في سهول غرب إفريقيا الممتدة على ضفاف نهر بني في مالي، يرتفع الجامع الكبير في مدينة «جينيه» كواحد من أبرز تجليات عمارة الطين في تاريخ البشرية، متحدياً المعايير الحديثة التي تقيس خلود الآثار بصلابة الحجر ومقاومة الخرسانة المسلحة. وقد بني هذا الصرح المهيب بالكامل باستخدام «البانكو»، وهو مزيج عضوي يتكون من طين غريني مترسب جراء الفيضانات النهرية، ممزوجاً بروث الماشية، والتبش، وقشور الأرز، ومستخلصات بذور شجرة الباوباب، مما يمنحه تماسكاً بفضل ملطفاته الطبيعية. وتتميز هذه العمارة السودانية التناضحية بقدرتها الفريدة على العيش في تناغم تام مع قسوة البيئة شبه الصحراوية؛ فجدرانها الطينية السميكة تمتص درجات الحرارة الحارقة خلال ساعات النهار للحفاظ على برودة رطبة في الأجواء الداخلية، ثم تطلق ببطء ذلك الحرارة المخزنة في جوف ليلة الصحراء الباردة، ليتحول المبنى إلى رئى بيولوجية حية تنبض وتتנفس بالتوافق مع إيقاعات الأرض وتغيرات الفصول.
ومع ذلك، فإن هذا التناغم البيئي الجميل يدفع ثمن هشاشة هيكلية لا مفر منها في مواجهة مواسم الأمطار الاستوائية الغزيرة التي تضرب المنطقة كل عام؛ فالتيارات تتسبب في تآكل الطبقة الخارجية للجدران وانجراف طينها، مما يترك المعلم مهدداً بالزوران إذا ترك لمنطق الطبيعة البحت. ومن هذا الضعف الدوري تحديداً، ينبثق طقس أنثروبولوجي مهيب لا نظير له في العالم، يعرف بمهرجان «التجصيص» أو إعادة الطلاء السنوي للجامع الكبير. وهكذا، في صبيحة يوم محدد يعلن عنه مجلس أعيان المدينة ونقابة البنائين التقليديين، تنهض جينيه بأسرها في صخب شعبي غامر يذيب فروق الطبقات والصراعات الفردية؛ حيث يشارك آلاف الرجال والنساء والشيوخ والأطفال في ملحمة تضامنية تعيد تشكيل الجسد المعماري لمدينتهم وتجدد العهد غير المكتوب الذي يربط المجتمع بأرضه المقدسة وتاريخه المشترك.
تتحول ساحة الجامع في ذلك الصباح إلى خلية نحل كونية تعج بالحركة والأناشيد الإيقاعية؛ فالأطفال والشباب يخوضون في برك الطين المختمر بأقدام وأيدي عارية لمنحه القوام اللزج المطلوب، بينما تنقل الفتيات والنساء الماء في أوانٍ كبيرة من ضفاف النهر إلى أماكن الخلط، في حين يتسابق الشباب الأقوياء لتسلق جذوع النخيل البارزة من واجهات المسجد، والمعروفة بـ«التورون»، والمصممة هندسياً لتكون سقالات دائمة وجزءاً لا يتجزأ من الهيكل الزخرفي والبنائي للمعبد. يصعد هؤلاء المتسلقون محملين بكرات الطين الرطب لتسوية واجهات المسجد المتضررة تحت الإشراف المباشر والصارم للمعلمين البنائين، «الباري»، الذين يرثون أسرار هذه الحرفة المعقدة جنساً بعد جيل. ولا تستغرق هذه الصيانة الشاملة سوى بضع ساعات، لكن أثرها الرمزي يمتد لشحن الذاكرة الجماعية بهوية متجددة، دلالة على أن البقاء لا يتحقق بالانغلاق في مواد خاملة ومنفصلة عن دورة الحياة، بل عبر الفعل البشري المتكرر واللانهائي الذي يرفض الاستسلام للاستباق ويدخل في إعادة خلق موطنه الروحي من نفس الأرض التي وُلد منها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!