يكشف التقرير السنوي الذي أصدره بنك المغرب حول البنى التحتية للأسواق المالية ووسائل الأداء ومراقبتها لسنة 2025 عن تحول جذري وازدهار غير مسبوق في سلوك المعاملات المالية بالمملكة، مدفوعاً بالنمو الهائل لخدمة التحويلات المصرفية الفورية، والتي دخلت حيز التشغيل بين البنوك بالتنسيق مع مجموعة نظام المقاصة الإلكترونية بين البنوك في المغرب (GSIMT). وتظهر البيانات الرسمية التي وثقها البنك المركزي أن منصة مقاصة التحويلات الفورية (PCVI) عالجت ما يقارب 29 مليون عملية خلال سنة 2025، مقارنة بـ 16.3 مليون عملية جُمّعت في سنة 2024، وهو ما يمثل قفزة استثنائية بمعدل نمو بلغ 77.9% (ما يقارب 78%) في إجمالي حجم العمليات المنجزة. ولم يقتصر هذا الزخم على الكثافة العددية فحسب، بل انعكس بشكل مباشر على القيمة المالية الإجمالية التي بلغت 107.5 مليار درهم في سنة 2025، مقابل 61.7 مليار درهم سنة 2024، مسجلة زيادة سنوية بنسبة 74.2%، مما يعكس توسع تبني الدفع الفوري من طرف الأفراد والمهنيين على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع.
وقد رافق هذا الارتفاع الصاروخي في وتيرة التحويلات الفورية نمو مستمر في نشاط التبادل الإجمالي بين مؤسسات الائتمان في المغرب، حيث أشار التقرير إلى أن القيمة الإجمالية للتبادلات المعالجة عبر نظام مقاصة المدفوعات الجماعية (SCPM) بلغت 2,717.1 مليار درهم برسم سنة 2025، مسجلة زيادة بنسبة 7.6% مقارنة بنتائج سنة 2024. وعلى الصعيد التقني والعملياتي، وتحت إشراف وتقييمات دورية صارمة من طرف سلطات التنظيم المالي، حافظ نظام مقاصة المدفوعات الجماعية على موثوقية عالية جداً بمعدل إتاحة بلغ 99.9% طيلة فترات التشغيل وددون تسجيل أي حادث تقني يذكر، في حين استقر المعدل المتوسط للمقاصة في 10.1%. ويتكامل هذا الأداء الميداني مع التقدم المحرز في نظام الدفع الإجمالي للمغرب (SRBM)، المخصص للمبالغ الكبيرة وعمليات التسوية البنكية المستعجلة، والذي سجل زيادة بنسبة 18% في أوامر الدفع الصادرة عن المشاركين المباشرين خلال سنة 2025، محققاً معدل إتاحة تقنية يقارب 99.73% ومدعوماً بنسخة برمجية متطورة أطلقها بنك المغرب في نوفمبر 2025 متوافقة تماماً مع المعيار المالي الدولي (ISO 20022).
ويتقاطع هذا القفزة الرقمية مع دينامية موازية في قطاع البطاقات البنكية، حيث عالج نظام "سويتش المغرب" زيادة في عدد التراخيص بنسبة 24.4% في سنة 2025، ليبلغ 230.1 مليون عملية أداء بالبطاقة بقيمة إجمالية تقارب 70.8 مليار درهم. وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية والمتسارعة التي تدعم الشمول المالي وتحديث شبكات الدفع الوطنية، فإن تقرير السلطة النقدية يضع هذه الإنجازات في مواجهة تحدٍ هيكلي مستمر: هيمنة النقد ("الكاش"). فقد أصدر بنك المغرب حوالي 800 مليون ورقة نقدية جديدة خلال سنة 2025 وحدها، مقابل 650 مليون ورقة نقدية سنة 2024، مما يؤكد أن تسريع وتيرة المدفوعات الرقمية ما زال يتطلب استراتيجيات أعمق للحد من الاعتماد على السيولة المادية. وتتويجاً لهذه الدينامية الداخلية، يبرز انفتاح متزايد للخارج في منظومة المالية المغربية، انعكس في انضمام بنك المغرب في يونيو 2025 إلى النظام الإفريقي للدفع والتسوية (PAPSS)، مما يعزز الاندماج القاري ويتوج مساراً للربط الإقليمي انطلق بالمشاركة في منصة الدفع العربية "بنا" سنة 2023، ليضع بذلك أسس بنية تحتية مالية متكاملة تواكب التحولات الرقمية الوطنية والدولية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!