تمثل عزلة الرجل عند مواجهته للضغوط النفسية والأزمات الوجودية ظاهرة سيكولوجية متجذرة بعمق في البنية العصبية واللاواعية للجنس الذكوري، والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزالها في مفهوم الهروب أو التراجع أو التخلي عن المسؤوليات. فمنذ المراحل الأولى للحياة، يخضع الذكر لعملية صارمة من التكيف النفسي والتربوية التي تحول المعاناة الصامتة إلى مختبر داخلي لإتقان مهارات البقاء؛ وكما يشار إلى ذلك من قبل عالم النفس التحليلي إريك إريكسون في نظريته حول مراحل التطور النفسي الاجتماعي، فإن الهوية الذكورية تتشكل منذ الطفولة عبر حتمية الاستقلال والثقة الصارمة بالنفس لتجاوز العقبات، مما يرسخ في اللاوعي الذكوري معادلة وجودية تربط بين القيمة الشخصية والقدرة الفردية على تحقيق النجاحات وحل المعضلات. هذه البرمجة النفسية العميقة تفرض على الرجل، عندما تداهمه الأزمات في مراحل حياتية مختلفة، انسحاباً فورياً نحو مساحته الداخلية الخاصة، وهو ما أطلق عليه عالم النفس جون غراي مفهوم "كهف الرجل"؛ مؤكداً في عبارته الشهيرة: "يدخل الرجل إلى كهفه لحل مشكلته بمفرده، وعندما يجد الحل، يخرج منه تلقائياً كشخص أكثر حضوراً وتوازناً". هذا الانسحاب التكتيكي يتناقض جوهرياً مع الآلية الأنثوية للتعامل مع التوتر، التي وثقتها عالمة النفس بجامعة كاليفورنيا شيلي تايلور في نظريتها الرائدة حول "الرعاية وتكوين الصداقات"، حيث أثبتت أن المرأة وتحت الضغط تميل بيولوجياً، بسبب إفراز الأوكسيتوسين، إلى البحث عن ملاذ اجتماعي والمشاركة اللفظية لمشاعرها لتبديد الأزمة، بينما يدفع هرمون التستوستيرون والأدرينالين الرجل نحو استجابة حاسمة تعتمد على التركيز المركز والعزلة التامة، متجنباً استنزاف طاقته الحيوية في التعبير العاطفي قبل إيجاد مخرج عملي للمعضلة التي يواجهها.
هذا السلوك يجد تفسيره الأعمق في مجالات علم الأعصاب الإدراكي وعلم النفس التطوري، لا سيما في أبحاث عالم النفس بجامعة كامبريدج سايمون بارون كوهين، صاحب نظرية "الدماغ الممنهج مقابل الدماغ التعاطفي"؛ والذي أثبت أن الدماغ الذكوري مصمم بطبيعته ليعمل كنظام تحليلي صارم يبحث عن القوانين السببية ويفكك الأنظمة المعقدة لإصلاحها. فعندما يقع الرجل تحت وطأة ضغط شديد، يقوم دماغه بإغلاق مؤقت لقنوات الاتصال والمراكز العاطفية، موجهاً كل تدفقه الدمي والنشاط العصبي نحو قشرة الفص الدماغي الأمامي، المسؤول عن التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات المنطقية. وتدعم دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي التي أجراها عالم الأعصاب روبن غور في جامعة بنسلفانيا هذه الحقيقة العلمية، من خلال الكشف عن أن دماغ الرجل في حالات التركيز العميق يعزل النشاط العصبي في مراكز محددة داخل نصف كرة مخية واحد دون تشتيت الطاقة بين نصفي الكرة المخية الأيمن والأيسر كما يحدث لدى المرأة، مما يجعل الصمت بيئة مواتية وضرورية للمعالجة العقلية العليا. ومن منظور علم النفس العميق، يعتبر رائد التحليل النفسي كارل غوستاف يونغ أن هذا الانسحاب نحو الداخل هو عملية "تفرد" ورحلة نفسية حتمية نحو "الداخل" لمواجهة الظل وإعادة تنظيم الفوضى الداخلية بعيداً عن أقنعة المجتمع، وهو ما أجمله يونغ بقوله: "إن أعلى درجات التحول والشفاء النفسي لا تتحقق إلا في عزلة الذات ومواجهتها الصامتة لأزماتها"؛ وهو موقف يشاركه فيه الطبيب النفسي الوجودي فيكتور فرانكل، الذي يرى أن المعاناة الصامتة تمنح الإنسان مساحته الخاصة لاكتشاف المعنى الكامن خلف الألم وتحويل الشدائد إلى إنجاز شخصي.
هذا التكيف النفسي المعقد الذي يرافق الرجل منذ طفولة مبكرة يفسر أيضاً آليات "المواجهة المرتكزة على المشكلة" التي صاغها عالما النفس ريتشارد لازاروس وسوزان فولكمان في نموذجهما المعرفي؛ فالرجل، وبسبب تكوينه النفسي والعصبي، لا يرى في الشكوى أو الاعتراف العاطفي غاية في حد ذاته، بل يعتبر أن إضاعة الوقت في الحديث عن الأزمة دون امتلاك حل فعال هو نوع من العجز الذي يهدد كفاءته الشخصية ومرونته النفسية. ويؤكد عالم النفس التطوري ديفيد باس أن هذا السلوك هو امتداد لغريزة الصائد والمحارب القديم، الذي كان بقاؤه يعتمد على قدرته على كبح مشاعره، والتحكم في تنفسه، والتفكير في صمت مطلق في لحظات الخطر الوشيك. وعليه، فإن صمت الرجل واعتزاله المؤقت يمثلان ورشة عمل عقلية مغلقة يعيد فيها تقييم موارده، ويحاكم خياراته، ويستعيد السيطرة على الوضع بعيداً عن ضجيج المؤثرات الخارجية. ومن هنا، يصبح جلياً تماماً أن عزلة الرجل تحت الضغط ليست برودة عاطفية ولا انسحاباً جباناً من ساحة معركة الحياة، بل هي استجابة نفسية وعصبية بالغة التعقيد، صاغتها آلاف السنين من التطور وصقلتها تجارب المعاناة الفردية على امتداد مراحل الحياة، ليبقى ذلك الصمت المهيمن هو الدرع الواقي الذي تأوي إليه العقلية الذكورية ريثما تعيد هندسة الواقع، لتخرج من عزلتها حاملة للحل الذي يحافظ على توازنها النفسي وكرامتها الوجودية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!