تأسست على الضفة الجنوبية لمصب وادي أبي رقراق، في مواجهة المحيط الأطلسي، في منتصف القرن السادس الهجري (حوالي عام 545 هـ / 1150 م) على يد أول خليفة موحدي، عبد المؤمن بن علي الكومي، الذي اختار هذا الموقع الاستراتيجي المحصن لبناء "رباط الفتح"، ليكون قلعة عسكرية وقاعدة لتجميع كتائب المجاهدين المنطلقين عبر البحر نصرة للمسلمين وتثبيتاً لأركان الدولة في الأندلس. وقد رفعت طموحات حفيده، الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، المدينة إلى آفاق إمبراطورية غير مسبوقة، رغبة منه في جعلها حاضرة كبرى تليق بأمجاد إمبراطوريته. فقد خطط لبناء عاصمة كبرى تحيط بها أسوار حجرية مهيبة ومسجد جامع يُعد الأكبر في العالم الإسلامي بأسره في تلك الفترة. ومع أفول النجم الموحدي وسقوط الأندلس، استقبلت المدينة في أوائل القرن السابع عشر موجات متتالية من اللاجئين الأندلسيين (الموريسكيين المطرودين من ديارهم)، الذين استقروا في القصبة والمدينة العتيقة، مؤسسين كياناً سياسياً فريداً عرف تاريخياً بـ "جمهورية أبي رقراق"، اتسم بالاستقلال والاشتغال بالقرصنة البحرية، مما أعاد للميناء ألقه التجاري والبحري، إلى أن انضوَت المدينة تحت لواء الأسرة العلوية الشريفة، لتصبح في عام 1912 العاصمة الإدارية والسياسية للمملكة المغربية، محققة توليفة عمرانية فريدة أهلتها لتصنفها منظمة اليونسكو تراثاً عالمياً لكونها مدينة تجمع بين أصالة التراث التاريخي ومتطلبات الحداثة المعاصرة.
تنتصب صومعة حسان في سماء الرباط شاهداً أبدياً على عبقرية العمارة الموحدية؛ فصومعتها ذات القاعدة المربعة، المبنية من الحجر الرملي الوردي، تبلغ ارتفاعاً قدره أربعة وأربعون متراً، وكان من المخطط لها أن تتجاوز الثمانين متراً لولا وفات مؤسسها المنصور عام 1199 والزلزال الشهير الذي ضرب المنطقة لاحقاً. وفي فناء المسجد المكشوف تتوزع مئات الأعمدة الرخامية والحجرية التي تشهد على ضخامة المشروع الأصلي. وإلى جانب الصومعة يرتفع ضريح محمد الخامس لتحفة معمارية علوية حديثة وفريدة، بقبته المكسوة بالقراميد الخضراء، وجدرانه المنحوتة بآيات الذكر الحكيم وفنون الخط الكوفي والزليج الملكي، وسقفه المصنوع من خشب الأرز المطعم بالذهب، حيث ترقد جثامين الملوك الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني. وعلى جرف صخري يشرف على المحيط ومصب النهر تقبع قصبة الأوداية، ببوابتها الموحدية الضخمة المزخرفة بالأقواس المفصصة المتشابكة، وتقود دروبها الداخلية المصبوغة بالأزرق والأبيض إلى حديقة الأندلس الغناء بأشجار النارنج والدفلى، والمقهى الموري العريق. وإلى الجنوب من المدينة تترامى أنقاض شالة الساحرة، حيث تندمج بقايا المدينة الموريتانية الرومانية (سالا كولونيا) بمقابر الملوك المرينيين ومسجدها البديع وبركة الأنقليس الأسطورية المحاطة بأشجار التين والصفصاف تحت ظلال أعشاش اللقالق المعمرة. وتكتمل الأسوار الموحدية بأبواب تاريخية فائقة الجمال، مثل باب الرواح المهيب الذي يحتضن معارض للفنون التشكيلية، وباب زعير.
