعاونيات الأعلاف الدنماركية، بقيادة العملاقين الصناعيين الزراعيين دي إل جي ودانش أغرو، بالتعاون مع شركتي آبرينرا أانديل وهيديغارد. وفي الأول من أغسطس 2003، اندمجت حاضنة مولبيرغ مع حاضنة فيليغاردفاج في مدينة راندرس لتوليد الكيان المعروف رسمياً باسم دانهاتش، والذي واصل توسعه الداخلي عبر الاستحواذ على حاضنة هولميغاردز في عام 2005. تتشارك مجموعتا دي إل جي ودانش أغرو ملكية القابضة دانهاتش مناصفة، حيث قفزت مبيعات المجموعة الفعلية في عام 2025 لتصل إلى 553 مليون صوص عمر يوم واحد، محققة عائدات بلغت 227 مليون يورو من خلال فريق يضم أكثر من ستمائة موظف متخصّص وبقدرة إنتاجية إجمالية تقارب ستين مليون صوص سنوياً تحت قيادة الرئيسة التنفيذية للمجموعة، أنيت هيرمانسن، التي تولت المسؤولية الكاملة في عام 2026 بعد سنوات من الإدارة المشتركة مع لاس أوليسن.
لم يكن هذا القفزة العددية وليدة السوق الاسكندنافية وحدها، بل كانت ثمرة استراتيجية توسع عابر للحدود وضعت دانهاتش في طليعة منتجي دجاج اللحم وبيض التفقيس في أوروبا. وبين عامي 2009 و2012، استحوذت المجموعة على شركة دانهاتش بولاند في منطقة ستاري فيدزيم، حيث أنشأت مرافق متطورة لإنتاج بيض التفقيس بقدرة تصل إلى عشرة ملايين بيضة للمرفق الواحد. وفي عام 2015، أسست فرعها الفنلندي دانهاتش فينلاند إثر شراء حاضنتين تابعتين لمجموعة إتش كيه سكان، تلا ذلك في عام 2017 تأسيس شركة متخصصة في إنتاج أمهات الدواجن في فنلندا، لترفع حصتها هناك إلى تسعين بالمائة بحلول عام 2020. ومن جهتها، شهد السوق الفرنسي التوسع الأبرز بدءاً من عام 2017 عبر مشروع مشترك مع المجموعة البلجيكية يللو بيرد للاستحواذ على الحاضنة الكبيرة غاسدوي في إقليم بريتاني، تلا ذلك استحواذ سريع بين عامي 2018 و2023 على حاضنات سان مارسيلان، جوسلان، آفي لواز، أмилиي، وسان هيلير، متوجة هذا المسار في عام 2026 بالاستحواذ الكامل بنسبة مائة بالمائة تحت اسم دانهاتش فرانس. وتكشف التقارير المالية السنوية للمجموعة عن قرار استراتيجي حاسم اتخذ في عام 2022 يقضي بالخروج النهائي من قطاع تربية الخنازير وإغلاق شركة دان بيغليت التي كانت قد استحوذت عليها في عام 2010، وذلك لتركيز كافة مواردها العلمية والمالية على قطاع الدواجن وتغذية العالم بالبروتين الأبيض.
