تُعد ألواح ييل المسمارية في بابل، وتحديداً اللوح المُدرج تحت الرمز "YBC 4644" والمؤرخ بحوالي عام 1730 ق.م. في العصر البابلي القديم، أقدم كتاب طبخ تم صياغته على شكل وصفات تنفيذية متكاملة في السجل الثقافي الإنساني. هذه الألواح الطينية، التي عُثر عليها في بلاد ما بين النهرين المكتوبة باللغة الأكادية ونظام الكتابة المسمارية المعقد، لا تقتصر على تعداد مكونات الطعام فحسب، بل تصف التسلسل الزمني الدقيق لطهي وجبات البلاط الملكي وولائم الكهنة، ويتصدرها الوصفة الشهيرة ليخنة "توهو" (Tuho)، وهو مرق لحم غني يتميز بلونه القرمزي الداكن ونظامه المعقد الذي يجمع بين حلاوة الجذور الترابية، وحِدة التوابل العطرية، وتخمر الحبوب.
تعتمد هذه الوصفة البابلية المؤكدة على مكونات متناغمة تعكس الزراعة المتقدمة لبلاد ما بين النهرين؛ إذ تبدأ التحضيرات باستخدام قطع طرية من لحم الضأن الدهني المستخرج من الفخذ أو الكتف، وكميات وفيرة من الدهون الحيوانية المذابة، وجذور الشمندر الأحمر التي تمنح الطبق لونه القرمزي المميز واسمه التاريخي، بالإضافة إلى ثلاثية من الخضروات الكبريتية المكونة من الكراث البري، والثوم المهروس مع بلورات ملح الصخر، والبصل المفروم نقي الدقة. كما يُعد مسحوق الخبز "بابير" (Babir) جزءاً أساسياً من الوصفة، وهو خبز شعير متخمر ومخبوز مرتين كان يُستخدم في بابل وسومر كعنصر تغلظ أساسي للصلصات ومصدر غني للخميرة والسكريات المكرملة التي تمنح المرق قواماً مخملياً وثابتاً.
يبدأ عملية الطهي بإشعال فحم الأثل داخل موقد طيني ووضع وعاء خزفي عميق، يُعرف في النصوص الأكادية باسم "ديكارو" (Dikaru)، فوق جمر النار. توضع الدهون في قاع الوعاء حتى تذوب ويتصاعد دخانها الخفيف، ثم تُضاف قطع لحم الضأن لإنضاجها وتحمير حوافها مع الحفاظ على عصارتها الداخلية، ويلي ذلك إضافة كمية محسوبة من الماء العذب النقي وقطع خبز "بابير" المفتتة لتذوب في السائل الغليان وتطلق نشوياتها. ومع تصاعد الغليان، يُضاف الثوم المهروس بملح الصخر، والكراث المفروم، وتُللقى مكعبات الشمندر الأحمر الطازج، التي تلون السائل فوراً بلون الياقوت الساطع وتضفي حلاوة طبيعية تعكس ثقل الدهون الحيوانية.
قبل أن يصل اللحم إلى نقطة نضجه المثالية بنصف ساعة، تُخفف النار عبر سحب بعض الجمر ويُضاف مزيج من بذور الكزبرة المحمصة والمطحونة، والكمون الأخضر، وبقايا نبات الشذاب البري الجاف لإضفاء لمسة مرارة عشبية متوازنة، مع سكب حصة من جعة الشعير غير المصفاة لإذابة الرواسب المكرملة في قاع الوعاء وتعزيز حموضة المرق. يُترك الوعاء مغطى بطبقة من الطين المحروق حتى يصبح اللحم طرياً تماماً ويذوب عند اللمس، وتتركز الصلصة، وتتداخل نكهاتها، وتطفو طبقة لامعة من الزيت المتبل على السطح. كانت هذه اليخنة تُقدم في أوانٍ خزفية مزخرفة للملوك وكبار الكهنة، ومزينة بأوراق الكزبرة الخضراء الطازجة وسيقان الكراث المقرمشة، لتُستهلك مصحوبة بأرغفة ساخنة من خبز الشعير الخارجة حديثاً من أفران الطين التنور.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!