منذ اللحظة الأولى التي خط فيها الإنسان علاماته المسمارية الأولى على لوح طيني في بلاد ما بين النهرين، اقترن هذا الفعل التأسيسي برعب عضوي لا ينفصم عن المخيال البشري: هوس المحو التام والعودة إلى ظلمات التيه والخراب المعرفي. وتتجلى هذه الكابوسية المتكررة في تاريخ البشرية عبر الرمزية المأساوية للمكتبة التي تلتهمها النيران أو تابتلعها تيارات الأنهار الجارفة. ولا تتوقف هذه المأساة عند حدود الحزن العاطفي لفقدان كميات من المخطوطات ووثائق الرق والبرديات النادرة، بل تصطدم مباشرة بالجذر الأنطولوجي للوجود البشري؛ فالإنسان هو الكائنات الوحيد الواعي بحتمية فنائه الفردي، ولذا فهو يعمد إلى تشييد حصون من النصوص كترسانة ضد النسيان، وجسر يتيح له التحاور مع أسلاف منقرضين ومخاطبة أجيال لم تولد بعد. وعندما تحترق المكتبة الكبرى، لا تضيع الكلمات وحدها، بل يتصدع وعي النوع البشري بذاته ويهوي بغتة في الهاوية السحيقة للانقطاع التاريخي.
تتكرر هذه المأساة الحضارية في الذاكرة الكونية كجرح لا يندمل؛ بدءاً من أسطورة حريق مكتبة الإسكندرية القديمة، حيث تبددت علوم وفلسفات الحقبة الهلنستية تحت وطأة الصراعات السياسية والدوغمائية، وصولاً إلى الكارثة المروعة التي ضربت بغداد أثناء الغزو المغولي في عام 1258 م، حين ألقيت كنوز بيت الحكمة في مياه دجلة، لدرجة يُحكى معها أن النهر أداكن لونه بحبر المجلدات واختلط بدماء العلماء والشعراء الحمراء، ممثلة تلك اللحظة نهاية عصر ذهبي لتراكم بشري مفتوح. ولم تكن العصور الحديثة أقل شراسة في ممارسة هذا المحو المنهجي، كما تجسد في إحراق الكتب النازية في برلين، التي ابتغت تطهير الفكر بالقوة الغاشمة، وصولاً إلى قصف المكتبة الوطنية في سراييفو أثناء حرب البوسنة، حيث تساقطت رماد آلاف المخطوطات الأندلسية والعثمانية على رؤوس السكان كثلج أسود حزين يوثق رغبة إبادة في محو ذاكرة التعايش والتعددية قبل محو الأجسام نفسها.
هذا الرعب المستمر من الاكتساح والزوال أفرز محاولات فلسفية وتقنية مستميتة لمقاومة الإبادة المعرفية؛ تجلت أقدم أشكالها في تقنية «الرقيم الممشوط» أو المخطوطات المُعاد كتابتها (الباليمپسست)، حيث كان الرهبان والنساخ يكطتون النصوص القديمة المكتوبة على الرق لإعادة الكتابة فوقها لأسباب الشح المادي، ومع ذلك، كانت الطبقات المموة تأبى الفناء التام وتظل كامنة في مسامات الجلد كأشباح باهتة في انتظار التقنيات الحديثة والتصوير المقطعي لنطق حروفها السالفة من جديد. وعلى المستوى الفكري والتخييلي،
صاغ الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس أسطورته الخالدة حول «مكتبة بابل»، متخيلاً الكون بأكمله على شكل مكتبة لا متناهية تتألف من غرف مسدسة تضم كافة التوليفات الممكنة للحروف والكلمات؛ حيث تضيع الحقيقة المطلقة وسط تدفق لا نهائي من المجلدات التي تحتمل الصدق والكذب، والتحريف والتأويل، لتغدو الخسارة هنا ناتجة عن فرط التشبع لا عن الاحتراق.
وما كل رف يشيده الإنسان اليوم في بيته أو جامعته إلا حصن رمزي يواصل خوض تلك المعركة القديمة والنبيلة ضد الإبادة؛ معركة يعلم البشر هشاشتها وضعف أدواتهم أمام عواصف الزمن والهمجية، لكنهم يصرون على خوضها دفاعاً عن ذلك الوميض الهش المسمى حضارة، وبإيمان أن الكلمة المكتوبة هي الرد البشري الوحيد، والأكثر شجاعة، في وجه صمت العدم الذي يتربص بالجميع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!