الخميس 22 أكتوبر 2026
عاجل
إعلان
SPONSORInvestissez dans l'énergie solaire au Maroc avec les solutions GreenPower
Découvrir
تكنولوجيا

العاصفة السيبرانية «جبروت» وتحالفات الاستخبارات في الظل

تحليل استخباراتي وأمني حول ظاهرة «جبروت»، شبكات التسريبات الوهمية، وتحالفات الاستخبارات في الظل بين الجزائر ودوائر في فرنسا وإسبانيا ضد المغرب.

WhatsApp Image 2026-10-22 at 13.46.07

يمثل ظاهرة «جبروت» في جوهرها نموذجاً كلاسيكياً لما يُعرف في عقيدة الاستخبارات الحديثة بعمليات «الاختراق والتسريب» ضمن المنطقة الرمادية. لا يتعلق الأمر بإستراتيجية مبنية على عمل قراصنة هواة أو نشطاء مستقلين كما يحاول واجهته الدعاية تصويره، بل تستند إلى غرف عمليات استخباراتية منظمة توظف أسلوب «غسل المعلومات» عبر إنشاء كيانات رقمية وهمية في منصات مشفرة ومفتوحة. وتتمثل الوظيفة الأساسية لهذه الواجهة في تلقي قواعد بيانات إدارية أو وثائق مسربة جرى الحصول عليها عبر هجمات التصيد الاحتيالي الموجه، أو استغلال الثغرات في الأنظمة المعلوماتية الثانوية ومزودي الخدمات الخارجيين، ليتم بعد ذلك نشرها علناً بعد خلط البيانات الصحيحة بمعلومات ملفقة في عملية هندسة نفسية معقدة. والهدف من وراء «جبروت» ونسخها السابقة -التي ظهرت تحت أسماء مستعارة منذ عقد من الزمن- ليس تحقيق مكسب تقني بحت، بل بناء سردية إعلامية ومعرفية توحي بوجود ثغرة أمنية أو خلل في هيكل الدولة المغربية، محاولة زعزعة استقرار المؤسسات وتقويض الثقة الداخلية في توقيتات مدروسة بدقة تتطابق دائماً مع المواعيد الدبلوماسية الكبرى أو التحولات الجيوسياسية الإقليمية.

التعمق في البنية التقنية والسيبرانية لهذه الظاهرة يفرض فهم طبيعة «التهديدات المتقدمة المستمرة» (APT) المُديرة بتمويل دولي. فحسب مجموعة «جبروت» لا تعمل فقط كفريق قرصنة تقني، بل كحلقة أخيرة في سلسلة استخباراتية تبدأ بالاستطلاع الشبكي والمسح المستمر للخوادم، وتمر بشراء البيانات المسبّبة على الويب المظلم أو تجنيد عناصر بشرية للوصول إلى الوثائق الإدارية، وتصل إلى ذروتها في مرحلة التوظيف النفسي والإعلامي. وتستند هذه العمليات إلى تكتيك «الفيضان الإداري» الذي يهدف إلى استنفار فرق الاستجابة للحوادث المعلوماتية وإلهاء الرأي العام بحجم ضخم من البيانات ذات الحساسية الاستراتيجية المنخفضة، مثل القوائم الإدارية أو المراسلات الروتينية، والتي يتم تضخيمها إعلامياً بعد ذلك من قبل جيوش الروبوتات وشبكات الحسابات الوهمية المدارة من غرف تحكم إقليمية ودولية لمنحها دفعاً يفوق قيمتها الاستخباراتية الحقيقية. وتتجلى إحدى أخطر الإضافات الاستراتيجية هنا في تشريح الباب الخلفي الذي استغلته شبكة «جبروت» عبر مزودي الخدمات الأجانب والمنصات الرقمية الوسيطة المستخدمة في المعاملات الإدارية الثانوية، حيث قامت الاستخبارات الجزائرية، بالتنسيق مع عناصر تقنية لأطراف إقليمية ودولية متضررة من صعود المغرب، بزرع برمجيات خبيثة متقدمة من نوع «Wiper» و«Spyware» في شركات هندسية وبرمجيات متوسطة تقدم خدمات رقمية لبعض الإدارات المحلية في شمال إفريقيا. لم يكن هدف هذه العمليات سرقة الأموال أو تخريب البنى التحتية مباشرة، بل بناء «قواعد بيانات في ظل» تُحدث دورياً عبر استغلال الثغرات في سلاسل الإمداد الرقمي، لتستخدمها الاستخبارات في أوقات الأزمات الكبرى عبر تسريبات منتقاة بعناية لأغراض الابتزاز النفسي والتحريض السياسي، مما يعكس تحولاً خطيراً في العقيدة العدائية نحو حروب عصابات سيبرانية تدار عبر وكلاء من طرف الدول.