تكمن القوة الحقيقية لشركة دانهاتش في هندستها الدقيقة لثلاث حلقات من الإنتاج البيولوجي، التي تبدأ بمرحلة طيور التكاثر، أو ما يُعرف علمياً بقطعان الأمهات والجدات. ففي مزارع التكاثر الأولية المعزولة بيولوجياً، مثل مزرعة آروب التي تأوي خمسين ألف دجاجة وديك، تتلقى الشركة الصيصان المخصصة للتربية فور فقسها من موردي السلالات الوراحية النقية، وتبرز سلالة روس 308 الواسعة الانتشار عالمياً لكفاءتها في تحويل العلف إلى لحم، وسلالة هوبارد بطيئة النمو المخصصة الأسواق التي تطلب معايير رفيعة للرفاهية مثل فرنسا والمزارع العضوية. تخضع هذه الطيور لعملية انتخاب صارمة لضمان الحصول على أمهات وذكور ذات بنية جسدية صلبة وحيوية عالية ومقاومة فطرية للأمراض. وأثناء فترة التربية الممتدة من اليوم الأول حتى بلوغ النضج الجنسي حول الأسبوع العشرين، تطبق الشركة برنامجاً شاملاً للتطعيم والتحصين للديوك والدجاج على حد سواء، حيث يتمثل الهدف العلمي لهذا الإجراء ليس فقط في حماية قطيع التكاثر، بل في تحفيز أجسام الأمهات لتوليد أجسام مضادة تنتقل بيولوجياً عبر مح بيضة التفقيس إلى الجنين، مما يمنح الصيصان اللاحقة مناعة أمومية مبكرة ضد الأوبئة قبل خروجها إلى الحياة.
عندما تبلغ قطعان الأمهات مرحلة النضج، تُنقل بعناية فائقة إلى الحلقة الثانية، المتمثلة في مزارع إنتاج بيض التفقيس، ومن أبرزها مزرعة صولهولم التي تأوي أربعين ألف طير بين أمهات وديوك. تبدأ الدجاجة الأم في وضع البيض الملقح بدءاً من الأسبوع الرابع والعشرين وحتى الأسبوع الثاني والستين من عمرها، لتضع كل دجاجة في المتوسط نحو 183 بيضة خلال دوراتها الإنتاجية، يستخلص منها نحو 175 بيضة صالحة للتفقيس تفضي إلى قرابة 150 صوصاً حياً. تُجهز حظائر البياض بأعشاش خاصة وتقنيات مراقبة إلكترونية فورية تسجل بيانات المناخ والتلف والأعلاف والإنتاج لحظة بلحظة، بالتوازي مع الاستخراج الدوري لعينات الدم من قطعان الأمهات طوال فترة حياتها للتحقق من خلوها التام من الأمراض الوبائية. تنتج دانهاتش نحو ثلاثين بالمائة من احتياجاتها من بيض التفقيس في مزارعها الخاصة، بينما تستقدم الباقي من مزارع متعاقدة تلتزم بأنظمتها، فضلاً عن تصدير أكثر من اثنين وثلاثين مليون بيضة تفقيس سنوياً من الدنمارك وحدها إلى الأسواق الدولية. ويتكامل هذا النشاط مع منظومة إنتاج بيض الاستهلاك في الدنمارك التي تنتج سنوياً خمسة وخمسين مليون كيلوجرام من البيض عبر ثلاثة ملايين ونصف المليون دجاجة بياضة تديرها شركات ومؤسسات كبرى مثل دافا فودز ودانيغ تحت مظلة اتحاد دانسكه أيغ، وهي منظومة تبرز عالمياً بخلوها شبه التام من بكتيريا السالمونيلا بفضل برنامج رقابة يفحص القطعان كل أسبوعين، بل أسبوعياً لدى بعض المنتجين، أي بمعدل يفوق المتوسط الأوروبي عشرين مرة، إلى جانب الحظر التام لقص مناقير الصيصان في الدنمارك منذ عام 2014 وإلزامية التغذية العضوية منذ اليوم الأول للصيصان العضوية.
