تجلس رأس الخيمة على عرش تاريخي مجيد وعميق الجذور تحت اسمها الخالد "جلفار"، تلك الحاضرة الكبرى التي وثقتها الحفريات الأثرية في مواقع شعم وغليلة وجزيرة الحليلة. فمنذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، مثلت هذه المنطقة مهد صناعة الفخار المميزة وتجارة النحاس في ثقافة وادي سوق، قبل أن تحول في العصر الوسيط الإسلامي إلى المرفأ التجاري الرئيسي في جنوب الخليج لتصدير الخزف وتجارة اللؤلؤ الطبيعي الثمين نحو الصين والهند وسواحل إفريقيا. ومن طرق جلفار البحرية أبحر أمير البحار وملاح المحيطات الشهير أحمد بن ماجد في القرن الخامس الهجري/الخامس عشر الميلادي، تاركاً خلفه أشعاره الملاحية وكتبه التي وجهت السفن عبر مياه المحيط الهندي وبحر العرب الهائجة. وفي العصور الحديثة، استقرت قبائل القواسم العريقة في رأس الخيمة، محولات إياها إلى عاصمة بحرية وقاعدة حصينة لأساطيلها الحربية التي بلغت مئات السفن، حيث تصدوا للأطماع الاستعمارية البرتغالية والبريطانية، مسطرين ملاحم خالدة دفاعاً عن استقلال مياههم، إلى أن انضمت الإمارة إلى الاتحاد الميمون في 10 فبراير 1972 بقيادة المغفور له الشيخ صقر بن محمد القسيمي، جامعاً بذلك بين عبق التراث البحري وشموخ طبيعتها الجبلية الآسرة.
تحتضن رأس الخيمة أروع القلاع والحصون الأثرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتتوجها "قلعة ضاية" التاريخية التي بنيت في القرن السادس عشر من الطين وحجارة المرجان على قمة تل صخري مشرف على بساتين النخيل ومياه الساحل، والتي شكلت مسرحاً لآخر المعارك الدفاعية البطولية للقواسم ضد القوات البريطانية عام 1819. وفي قلب المدينة يقع "متحف رأس الخيمة الوطني" داخل القصر الملكي القديم للأسرة الحاكمة، ليضم برجاً دفاعياً استثنائياً ومعارض فريدة توثق العصر الحجر وتجارة اللؤلؤ والأسلحة التاريخية. وعلى الساحل الجنوبي الغربي تنتصب "الجزيرة الحمراء"، وهي قرية تراثية متكاملة هجرها أصحابها في منتصف القرن الماضي لتحتفظ بملامحها الأصلية كأنقى نموذج لقرية صيادي الأسماك والغواصين عن اللؤلؤ في الخليج العربي، بأزقتها الضيقة ومنازلها وأبراجها المبنية من حجر المرجان والأصداف البحرية وسعف النخيل ومساجدها العتيقة. وفي شرق الإمارة تعانق السماء قمة "جبل جيس"، أعلى قمة جبلية في دولة الإمارات العربية المتحدة بارتفاع يناهز ألف وتسعمائة متر فوق سطح البحر، لتتيح مسارات جبلية مذهلة وأطول مسار انزلاقي (زيبلاين) في العالم، وتتكامل مع العيون الساخنة الطبيعية في واحة "عين خت" العلاجية.
لقد احتلت جلفار ورأس الخيمة مكانة بالغة الأهمية في كتابات الرحالة والجغرافيين عبر العصور؛ فقد ذكرها الإدريسي في "نزهة المشتاق" مشيداً بمغاصات اللؤلؤ وحركة سفنها، وخلدها ابن بطوطة في رحلته وهو يجوب موانئ الخليج وبحر عمان. وروى المؤرخ والرحالة البرتغالي بيدرو تيكسيرا في أوائل القرن السابع عشر طهارة لؤلؤ جلفار وعلو كعبه وجودته الفائقة التي جعلته الأغلى ثمناً في أسواق لشبونة ومدريد وغوا. وسجل الكاتب والرحالة البرتغالي دوارتي باربوسا في مؤلفاته تفاصيل ازدهار جلفار وإقبال النواخذة والتجار المسلمين على أسواقها لإبرام صفقات الخيول واللؤلؤ والتوابل. كما سجل القادة والضباط البريطانيون في تقاريرهم العسكرية عام 1819 القيمة الاستثنائية للمدافعين في قلعة ضاية وأسوار رأس الخيمة، مشيدين بشجاعة أبناء القبائل وبراعتهم الفريدة في القتال وسط التضاريس الوعرة بين القمم الشاهقة والممرات الساحلية.
يمتلك المطبخ التقليدي في رأس الخيمة فرادة استثنائية تمزج بين خيرات المزارع الخصبة في السهول الداخلية ووفاء الأسماك البحرية. ويتصدر طبق "الجشيد" قائمة المأكولات الشعبية الأكثر شهرة، وهو طبق بحري فاخر يُصنع من لحم صغار أسماك القرش المعروفة محلياً بـ "العوال" أو "اليرير"، أو من سمك "اللخ" الطازج المستخرج من مياه الخليج. يُنظف السمك ويسلق في ماء مالح مع عصير الليمون والكركم وقطع الليمون الصحراوي المجفف (اللومي) لإزالة الدسم والشوائب، ثم يُصفى ويُفصل لحمه الأبيض عن الجلد والغضاريف ويُفرك ناعماً باليد. بعد ذلك، تُقلى البصلة المفرومة مع الثوم والزنجبيل في قدر ساخن مع السمن العربي الأصيل المتبل، وتقلب جيداً قبل إضافة لحم السمك المفروم مع خليط غني من الكزبرة الطازجة، الشبت، مسحوق القرفة، الهيل، الكركم، الفلفل الأسود وبهارات السمك الإماراتية. يُقلب المزيج على نار هادئة حتى يجف تماماً ويتشبع بالأريج وتفوح منه روائح ذكية. يُقدم الجشيد ساخناً فوق هرم من الأرز الأبيض المطهو بماء الورد والمزين بالبصل المحمر مع قطرات من الزبدة المذابة. كما تشتهر الموائد الجبلية في الإمارة بيخنات لحم الماعز الجبلي المطبوخة في أفران الأرض التحتية (التنور)، وخبز "الخمير" المتبل بحبة البركة والمخبوز على الجمر، وحلوى "الساقو" الزعفرانية الشفافة المرشوشة بالمكسرات واللوز المحمص.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!