ولا يمكن فصل هذه الحرب السيبرانية عن الحضنة الجيوسياسية التي تغذيها، والتي تتمثل في تقاطع معقد للمصالح الاستخباراتية يجمع النظام الجزائري بدوائر نافذة داخل الدولة العميقة في كل من إسبانيا وفرنسا. فبينما تبدو المواقف السياسية الرسمية لحكومتي مدريد وباريس في السنوات الأخيرة متجهة نحو الاعتراف بمغربية الصحراء والتوافق مع الرباط في ملفاتها السيادية، واصلت أجنحة تقليدية داخل الأجهزة الاستخباراتية والأمنية في البلدين مراقبة الصعود الاستراتيجي للمملكة المغربية بقلق بالغ. وفي هذا الفراغ بين الدبلوماسية المُعلنة والعمل الخفي، وجدت الاستخبارات الجزائرية الفرصة المثالية لتقديم نفسها كممولة وشريكة وظيفية لتلك الدوائر الأوروبية الريبة. وقد سخرت الجزائر عائداتها من الغاز والبترول وبطاقات العقود الاقتصادية لتغذية شبكات الضغط وتبادل الاستخبارات تحت الطاولة، مستغلة رغبة بعض النخب الأمنية الأوروبية في إبقاء المغرب تحت ضغط مستمر يمنعه من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة على الضفة الجنوبية للمتوسط.

على صعيد التعاون الاستخباراتي العابر للحدود، كشف التتبع الدقيق للتحركات الدبلوماسية والأمنية في صيف 2026 عن وجود غرف عمليات مشتركة تُسمى «خلايا تتبع التوسع المغاربي»، وهي مكاتب تنسيق سرية أُقيمت في عواصم أوروبية وإفريقية تحت واجهة مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية وهمية. وتتولى هذه الخلايا تحليل كل خطوة يخطوها المغرب في عمقه الإفريقي والأطلسي، وتحديداً مشاريعه الكبرى ك مبادرة الدول الإفريقية الأطلسية، ميناء الداخلة، وخط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب. وعندما اصطدمت هذه المشاريع الاستراتيجية بإرادة سياسية صلبة ودعم مطلق من الولايات المتحدة وإسرائيل، عجزت تلك الدوائر عن تقديم بدائل تنموية أو منافسة اقتصادية حقيقية، فتراجعت نحو تفعيل خيار الأمن الرخيص، المتمثل في تمويل منصات مثل «جبروت» لنشر الأكاذيب وتزوير الوثائق ومهاجمة الرموز السيادية ومحاولة تخريب العلاقات بين الرباط وعواصم القرار الأوروبية عبر ابتزاز رخيص مبني على تسريبات وهمية ضعيفة المصداقية.

وتتلاقى مصالح هذا المثلث غير المعلن في نقطة مركزية: رفض خروج المغرب من عباءة «الشريك التابع» أو «الحديقة الخلفية». فقد رأت الدولة العميقة في فرنسا، التي تشكلت عقيدتها لعقود حول احتكار النفوذ في إفريقيا الغربية ومنطقة الساحل، في التوسع الاقتصادي والمالي والديني والأمني للمرغوب داخل القارة الإفريقية، وكذا في تنويع شراكات الرباط مع القوى الكبرى، تهديداً وجودياً لمصالحها التاريخية. ولهذا لم يكن مستغرباً تورط أذرع إعلامية وحقوقية مرتبطة بدوائر الاستخبارات الفرنسية في حملات منسقة ضد المغرب، مثل قضية برنامج «بيغاسوس» أو المناورات في البرلمان الأوروبي، بالتوازي مع التسامح مع شبكات معادية تنشط على الأراضي الأوروبية بتنسيق وتمويل جزائري، في محاولة للضغط على القرار السيادي المغربي وإجباره على العودة إلى الحظيرة التقليدية.