أما الحلقة الثالثة والأكثر حساسية، فتتجسد داخل الحاضنات الصناعية العملاقة التابعة لدانهاتش، حيث تبدأ الرحلة فور وصول بيض التفقيس بتطهيره ونقله من عربات المزارع إلى عربات التفقيس الأولية. توضع البيضات في حاضنات ذكية لمدة ثمانية عشر يوماً تحت تحكم صارم ينظم درجة الحرارة ونسبة الرطوبة وتدفق الأكسجين، وتقوم الحاضنات بالتقليب التلقائي المتكرر للبيض محاكاة دقيقة لسلوك الدجاجة الأم في الطبيعة لتفادي التصاق الجنين بغشاء القشرة وتوفير أفضل فرصة لنموه. صممت هذه الحاضنات نظاماً بيئياً يسترجع الحرارة البيولوجية المنبعثة طبيعياً من ملايين الأجسام الجنينية النامية داخل البيض ويعيد تدويرها لتسخين المنشآت والمياه، محققة كفاءة استثنائية في استهلاك الطاقة. وفي اليوم الثامن عشر، يخضع البيض لفحص ضوئي وليزر آلي يعزل البيض غير الملقح، قبل نقل البيض الحي إلى غاعات الفقس لثلاثة أيام إضافية مزودة فيها الحاضنات الحديثة بإضاءة خافتة وتغذية مبكرة، حتى يكتمل فقس الصيصان في اليوم الحادي والعشرين.
مباشرة بعد الفقس، تستغل الشركة الميزة البيولوجية الفطرية للصوص المتمثلة في كيس المح الكامن في بطنه والذي يوفر له الغذاء والماء بصورة ذاتية لمدة اثنين وسبعين ساعة، مما يسمح بنقل الصيصان عمر يوم واحد في شاحنات وطائرات مجهزة بأنظمة تكييف وفلاتر حماية دقيقة ضد العدوى لتصديرها إلى شتى بقاع الأرض. وتوجه النقطة الأخرى لتغذية مزارع التسمين الدنماركية، بما في ذلك شركة دان برويلر التابعة للمجموعة نفسها، ومزارع التسمين المزودة لعمالقة صناعة لحوم الدواجن في الدنمارك، والتي تنتج نحو 115 مليون دجاجة تسمين سنوياً دون الاستخدام المعتاد للمضادات الحيوية وتحت رقابة حكومية تفحص سلامة وسائد أقدام الطيور كمعيار صارم لقياس جودة حياة الدجاج في المزارع. وعلى رأس هؤلاء المنتجين تبرز شركة دانبو التي تذبح خمسة وأربعين مليون دجاجة سنوياً وفق معايير الذبح الحلال المعتمدة في مسلخها بمدينة آارس وتنتج خمسة وأفلاف طن من منتجات الدجاج في مصنعها بمدينة فاريه، وشركة روز بولتري العريقة التي تأسست عام 1952 وتطبق المعيار الدنماركي "خمس مرات" الذي يضمن أن تكون الأمهات والحاضنة والمزرعة والأعلاف والمسلخ دنماركية بالكامل إلى أن يبلغ الدجاج وزن الذبح بين اليوم السادس والثلاثين والتاسع والأربعين من عمره.
تكشف قراءة الأرشيف الكامل لدانهاتش والنظام الدواجني الدنماركي كيف استطاعت دولة صغيرة المساحة أن تتحول إلى مختبر جيني وغذائي يمون موائد العالم بمئات ملايين الطيور سنوياً، مستندة إلى حقيقة أن لحم الدجاج والبيض يمثلان مصدر البروتين الأعلى جدوى اقتصادية، والأقل بصمة كربونية، والأكثر قبولاً لدى كافة الثقافات والأديان بلا استثناء. ورغم التحديات الجسيمة التي وثقتها تقارير الشركة بين عامي 2023 و2026، والتي تصدرتها تقلبات أسعار الحبوب والصويا العالمية، وموجات إنفلونزا الطيور عالية الشراسة التي ضربت سلاسل الإمداد الأوروبية، والاستعداد الدائم لصد أي تسلل لبكتيريا السالمونيلا، فإن الإرث الذي بدأه الإخوة مولبيرغ بأربعة عشر بيضة ودجاجة قزم في بلدة فرا قد غدا ركيزة لا غنى عنها في معادلة الأمن الغذائي العالمي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!