يمثل إطلاق دائرة التعليم والمعرفة في أبوظبي، بالتنسيق الوثيق مع وزارة الموارد البشرية والتوطين ومجلس تنافسية الكوادر الإماراتية «نافس»، لبرنامج استراتيجي يستهدف توطين قطاع التعليم الخاص، تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الموارد البشرية الوطنية وتصميم مساراتها المستقبلية. تتجاوز هذه المبادرة الأنماط التقليدية للتوطين القائمة على استيفاء النسب العددية والشكليات الإدارية، لتضع أسس أثر اجتماعي وتعليمي مستدام داخل منظومة حيوية اعتمدت لعقود طويلة، شبه كلياً في تشغيلها وبنائها الأكاديمي، على الكفاءات الأجنبية والخبرات المستوردة.
وتندرج هذه المبادرة الواعدة في إطار رؤية التنمية الشاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تستهدف تفكيك الاعتماد المركزي على الوظيفة الحكومية وإعادة توجيه الطاقات الوطنية نحو قطاعات تخصصية ذات قيمة مضافة عالية. فبعد النجاحات الملموسة التي حققتها استراتيجيات التوطين في القطاعات المصرفية والمالية والتكنولوجية، يبرز التعليم كأكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في صياغة الوعي المجتمعي وبناء الأجيال القادمة. وتتجلى قوة هذه المبادرة في صياغتها القائمة على تكامل مؤسسي ثلاثي يجمع بين دائرة التعليم والمعرفة كجهة تنظيمية وتشريعية متخصصة، ووزارة الموارد البشرية والتوطين كمظلة اتحادية تنظم سوق العمل، وبرنامج «نافس» بذراعه التمويلي والتدريبي، مما يجسد نموذجاً متقدماً لتوحيد السياسات والموارد في خدمة مسارات التنمية المستدامة.
لا تقف أهداف هذا البرنامج عند هوامش التوظيف، بل ترتكز على ترسيخ الهوية الوطنية والثقافية في بيئة مدرسية تتسم بتنوع مناهجها الدولية بين البريطانية والأمريكية والبكالوريا الدولية وغيرها، وهي بيئات تحتضن شريحة واسعة من الطلاب الإماراتيين. ومن هنا، يتيح استقطاب المعلم الإماراتي تدريس مواد الهوية، واللغة العربية، والدراسات الاجتماعية، والتربية الأخلاقية بنبض مستمد من التجربة الحية للثقافة والتراث المحلي، فضلاً عن بناء جسر قوي وفعال للتواصل بين إدارات المدارس وأولياء الأمور لتجاوز أي سوء فهم ثقافي، وتقديم قدوات ونماذج وطنية ملهمة تسهم في تشكيل شخصية الطالب وتعميق شعوره بالانتماء داخل جدران الفصول الدراسية والأنشطة التعليمية.
ولضمان الجودة والتنافسية، يبتعد البرنامج عن التوظيف العشوائي مركّزاً على ردم فجوة المهارات عبر مسارات تدريب مهني بالتعاون مع كليات التربية وبيت الخبرة العالمية، بهدف تزويد الكوادر بأحدث أساليب التدريس واستراتيجيات التعليم الرقمي، وتأهيلهم للحصول على رخص مهنية معتمدة للتدريس في الدولة، مما يرفع من كفاءتهم وتنافسيتهم لمضاهاة المعايير الدولية الصارمة. ولا تقتصر هذه التأهيل على ذلك، بل تمتد لتشمل الهياكل التنظيمية والقيادية عبر تمكين المواطنين من تولي أدوار في الإرشاد الأكاديمي والمهني، والإرشاد النفسي، وإدارة الأقسام، وصولاً إلى القيادة المدرسية والمشاركة الفعالة في صياغة السياسات الداخلية للمؤسسات التعليمية بما يضمن توافقها مع الرؤى الاستراتيجية للدولة.
لم تكن هذه الرؤية لتكتمل دون معالجة التحديات التاريخية التي حدّت مسبقاً من جاذبية قطاع التعليم الخاص للمواطنين، وفي مقدمتها تفاوت الامتيازات المالية مقارنة بالتعليم الحكومي، وارتفاع متطلبات وساعات العمل. لقد وفرت المبادرة شبكة أمان وحوافز نوعية عبر آليات الدعم المالي المباشر من برنامج «نافس» الذي يتكفل بتغطية الفجوة في الرواتب بين القطاعين، وتقديم علاوات لدعم رعاية الأطفال والاشتراكات التقاعدية، إضافة إلى إقرار أطر تنظيمية تضمن الاستقرار الوظيفي والمسارات المهنية الواضحة، مما يسهم في إعادة تشكيل ثقافة المجتمع تجاه مهنة التدريس كمسار مهني رائد لبناء الخبرة والتطوير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!