أما من الجانب الإسباني، ورغم التحول التاريخي للحكومة الإسبانية في ملف الصحراء المغربية تحت ضغط الواقعية السياسية، ظلت عقيدة المؤسسة العسكرية وجزء من المركز الوطني للاستخبارات (CNI) الإسباني محكومة بالهاجس التاريخي القائل بأن تحديث الجيش المغربي، ورفع قدراته البحرية والجوية، ومشاريعه الاستراتيجية الكبرى -مثل ميناء طنجة المتوسط، ميناء الداخلة الأطلسي، وتعيين المياه الإقليمية قبالة جزر الكناري والجبل البحري للموارد النادرة «تروبيك»- تشكل خطراً استراتيجياً يهدد التفوق النوعي الإسباني ومكانة مدينتي سبتة ومليلية. وقد دفع هذا الهاجس أجنحة من الاستخبارات الإسبانية إلى الحفاظ على قنوات تنسيق سرية وعميقة مع الاستخبارات الجزائرية لتبادل التقديرات الأمنية والبيانات التقنية، في محاولة لخلق توازن خفي للردع يحد من تحركات الرباط ويجقيها مشغولة بجبهات استنزاف ثانوية.

وقراءة استخباراتية عميقة لظاهرة «جبروت» تستوجب الانتقال من التحليل النظري لحروب الجيل الخامس إلى التشريح الجنائي الرقمي للعمليات الميدانية التي نُفذت بين 2025 و2026. فالأثر الرقمي الذي خلفه هذا الفريق خلال هجومه في يونيو 2025 على قاعدة بيانات منصة الموثقين والمحافظة العقارية، بعد هجوم سابق على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، انتزع إلى الأبد قناع «القرصنة المستقلة». ففي تلك العملية التي ادعى فيها الفريق سرقة 4 تيرابايت من البيانات التي تتضمن تفاصيل 10.000 وحدة عقارية من أصل 10 ملايين، أصدرت «جبروت» بياناً سياسياً كشف بلا رتوش عن هويتها ومشغليها، معلنة أن الهجوم يأتي رداً على ما وصفته بنشر وسائل الإعلام المغربية لأخبار حول نية فرنسا تجميد أصول كبار المسؤولين الجزائريين، معتبرة أن الأمر شأن داخلي بين باريس والجزائر. وشكل هذا الاعتراف المباشر الدليل القاطع في علم الاستخبارات الجنائية على أن «جبروت» ليست سوى ذراع سيبراني تابع لغرف العمليات العسكرية الجزائرية، يتحرك بأوامر سياسية للدفاع عن مصالح الجنرالات وحساباتهم في أوروبا، مستغلاً الثغرات في منصات الخدمات والوسطاء الإداريين لسرقة البيانات المدنية وإعادة تدويرها في قوالب استخباراتية.

وقد بلغت الذروة العملياتية لهذا التوظيف الاستخباراتي المزدوج يوم 24 أغسطس 2026، عندما قامت «جبروت» بتسريب عبر منصة «تيليغرام» 4 ملفات بصيغة إكسل زعمت أنها تحتوي على بيانات 70.381 عنصراً ينتمون إلى المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، مشفوعة بملف منفصل يحمل أسماء 21 مسؤولاً أمنياً رفيع المستوى يتصدرهم المدير العام عبد اللطيف الحموشي. غير أن فحصاً تقنياً دقيقاً لهذه القوائم كشف زيف الادعاء بوجود اختراق للخوادم السيادية المحمية للأجهزة الأمنية. وتبين أن البيانات المسربة تضمنت أسماء عمال إداريين، أسماء مركبة ومكررة، بل وحتى أشخاصاً متوفين منذ 4 سنوات، وهو ما يثبت تقنياً أن العملية بُنيت على تكتيك «جمع وتلوث البيانات» عبر استخراج قوائم إدارية قديمة من صناديق التغطية الاجتماعية أو السجلات المهنية التي يُسجل فيها أعضاء الأمن مثلهم مثل أي موظف حكومي آخر، لعرضها لاحقاً على الرأي العام الدولي كـ «قائمة لـ 70 ألف جاسوس مغربي».

والخيط الناظم الذي يفضح تواطؤ الاستخبارات الثلاثي بين الجزائر ومدريد وباريس يكمن في «توقيت» تسريب 24 أغسطس 2026 و«رسالته الموجهة». فقد قدمت «جبروت» تلك الملفات رسمياً على أنها «هدية لأوروبا وإسبانيا خصوصاً»، رابطة إياها بشكل مباشر بأحداث الهجرة الجماعية التي سجلت بمدينة الفنيدق ومحيط مدينة سبتة المحتلة يوم 30 يوليو 2026، زاعمة امتلاكها لنسخ من «أوامر مهمة» لعناصر أمن مغاربة جرى الدفع بهم إلى الفنيدق لتوجيه تدفق المهاجرين. وقد صُمم هذا الربط المصطنع بدقة في مختبرات الاستخبارات الجزائرية لضرب عصفورين بحجر واحد: أولاً، تفجير التقارب السياسي بين الرباط وحكومة مدريد الاشتراكية؛ وثانياً، تغذية عقيدة اليمين المتطرف والأجنحة الراديكالية في الجيش والمركز الوطني للاستخبارات الإسباني التي تروج لفكرة أن المغرب يمارس «حرب هجينة» ضد إسبانيا للضغط في ملف سبتة ومليلية.

