تضرب إمارة عجمان بجذورها عميقاً في قلب الإمارات كواحة هادئة تدمج بين التراث البحري العريق والتقاليد العربية الأصيلة. تعود نشأتها الحديثة إلى أواخر القرن الثامن عشر، عندما اختارت قبيلة "الن النعيمي" العربية العريقة هذا الميناء الطبيعي المطل على الخليج العربي ليكون موطناً لها ومقر حكمها. وقد وضع الشيخ راشد بن حميد النعيمي أسس الإمارة واستقلالها السياسي حوالي عام 1810 ميلادية. ولقد ظلت عجمان عبر القرون مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ولا ينفصم بالبحر، حيث تحولت إلى أحد المراكز الرئيسية لبناء القوارب الخشبية التقليدية (الداو) في كامل شبه الجزيرة العربية، واشتهرت بامتلاك أسطول بحري ضخم مخصص للصيد والغوص للبحث عن اللؤلؤ. ورغم مساحتها الجغرافية المدمجة، استطاعت عجمان الحفاظ على أمنها واستقرارها وتماسكها الاجتماعي بفضل حنكة حكامها من آل "النعيمي". وقد مدّت أراضيها نحو واحات داخلية خصبة مثل "مصفوت" و"المنامة" في أحضان جبال الحجر، حتى بلغت طليعة الإمارات المؤسسة للاتحاد المجيد في عام 1971 ميلادية بقيادة المغفور له الشيخ راشد بن حميد النعيمي. هكذا تحولت هذه الحاضرة الساحلية إلى مدينة حديثة ونموذجية تجمع بين هدوء الحياة والرفاهية وتطور البنى التحتية.
تفوح معالم عجمان بعبق تاريخ ساحلي متميز. يقف "حصن عجمان" شامخاً في قلب المدينة باعتباره أبرز معالمها التاريخية؛ وهو حصن دفاعي شُيّد في أواخر القرن الثامن عشر باستخدام حجارة الكورال البحري، والطين، والجص، وسعف النخيل، ويعلوه برج هوائي تاريخي (بارجيل) وبرجان دفاعيان. ويتحول هذا المبنى اليوم إلى "متحف عجمان الوطني" لعرض قطع نادرة توثق مهن الغوص والصيد، والأسلحة القديمة، والمخطوطات، والاكتشافات الأثرية من موقع "المويد" الذي يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وبالقرب من الخور يقع "مرسى عجمان"، أكبر حوض نشط لبناء القوارب الخشبية التقليدية في العالم، حيث يواصل الحرفيون المهرة تشكيل قوارب البوم، والسنبوك، والشوعي باستخدام خشب الساج المستورد، محافظين على حرفة أجدادهم بنفس الدقة اليدوية الموروثة. أما على الصعيد الطبيعي، فتتألق "محمية الزوراء الطبيعية" كواحة بيئية ساحرة تمتد على مساحات شاسعة من غابات القرم (المانجروف) والمداخل المائية التي تؤوي مئات الأنواع من الطيور المهاجرة، في مقدمتها طيور الفلامنكو الوردية. وفي الأفق الداخلي ترتفع جبال "مصفوت" بقلعتها التاريخية الشهيرة ووديانها الخضراء وعيون مياهها العذبة.
حظيت عجمان بتوثيق واسع في كتابات الرحالة ومسؤولي الإدارة البريطانية في الخليج. فقد قدم جون غوردون لوريمر في "دليل الخليج" وصفاً دقيقاً لخورها الهادئ وأحياؤها السكنية، موثقاً أن الإمارة كانت تمتلك في أوائل القرن العشرين أكثر من أربعين سفينة غوص ضخمة تجوب مغاصات اللؤلؤ الرئيسية، مسجلاً براعة بحارتها وروابط الأخوة المتينة التي جمعتهم بباقي قبائل الساحل. وتحدث الضباط والمهندسون البحريون البريطانيون في تقاريرهم الدورية عن عبقرية نجارين وبناة السفن في عجمان، واصفين قدرتهم الفريدة على بناء قوارب شراعية متينة قادرة على عبور المحيط الهندي والوصول إلى سواحل الهند وزنجبار دون الاستعانة بمخططات هندسية ورقية، بل اعتماداً على حدس فطري وحسابات ذهنية موروثة. كما أشاد المندوبون والمستشرقون الذين زاروا الساحل بالسلام العميق والأمن اللذين كانا يسودان طرق عجمان، وبالضيافة الكريمة التي كان يستقبل بها حكامها وأعيانها الضيوف دائماً في مجالسهم المفتوحة على ضفاف الخور.
يعكس المطبخ التقليدي لعجمان أصالة البيئة البحرية وتناغمها مع تمور واحات النخيل. ويتصدر المائدة طبق "مجبوس سمك الكينغ فيش"، المُعد على الطريقة الساحلية الخالصة: حيث تُقطع سمكة الكينغ فيش الطازجة إلى شرائح عريضة، وتُتبل بخليط من البهارات العربية (البزار)، والكركم، والملح، والليمون، وتُقلى حتى تصبح ذهبية اللون. بعد ذلك، يُقلى البصل المفروم في نفس الزيت مع الثوم، والزنجبيل المهروس، وشرائح الفلفل الحار، والكزبرة الطازجة، مع إضافة الليمون الصحراوي المجفف (اللومي) المفروم ناعماً، والقرفة، والهيل، والقرنفل. يُضاف الماء حتى يغلي لامتصاص نكهات البهارات، ثم يُضاف أرز البسماتي طويل الحبة ليمتص المرق العطري على نار هادئة حتى ينضج. وأخيراً، توضع السمكة المحمرة فوق الأرز وتُغطى بالسمن الذائب ليطلق بخاره العطري. وتشمل الأطباق البحرية الشهية في عجمان أيضاً طبق "صالونة سمك الصافي" أو الشري، و"مضروبة السمك". ولإفطار صباحي مميز، يبرز "خبز الجباب" الذهبي، المخبوز على الصاج والمُحلى بالعسل الطبيعي ودبس التمر والزبدة المُصفاة، إلى جانب حلوى "الخبيصة" و"اللقيمات" المقرمشة المقلية في زيت السمسم والمغموسة في الدبس، وتُقدم دائماً برفقة القهوة العربية الفاتحة المُطيبة بالهيل والزعفران والقرنفل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!