تتكامل أصالة الرباط مع إشعاعها المعماري المعاصر، المتجسد في المعالم الحديثة الكبرى التي تصطف على ضفاف وادي أبي رقراق، وفي مقدمتها مسرح الرباط الكبير، الذي تصميمته المهندسة المعمارية العالمية زها حديد بأسلوب انسيابي ومستقبلي مستوحى من حركة أمواج النهر؛ وبرج محمد السادس المهيب، الذي يُعد أطول ناطحة سحاب في إفريقيا وتجسيداً لتقنيات العمارة البيئية المتقدمة؛ فضلاً عن متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، الذي يحتضن الإبداعات التشكيلية المغربية والدولية. وفي نفس الوقت، تنبض شارع القناصل التاريخي في المدينة العتيقة بذاكرة الدبلوماسية، إذ كان مقراً لسفراء وقناصل القوى الأوروبية إبان حقبة جمهورية أبي رقراق، ليغدو اليوم سوقاً تقليدياً يضم أشهر صانعي الزرابي الرباطية التقليدية والمصنوعات الفضية.
لقد خلد الرحالة والفنانون من شتى بقاع الأرض سحر الرباط وعظمتها. فقد توقف بها ابن بطوطة مشيداً بموضع رباطها ومتانة بنيان. وترك الرسام الرومانسكي الفرنسي أوجين ديلاكروا، خلال زيارته للمغرب عام 1832 ومروره بالرباط ضمن مهمته الدبلوماسية، شهادة عميقة عن ذهوله بنقاء الضوء الأطلسي المنعكس على أسوار قصبة الأوداية وتدفق مياه أبي رقراق، مخصصاً مساحات واسعة في مذكراته ودفاتر ألوانه لتخليد أزياء فرسانها ووقار شيوخها. وكتب الرحالة الإنجليزي والتر هاريس عن جلال القصبة وهي تصارع أمواج المحيط الهائجة، واصفاً مشهد النهر وهو يشطر الرباط وسلا بواحد من أجمل مناظر الحوض المتوسط. ومن جهته، دقق الحسن الوزان (ليون الأفريقي) في وصف ضخامة أسوار يعقوب المنصور التي كانت تمتد لأميال، مؤكداً أن اتساع الفراغات داخل الأسوار كان مخصصاً لإيواء الجيوش العرمرم وحشود المجاهدين المتوجهين نحو المعارك الحاسمة.
يتجلى التراث الأندلسي العريق للرباط في فنونها اللامادية، ولا سيما الطريز الرباطي التقليدي ذي الأصول الأندلسية، والذي يتميز ببراعة خيوط الحرير على قماش الكتان الأبيض دون أثر لعقد في الوجه الخلفي، في آية إبداعية حرفية توارثتها الأجيال كابراً عن كابر. وفي دور الرباط وقصورها تصدح ألحان الموسيقى الأندلسية وإقاعات "طرب الآلة"، حيث تتقاطع نوبات الحجاز ورمل المايا والعيشاق مع الأنشاد الصوفية للفرق الروحية في الزوايا الحراقي والدرقاوية.
وتتميز المطبخ الرباطي بنبل تقاليده الطهوية، وريثة موائد الأندلس وأبي رقراق. فالطبق السيد هو الباداز الرباطي بالسمك، وهو كسكس استثنائي لا يُعد بسميد القمح المعتاد في باقي ربوع الوطن، بل بدقيق الذرة الخالصة التي تُفتل وتُطبخ على البخار ثلاث مرات متتالية بحرص ودقة لتجنب التكتل، ليُسقى بعد ذلك بمرق كثيف ومركز يُطهى فيه سمك طازج اليوم —كالقاروص أو الهامور— إلى جانب قطع اليقطين الأحمر الكبير، البصل، الطماطم، القزبرة الطازجة، الزيت الخالص والفلفل الحار، ليفرز طبقاً بحرياً شهياً يزاوج بين خفة الذرة وطراوة السمك وحلاوة اليقطين. كما تشتهر الرباط بطبق طاجين المقفول التقليدي، الذي يُطهى فيه لحم الغنم الطري المتبل بالزعفران والزنجبيل، وتُفرش فوقه طبقات وفيرة من شرائح البصل والطماطم الطازجة الرقيقة، ويُغلق الإناء بإحكام لتتداخل الخضروات مع البخار الصاعد وتتكرمل مع القرفة والسكر السقيل، مفضية إلى مرقة كثيفة وعسلية تتناغم مع دسم اللحم. وتُختتم الولائم الرباطية بـ المحنشة الرباطية، وهي حلوى لولبية الشكل مصنوعة من أوراق الفيلو بالغة الدقة محشوة بمعجون اللوز المعطر بماء الزهر المقطر والمسكة الحرة، ومرتبة على هيئة ثعبان، ومزينة برقائق اللوز ومرشوشة بالقرفة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!