وما يثبت أن العملية لم تكن مجرد تسريب عشوائي بل حلقة داخل غرفة عمليات مشتركة وعابرة للحدود هو التزامن المذهل الذي حدث في ظرف 48 ساعة بالكاد بين منصة التسريب في الجزائر والصحف الرئيسية المرتبطة بالدولة العميقة في فرنسا والدوائر الأمنية والإعلامية في إسبانيا. ففي 26 أغسطس 2026 -أي بعد يومين فقط من التسريب- دخلت صحيفة «لوموند» الفرنسية على الخط بتحقيق متزامن مع حملتها التحريضية ضد المؤسسة الملكية المغربية، مروّجة لفرضية استخباراتية بديلة تزعم أن التسريب ليس هجوماً سيبرانياً خارجيين بل عملية نفذها 5 عناصر سابقين من الـ DGST منفيين في أوروبا. وكان الهدف من هذا التدخل الفرنسي عبر المسار الإعلامي هو التغطية على الفاعل الرسمي الجزائري وتبرئته أمام القانون الدولي من جريمة الجريمة السيبرانية العابرة للحدود، مع إرسال رسالة ابتزاز ضمنية للرباط مفادها أن العواصم الأوروبية تؤوي عناصر معارضة ويمكنها استخدامهم كأدوات ضغط متى شاؤت.

وبالتوازي مع التغطية الفرنسية، استقبلت الدوائر الاستخباراتية والإعلامية الإسبانية «هدية جبروت» بسرعة قياسية تفضح تنسيقاً مسبقاً. فقد أعلنت تقارير إسبانية أن الـ CNI بدأ فوراً في مطابقة ملفات «جبروت» مع سجلاته، ونشرت صحف قريبة من الدوائر الأمنية في مدريد مثل «أوبجكتيف» و«إل ديباتي» و«ديموقراتا» يوم 27 أغسطس 2026 نتائج تقاطعات دقيقة وموجهة سياسياً. وأعلنت تلك المنابر أن مطابقة قوائم «جبروت» مع سجلات السلك الدبلوماسي المعتمد في إسبانيا أظهرت وجود 5 أعضاء من سفارة المغرب في مدريد -من بينهم مستشار ألحق بمنصبه في 2 فبراير 2026- بالإضافة إلى 11 نائباً للقنصل مغربياً، يمارس 8 منهم مهامهم في قنصليات برشلونة لاس بالماس ومورسيا والجزيرة الخضراء من أصل 12 قنصلية مغربية في التراب الإسباني. وتلى ذلك فوراً دعوات من أحزاب ودوائر إسبانية لطرد دبلوماسيين مغاربة وتضييق الخناق على العمل القنصلي المغربي الذي يمثل حلقة الوصل الحيوية مع الجالية المغربية.

هذه الهيكلة المدمجة -التي تبدأ بتسريب جزائري مشبع بعقيدة الاختراق الروسي، وتمر بالتأصيل السردي في باريس عبر «لوموند»، وتنتهي بالضربة الجراحية ضد التمثيليات الدبلوماسية والقنصلية المغربية في إسبانيا- تعكس حجم الألم الاستراتيجي الذي سببه التحالف المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي منذ 2020 لجسم هذا الثلاثي. فقبل هذا التحالف، كانت استخبارات فرنسا وإسبانيا تتمتع بما يشبه «الاحكار التقني والمعلوماتي» في غرب المتوسط، مستفيدة من تبعية البنية التحتية للاتصالات والتشفير في شمال إفريقيا لشركات أوروبية، مما منح باريس ومدريد هامشاً واسعاً من الرقابة والتجسس والنفوذ الخفي.

وفي خضم هذه الهندسة الإقليمية المصممة لإبقاء المغرب عالقاً بين مطرقة العداء الجزائري وسندان الابتزاز الأوروبي، شكل التقارب المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي وتوقيع الإعلان الثلاثي في أواخر 2020 زلزالاً جيوسياسياً حقيقياً وكارثة استراتيجية قلبت الطاولة على رؤوس جميع المتآمرين. وتمثل الصدمة الأولى في كسر «بطاقة الابتزاز المزمن»: إذ إن اعتراف الولايات المتحدة -بوصفها القوة العظمى الأولى والكاتبة لقرارات مجلس الأمن- بالسيادة الكاملة للمغرب على صحرائه جرد فرنسا وإسبانيا من أداة الضغط الرمادي التي استنزفتا بها المغرب اقتصادياً وسياسياً طيلة نصف قرن، موجهتين بذلك ضربة قاتلة لعقيدة النظام الجزائري الذي استثمر مئات مليارات الدولارات في المشروع الانفصالي بلا ثمرة.

