التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 أكتوبر 2026، والتي دعا فيها علانيةً المملكة العربية السعودية إلى قبول المساعدة العسكرية الإسرائيلية لمواجهة هجمات الحوثيين رابطاً ذلك بإحياء "اتفاقيات أبراهام"، تتجاوز المواقف الدبلوماسية العابرة لتكشف عن الفصل الأخير من هندسة أزمات إقليمية مخططة بعناية فائقة. فال المشهد الذي يُرسم اليوم على خارطة الشرق الأوسط لا يعكس مجرد التداعيات العفوية لصراع عسكري، بل يمثل ذروة استراتيجية مشتركة بين واشنطن وتل أبيب قائمة على تأجيج الحريق الإقليمي عمداً مع العلم المسب ح بأن شراره ستطال حتماً دول الخليج، لتقديم "طفاية الحريق الإسرائيلية" لاحقاً مقابل ثمن سياسي باهظ يتمثل في التطبيع القسري وإعادة صياغة العالم الإسلامي وفق معايير أمنية تصب في مصلحة واشنطن وتل أبيب.
تعود خيوط التأسيس لهذا البحث إلى ربيع 2026، وتحديداً شهري مارس وأبريل، عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليتهما العسكرية الواسعة ضد إيران. وفي كواليس البنتاغون والاستخبارات الإسرائيلية، كانت التقديرات الاستراتيجية السابقة لساعة الصفر لتلك الحرب متطابقة بنسبة 100% على أن العقيدة العسكرية الإيرانية، القائمة على "الدفاع الفسيفسائي" وتفعيل أذرعها الإقليمية، لن تقصر المواجهة على الجغرافية الإيرانية، بل ستشرع فوراً في ضرب عمق الخليج ومنشآته الحيوية لرفع الكلفة الاقتصادية والجيوستراتيجية للحرب على المستوى العالمي. وهذا الإدراك المسبق يثبت أن قرار الحرب تضمن في جوهره عملية استفزاز متعمدة لإلغاء مسار التهدئة الإقليمية وتدمير "اتفاق بكين" الموقع في مارس 2023، وإخراج الدول الـ 6 الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قسراً من مربّع الحياد الإيجابي تحت وطأة الصواريخ والمسيرات التي طالت أراضي السعودية والإمارات والكويت والبحرين.
ولم تتوقف الخطة عند حدود تفجير المنطقة، بل تجلت أبعادها الأكثر دهاءً في يونيو 2026، عندما تحولت الإدارة الأمريكية فجأة نحو مسار تفاوضي أحادي مع طهران بمعزل عن حلفائها الإقليميين. وقد أبقى خط التفاوض هذا ترسانة الصواريخ التابعة لجماعة الحوثي في اليمن سليمة وتعمل على طول حدود تتجاوز 1400 كيلومتر مع المملكة العربية السعودية، ودون تسوية نهائية تضع حدّاً لتهديد الميليشيات. ومن خلال هذه المناورة، نجحت واشنطن في نقل عبء الاستنزاف العملياتي عن كاهلها وكاهل تل أبيب إلى الجبهة الخليجية، وهو واقع لخصته تقارير الصحافة الأمريكية، ومنها صحيفة "واشنطن بوست"، بالإشارة صراحةً إلى أن هجمات الحوثيين المتصاعدة في أكتوبر 2026، بما في ذلك محاولات استهداف مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة الرياض، تضع المملكة أمام فاتورة باهظة لحرب أمريكية لم تشارك الرياض في قرار إشعالها.
وعلى الرغم من أن جماعة الحوثي تعمل ميدانياً وعقائدياً وتسلحياً كجزء عضوي من المحور الإيراني الذي يسعى لانتزاع أوراق ضغط في البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية، إلا أن النتائج العملية لهجماتها تتطابق وظيفياً مع الأجندة الإسرائيلية لدرجة التطابق في التأثيرات. وكل طائرة مسيرة أو قذيفة صاروخية تُطلق من صنعاء ضد أهداف مدنية ومنشآت اقتصادية سعودية تتحول فوراً في غرف التخطيط في تل أبيب وواشنطن إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي مزدوج؛ فمن جهة، تهدف هذه الضغوط إلى عسكرة البحر الأحمر -الذي يمر عبره نحو 15% من التجارة العالمية- لابتزاز المشاريع العملاقة لـ "رؤية 2030" على الساحل الغربي والتي تُقدر استثماراتها الإجمالية بأكثر من 3 تريليونات دولار؛ ومن جهة أخرى، تسعى لإجبار الرياض على قبول دمج أمنها البحري والجوي ضمن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مما يجعل إسرائيل العقدة المركزية والضامن الأمني لتدفقات التجارة والطاقة.
غير أن حسابات الإدارة الأمريكية والإسرائيلية اصطدمت بالحسابات السيادية السعودية. فقد أثبتت تحركات الرياض خلال الأسبوع الحالي من أكتوبر 2026 وعياً استراتيجياً عميقاً بخطور هذه الفخاخ ورفضاً قاطعاً للخضوع لسياسة "الابتزاز بالنار". وبدلاً من طلب الدعم الإسرائيلي أو استجداء أنظمة الاعتراض لتعويض استنزاف الاحتياطيات الدفاعية، اختارت المملكة طريق الرد السيادي والمستقل والحاسم: ففي 13 أكتوبر 2026، شنت القوات السعودية ضربات جوية مركزة دمرت 3 مخازن استراتيجية للوقود والإمداد العسكري تابعة للحوثيين في اليمن، وأعقبت هذه الخطوة الميدانية بانتصار دبلوماسي في 15 أكتوبر 2026 تمثل في انتزاع قرار حاسم من الدول الـ 15 الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يدين الهجمات الحوثية ويعترف بحق المملكة المشروع والأصيل في الدفاع عن أراضيها وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، قاطعةً بذلك الطريق أمام أي محاولة لفرض وصاية أمنية خارجية أو غطاء عسكري إسرائيلي.
ترتكز هذه المقاومة السعودية على 3 ركائز للردع الاستراتيجي تجعل الرياض صلبة لا تلين. الركيزة 1 تكمن في القناعة الراسخة بأن الاعتماد على مظلة الأمن الإسرائيلية لن يجلب الاستقرار، بل سيحول الجغرافيا السعودية إلى خط دفاعي متقدم ومسرح دائم لتصفية الحسابات نيابة عن تل أبيب، فضلاً عن إهداء إيران والحوثيين ورقة دعائية لتصوير عدوانهم كمعركة ضد "تحالف أمريكي-صهيوني"، مما يضرب المكانة الروحيّة والقيادية للمملكة في قلوب نحو ملياري مسلم موزعين في 57 دولة ضمن منظمة التعاون الإسلامي. والركيزة 2 تتمثل في كسر احتكار التسلح عبر تسريع خطط توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري السعودي بحلول عام 2030 وتنويع شراكات الدفاع والتكنولوجيا مع القوى الدولية مثل الصين روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة. أما الركيزة 3 فتتجسد في امتلاك الرياض لسلاح الردع الاقتصادي الأقدر على كبح الضغوط الأمريكية من خلال قيادتها لتحالف "أوبك +" الذي يضم 23 دولة، وقدرتها -عبر التحكم في إنتاج يقارب 9 ملايين برميل يومياً- على إحداث اضطرابات عميقة في أسواق الطاقة العالمية إذا حاولت واشنطن العبث بالأمن القومي السعودي. وبهذا، تظل معادلة الرياض السيادية ثابتة برفض التطبيع المجاني والإصرار على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 كشرط غير قابل للتفاوض.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!