لم يأتِ الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الإماراتي، من نظيره الإيراني عباس عراقجي مساء 5 من نوفمبر 2026، في سياق بروتوكولي عابر، بل تبلور في لحظة جيوسياسية بالغة التعقيد.
وتتشابك في هذا المشهد الإقليمي المضطرب احتمالات تجدد المواجهة العسكرية المباشرة بين واشنطن وطهران، مع تصاعد المخاطر المحدقة بحركة الملاحة في مضيق هرمز، وتنامي الهواجس الخليجية من ارتدادات اتساع رقعة الصراع.
وفي هذا الخضم، تجاوز تأكيد الوزير الإماراتي على أهمية خفض التصعيد وتغليب المسار الدبلوماسي مجرد الصياغة الرسمية، ليؤسس لمقاربة براغماتية تسعى لاحتواء الأزمات.
وتبرز المفارقة الأولى في توقيت هذا الحوار الذي يعقب أشهراً من التوتر غير المسبوق بين العاصمتين، والذي بلغ ذروته في الأول من مارس 2026 حين أغلقت أبوظبي سفارتها وسحبت بعثتها الدبلوماسية من طهران، احتجاجاً على سقوط صواريخ إيرانية داخل أراضيها إبان الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فضلاً عن إدانتها لهجوم بطائرة مسيّرة أواخر أغسطس. وبناءً على هذه الخلفية المأزومة، يمثل الاتصال الأخير محاولة دقيقة لإبقاء خطوط التواصل السياسي حية كضرورة حتمية لإدارة الأزمة وتفادي الانفلات، وليس إعلاناً عن استعادة الثقة أو طي صفحة الخلافات.
وتدرك أبوظبي بوعي استراتيجي عميق أن أمنها القومي متشابك عضوياً مع استقرار الجوار البحري، حيث تشكل قطاعات الطاقة والاستثمار والموانئ والمطارات شرايين حيوية لاقتصادها. ويقف مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة الأمنية، فمع مرور نحو واحد وعشرين مليون برميل يومياً من النفط، يصبح أي تهديد للملاحة نذيراً بارتفاع تكاليف التأمين وتعطيل الإمدادات العالمية، لا سيما بعد توثيق حوادث استهداف للناقلات وأنباء عن ألغام بحرية قرب المضيق. ومن هنا، تنبثق الدعوة الإماراتية للتهدئة كاستجابة مباشرة لضرورات حماية النموذج الاقتصادي القائم على الانفتاح والاستقرار. وهنا تتجلى المفارقة الثانية في معادلة التوازنات الدولية التي تديرها الدبلوماسية الإماراتية بكثير من الدقة؛ ففي حين تحتفظ أبوظبي بشراكات أمنية ودفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة، فإنها تتعاطى بواقعية مع ثقل الجغرافيا الذي يفرض التعامل مع إيران كقوة إقليمية مجاورة.
وتؤسس هذه الرؤية لدبلوماسية المصلحة الاستراتيجية، التي تقوم على تحصين التحالفات الدولية دون الانزلاق بالضرورة إلى قطيعة شاملة ومكلفة مع الجوار، بهدف تقليص مساحات سوء التقدير.
ويعني هذا التوجه الاحتفاظ بقنوات اتصال نشطة بالتوازي مع التمسك بمقتضيات السيادة الوطنية، وفي طليعتها قضية الجزر الثلاث؛ أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، التي تطالب الإمارات بحل النزاع حولها سلمياً. ويكتسب هذا المسار الدبلوماسي أهمية مضاعفة في ظل الحراك المكثف الذي تجريه طهران مع عواصم إقليمية عدة، وتنامي جهود الوساطة التي تقودها الدوحة لبلورة تسويات محتملة. وعلى الرغم من تباين الرؤى وتجذر الخلافات، تتشارك دول المنطقة قناعة صريحة بأن تكلفة القطيعة المطلقة تفوق بكثير تكلفة الحوار الحذر. وكما عكس الموقف الذي أعلنه المستشار الدبلوماسي أنور قرقاش مطلع نوفمبر، فإن السعي لتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة يتلازم مع جاهزية الردع لحماية المقدرات الوطنية. وتظل الخلاصة الأهم أن هذا التواصل الإماراتي الإيراني يجسد ممارسة متقدمة لدبلوماسية وقائية تسعى لدرء الأسوأ ضمن بيئة مضطربة، بانتظار أن يترجم السلوك الميداني والعسكري على الأرض مدى قدرة هذه الاتصالات على لجم الخلافات، ومنعها من الانحدار مجدداً نحو تهديد مباشر لاستقرار الشرق الأوسط.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!