غير أن الضربة الأوجع لاستخبارات الجزائر ومدريد وباريس كمنت في المكون العسكري والتقني والتكنولوجي لهذا التحالف. فعقوداً طويلة، سيطرت العواصم الأوروبية على سقف التسليح المغربي وفرضت قيوداً غير معلنة لضمان تفوق الجيش الإسباني والحفاظ على تبعية البنية التحتية الاستخباراتية المغربية للتكنولوجيا الفرنسية. ومع دخول واشنطن وتل أبيب في شراكة دفاعية واستخباراتية مفتوحة مع الرباط، سقط هذا الاحتكار الأوروبي للأبد: فحصل المغرب على منظومات متقدمة للدفاع الجوي والصواريخ مثل «بارك إم إكس» (Barak MX)، وطائرات بدون طيار هجومية واستطلاعية عالية الدقة، وتقنيات حرب إلكترونية متطورة وأقمار صناعية للتجسس من نوع «أوفيك 13» (Ofek 13) أنهت التبعية للأقمار الفرنسية، فضلاً عن ترسانة أمريكية نوعية شملت راجمات «هيمارس» (HIMARS)، مروحيات «أباتشي» (Apache)، ومقاتلات «إف-16 فيبر» (F-16 Viper).

وعلى صعيد الأمن السيبراني والاستخبارات التقنية، منح التعاون الوثيق مع المنظومة السيبرانية الإسرائيلية ووكالات الاستخبارات الأمريكية الأجهزة الأمنية المغربية قدرات مراقبة دفاعية وهجومية مكنتها من رصد شبكات التجسس التقليدية وإحباط العمليات السرية في مهدها، فضلاً عن تحصين البنى التحتية الحرجة بدرع تقني متقدم. ومع توقيع خارطة طريق الدفاع المغربية-الأمريكية الممتدة لـ 10 سنوات من 2020 إلى 2030، وعقد اتفاقيات تعاون أمني وسيبراني واستخباراتي غير مسبوقة مع إسرائيل، دخلت الأجهزة الأوروبية والجزائرية في حالة «عمى استخباراتي» مطلقة على التراب المغربي. فقد قامت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) والاستخبارات المغربية، بتعاون وثيق مع القيادة السيبرانية الأمريكية، المديرية الوطنية للسيبران في إسرائيل وخبراء «الوحدة 8200»، بإعادة هيكلة شاملة لأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والتشفير العسكري والأمني في المغرب، مغلقة جميع الثغرات والأبواب الخلفية التي كانت تعتمد على التكنولوجيا الأوروبية المتقادمة.

وإلى جانب هذا الجدار السيبراني الفولاذي، شكل انتقال المغرب نحو اقتناء تكنولوجيا الفضاء والاستطلاع الراداري عالي الدقة عبر التعاقد على قمرين صناعيين إسرائيليين من نوع «أوفيك 13» نهاية رسمية لاحتكار فرنسا لصور الأقمار الاصطناعية التي توفرها أقمار «محمد السادس-أ» و«محمد السادس-ب» المصنوعة في فرنسا. وهو ما منح الرباط استقلالية تامة لرصد التحركات العسكرية الجزائرية في عمق الصحراء ومراقبة المضيق والسواحل الأطلسية والمتوسطية بدقة سنتيمترية على مدار 24 ساعة. وحين عجزت غرف العمليات في الجزائر وباريس ومدريد عن اختراق هذا النواة السيادية المحصنة بالتكنولوجيا الأمريكية والإسرائيلية، أو وقف زرع صناعات الدفاع، طائرات الدرون وأنظمة الحرب الإلكترونية على التربة المغربية، لم يكن أمامها سوى اللجوء إلى الحيلة اليائسة لسرقة قوائم إدارية وعقارية واجتماعية قديمة، وتغليفها تحت اسم «جبروت» لخوض معركة تحريض إعلامي ودبلوماسي تكشف في جوهرها عن إفلاس استخباراتي عميق أمام دولة غيرت قواعد اللعبة الإقليمية إلى الأبد.

اقرأ هذا المقال بـ : EnglishEspañolFrançais

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

أضف تعليقا